سياسةمجتمع

ّلاجئون في مصر: موت البحر و لا حياة البر

لاجئون في مصر: المخاطرة بالحياة عبر المتوسط أرحم من الحياة في مصر

جلوبال بوست – لورا دين – ترجمة: محمد الصباغ

كل الأسماء في التقرير ليست حقيقية لحماية أصحابها

سمع أبو خالد ذات يوم أن 700 شخص قد غرقوا أثناء محاولتهم العبور من جنوب البحر المتوسط إلى شماله وتحديداً إلى إيطاليا، كان في عرض البحر حينها زوجته وابنتيه. كان في حالة خوف شديدة، والتصق بشاشة التلفزيون التي تبث أنباء مرعبة عن الحادث طوال اليوم.

يقول: ”كنت خائفاً جداً. هدأت فقط عندما عرفت أن المركب قد تحرك من ليبيا“. كانت عائلته التى رحلت عن مصر من اللاجئين السوريين.

يشرح أبو خالد أن الصعود على متن قارب تهريب هو أمر سهل، هناك سماسرة في كل مكان. فقد حجزت زوجته مكاناً لها و ابنتيها على متن قارب من خلال سمسار وجدته أثناء نزهة كانت تقضيها مع بعض النساء السوريات. ويضيف: ”يمكنك أن تجدهم في مؤسسة كاريتاس –منظمة كاثوليكية غير حكومية تقدم الخدمات للاجئين- وفي البقالة، ففي أي مكان فيه سوريين ستجد سماسرة تهريب لاجئين، ولن يذكر الناس أسمائهم لأن هناك سوريين آخريين ينتظرون المساعدة“.

أن تصل بأمان إلى أوروبا هو أمر صعب المنال. لكن يبدو أن المهاجرين لن يتوانوا عن محاولات العبور المحفوفة بالمخاطرمن شمال إفريقيا إلى أوروبا، رغم حالات الوفاة والغرق المتكررة. بينما غادر الكثير منهم بسبب الصراع أو المحاكمات في بلادهم، إلا أن الحياة في مصر أيضاً صعبة، ويعاني هؤلاء اللاجئين من التمييز والعنصرية بشكل كبير.

وقال أبو خالد إنه لولا مرضه ما تردد في الصعود على متن مركب. لديه رصاصة مستقرة في خده ورباط ضاغط حول جزعه. وأعضائه مدمرة بشدة بفعل خمس رصاصات نارية. كانت تلك الإصابات قد حدثت له وهو في سوريا، نتيجة اعتداء مليشيا تتعاون مع الرئيس السوري بشار الأسد. وكان في منتصف الطريق إلى جراحة عاجلة عندما حاولت مجموعة مسلحة أخرى القضاء عليه. ورتب شقيقه الطبيب طريقاً لخروجه إلى مستشفى آخر حيث قضى شهرين في العناية المركزة.

مؤخراً تم القبض عليه من جانب النظام وقضى أربعة أشهر في السجن، حيث تم تعذيبه. ثم هرب إلى لبنان لكنه علم أن مسلحين تابعين للأسد هناك مازالوا يبحثون عنه. لذا هرب مرة أخرى وهذه المرة إلى مصر ومعترف به كلاجئ. ويتنفس ويتحرك بصعوبة.

يمكن أن تحاول مرات كثيرة قبل أن تنجح في الوصول إلى أوروبا من شمال إفريقيا، لكن اللاجئين يقولون إن الحياة التي يتخيلونها خلف المتوسط تستحق عناء الرحلة.

 أما عائلة أنس فقد نجحت في الرحيل بعد عشرات المحاولات.  وقد حاول السوري، الذي وشم اسمه على ذراعه، الوصول إلى أوروبا مع زوجته و بناته الأربعة 11 مرة، بينهم محاولتين عبر البحر، ومحاولتين للأسرة بدون أنس. وفي الرحلة رقم 13 عبروا أخيراً، ويقول أنس: ”لقد كنت نحساً عليهم“.

والآن هم في أوروبا ويتمنى أنس لهم حياة سعيدة، لكن حياته في مصر وحيداً ليست سهلة. ويقول: ”لم يتركوا لي شيئاً سوى الذكريات“.

أبو أحمد المولود في دمشق غادر سوريا بعدما انفجرت قنبلة بجوار المعهد الذي يدرس فيه ابنه. والآن يأمل أن يعبر المتوسط مع أسرته إلى أوروبا. ويؤكد: ”بالطبع أنا خائف، لكن لا يوجد فرق بين موت بطئ أو موت مفاجئ (في البحر)“.

هناك اتفاق يعقده المهربون يعطي لمن يحضر 10 أشخاص أن يرسل شخصا آخر مجانا. ووجدت زوجة أبو أحمد خمسة أشخاص إلى الآن. وتقول: ”بأمر الله، ما كتبه لنا سيكون، سأموت شهيدة، وستكون ميتة كريمة“.

بالطبع ليس السوريين فقط هم من يخاطرون بحياتهم في تلك الرحلة عبر البحر. فمن دارفور وصلت ثريا وعائلتها إلى مصر في مارس 2013. وحيدة مع أطفالها الأربعة الأقل من 10 سنوات، عملت في تنظيف المنازل لتضيف أجرها إلى المائة  دولار التى تصلها من وكالة الأمم المتحدة للاجئين شهرياً، والتى تكفي بالكاد لدفع إيجار سكنها. بعد ذلك توقفت المساعدات، ثم أصابها المرض  ولم تعد قادرة على العمل بشكل كاف لتغطية تكاليف الإيجار. أرسلت صاحبة العقار بلطجية ليأتوا بالأموال منها، واعتدوا عليها جنسياً أمام أطفالها.

أصبحت ثريا وأبنائها يعيشون في الشارع. وحاولوا السفر إلى أوروبا مرة، كان أخيها على متن قارب يتحرك من مصر ودفع لها. لكن في بداية الرحلة تعطل القارب، وجنح بهم لسبعة أيام قبل أن تلتقطهم شرطة الإسكندرية.

تم الاعتراف بثريا وأبنائها كلاجئين، وسمح لهم بالبقاء بعد قضاء شهر في قسم الشرطة. وأرسل أخيها مرة أخرى إلى الخرطوم. وتقول: ”منذ اليوم الذي عاد فيه إلى السودان، لم أعرف ما الذي حدث له، ولم نتحدث حتى مرة واحدة هاتفياً“.

تحلم الآن بعبور البحر المتوسط إلى أوروبا. من يستطيعون العبور هم المحظوظون. وتؤكد: ”لا أستطيع العبور لأني غير قادرة على دفع التكاليف“. وأضافت أنها فكرت في الانتحار، وقالت: ”أريد من الله أن يأخذني أنا وأطفالي إليه، ما ذنبهم؟ أعتقد أن الموت أرحم من الحياة“.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق