ثقافة و فن

فيلم الأوسكار اللبناني «القضية 23».. كلنا ضحايا بصورة أو بأخرى

يحكي الفيلم قصة خلاف شخصي بين فلسطيني ولبناني يتحول إلى قضية سياسية

عادل كرم (طوني)

كتبت- فاطمة لطفي

خلاف عرضي بين لاجئ فلسطيني مسلم، أراد إصلاح ماسورة تصريف مياه في شرفة لبناني مسيحي، أسفر عن مشاجرة انتقلت إلى ساحات المحاكم، وتحوّلت من مسألة شخصية إلى قضية رأي عام، هذا ما يقدمه لنا المخرج اللبناني الفرنسي زياد دويري في سرديته الجديدة “القضية رقم 23″، الفيلم الذي يعرف أيضًا بـ”الإهانة”.

يبرز لنا مخرج «بيروت الغربية- 1998» و«الصدمة -2012» بلغة سينمائية جميلة ومتماسكة، مدى الانقسام داخل لبنان، حتى في الحياة اليومية. كاشفا أن الكلمات لا يمكن أن تخرج من سياقها التاريخي والسياسي خاصة لو قيلت في خضم مشاجرة، وأن الحرب الأهلية في لبنان التي اندلعت في الفترة من (1975-1990) لم تنته على ما يبدو، ولم تحدث مصالحة حقيقية بين الجانبين اللبناني والفلسطيني، وإنما انتقلت من ساحات القتال إلى قاعات المحاكم، مشددا على أن الذكريات لا يمكن أن تنسى بسهولة، خاصة لو كانت مثقلة بالحرب والموت والتهجير.

يدير طوني (عادل كرم) مرآب لتصليح السيارات في حي فسوح في لبنان ذي الأغلبية المسيحية، متزوج وينتظر طفلة، بينما يقطن ياسر (كامل الباشا) في مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، متزوج من لبنانية مسيحية ويعمل في شركة كلفتها إدارة الحي بترميم المنازل وتفقد المخالفات. تصادف تواجده ذات نهار أسفل شرفة طوني الذي كان يسقي الزرع. تتساقط المياه على ملابس ياسر، يتبادل الرجلان الإهانات ويتحول الأمر إلى مشاجرة تفشل معها كل محاولات الصلح.

كامل الباشا (ياسر) في أثناء مثوله للمحاكمة

يصرّ طوني أنه لن يقبل بأي صلح دون اعتذار شفهي عن الإهانة التي بدرت عن ياسر. يتوجه الأخير بعد محاولات حثيثة من رئيسه في العمل لتقديم اعتذار لطوني أمام مرآبه. قبل أن يفعل، يسبقه طوني بترديد كلمات مشحونة بالكراهية تنتهي بالجملة التي يتردد أصداؤها في قاعات المحاكم طيلة أحداث الفيلم “يا ريت شارون محاكن عن بكرة أبيكن”. هنا يثور ياسر غاضبا، ليضربه، يقرر طوني رفع دعوى قضائية مختصما إياه.

لا يكترث طوني بالحصول على تعويض مالي أو حتى بمعاقبة ياسر بالحبس، يطالب فقط باعتذار، لا يرى شخص ياسر أمامه، لكن هويته الفلسطينية. لن يكون سهلا أن تشعر بأي تعاطف مع طوني الذي لا يبدو مفهوما إصراره على تصعيد الخلاف للمحاكم، تعاطف يراه هو حكرا على الفلسطيني باعتباره “يحتكر المعاناة هو وشعبه”، وبحكم اصطفاف الجميع إلى جانب قضيتهما.

لكن طوني ضحية هو الآخر، كما يكشف لنا دويري في ما بعد، ضحية لماضي مثقل بالتهجير والقتل، عندما اجتاحت ميليشيات مسلّحة فلسطينية قريته “دامور” المسيحية وقتلت المئات وأجبرت الأهالي على الفرار أو الاختباء في الكنائس، وفي ما كان طوني في سن السادسة، فرّ به والده ليلا عبر شريط القطار باكيا خائفا، في مشهد لن يفارق ذهنه حتى بعد أربعين عاما.

Related image

الصورة تزداد تعقيدا وتشابكا الآن، من المذنب الحقيقي في القضية؟

ينأى دويري بنفسه عن الانحياز لأي من الجانبين، ويظهر أكثر الانقسام في قاعات المحاكم في أثناء نظر القضية، وحتى داخل أفراد الأسرة الواحدة، بعد أن يكشف لنا درجة قرابة المحامي (كميل سلامة) الذي يعرض مساندة طوني دون مقابل، لغرض شخصي، وبين المحامية (دياموند بوعبود) التي قررت الدفاع عن ياسر، وحتى في الهتافات المؤيدة والمعارضة في الاشتباكات التي دارت في الشوارع بعد ذلك وداخل المحكمة.

الجميع يظن أنه على حق. والكل يريد أن يخرج رابحا من القضية التي تزداد تصعيدا على مدار الفيلم الذي يستمر لقرابة الساعتين. القضية شخصية لكن لا يمكن فصلها على السياق التاريخي والسياسي للشعبين، والانتماءات السياسية الواضحة لدى طوني، الذي يواظب على حضور اجتماعات الحزب المسيحي اللبناني، والاستماع لخطابات بشير الجميل، السياسي الراحل الذي كان قائدا عسكريا للقوات اللبنانية وكان يحض على “تطهير” المخيمات من الفلسطينيين.

Related image

“القضية “23 هو أوّل فيلم لبناني يتأهل إلى المنافسة النهائية للفوز بجائزة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي، في سابقة من نوعها للسينما اللبنانية، ومن المقرر أن ينافس الفيلم الذي أثار جدلا واسعا بعد اتهام مخرجه بالعمالة وتوقيفه احتياطا للتحقيق معه حول تصوير فيلمه السابق “الصدمة” في إسرائيل، على الجائزة في مارس المقبل مع أربعة أفلام عالمية أخرى. ويعد الفيلم العربي الوحيد المشارك في الجائزة الأمريكية. كما شارك في مهرجانات عديدة خلال 2017، منها مهرجان البندقية السينمائي الذي منح كامل الباشا جائزة أفضل ممثل، فيما منحه مهرجان الجونة السينمائي الجائزة نفسها عن دوره.

وقوبل الفيلم بضجة كبيرة لدى إعلان سينما زاوية بالقاهرة عرضه في صالاتها في 31 يناير الماضي، وسط دعوات بمقاطعة الفيلم وتوجيه اتهامات لدور العرض بـ”التطبيع مع إسرائيل”. كما مُنع من العرض في مهرجان أيام سينمائية في فلسطين المحتلة. ودعت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) لمقاطعة الفيلم وقالت في بيان سابق لها إنها تؤكد أنها “ضد عرض أي منتج ثقافي لمخرج عربي خالف معايير المقاطعة الثقافية خلال تصويره فيلمه السابق (الصدمة)، ممارساً (حرية التطبيع)، لا حرية التعبير، ولا يزال يروّج للتطبيع”.

طوني وزوجته

والفيلم من بطولة كل من كامل الباشا، وعادل كرم، ودياموند بوعبود، وريتا حايك، وطلال جوردي، وجوليا قصار، وكريستين شويري، وهو من تأليف جويل توما بالاشتراك مع مخرجه زياد دويري.

وفي ختام الفيلم، لا يمنحنا دويري مشهدا دافئا، أو مصافحة بين الرجلين، أو تسامحا حقيقيا، لكن نظرة تفاهم وابتسامة خفيفة متبادلة تبيّن أنهما باتا قادرين على التعامل الآن بالقدر الذي يمكنهما تحمله. ورغم أن المحكمة أنصفت ياسر بكونه غير مذنبا فإن الفيلم لم يقدم جوابا حقيقيا بشأن المذنب الحقيقي في القضية، عارضا معاناة وعذابات الطرفين، دون انحياز.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق