إعلامسياسة

وجه السيسي الآخر .. تحقيق الجارديان

 

ثار غضبه حين سمع عبارة ” مبارك فاسد” ، ملتزم، منعزل، يؤمن  بإتاحة الفرصة للتدين، ويرى الخلافة نموذجا مثاليا للحكم؟ تحقيق الجارديان البريطانية يلقي الضوء على جوانب غير معروفة  من شخصية المرشح عبد الفتاح السيسي

 

تصوير: جيم واطسون “AP”

باتريك كينجسلي – الجارديان

إعداد وترجمة: منة حسام الدين

 

يتذكر أحمد سيف  أنه التقى الرئيس القادم لمصر قبل أن تسمع عنه جموع الشعب، كان ذلك في الخامس من فبراير عام 2011، في منتصف الانتفاضة الفوضوية التي اندلعت ضد حسني مبارك، وقبل أقل من أسبوع من تنحي ذلك الديكتاتور.

“سيف”، المحامي البارز في مجال حقوق الإنسان، تم اعتقاله لمدة يومين خلال الحملة الامنية التي حاول من خلالها النظام استعادة قوته في لحظاته الأخيرة، لمدة 48 ساعة خضع “سيف” للاستجواب على يد ضباط من ذوي الرتب المتوسطة في المخابرات العسكرية، لكن بحلول يوم السبت، جاء  دور قائدهم، عبد الفتاح السيسي، رئيس المخابرات العسكرية حينها، والمرشح الذي تجتمع  الرهانات على فوزه المؤكد بالانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في السادس والعشرين من مايو.

ذلك اللقاء كان وليد الصدفة، حين كان   السيسي يمر  على السجون التي وُضع فيها المحامي “سيف”  وغيره من السجناء الآخرين، وعندما أخبره  ضباطه عن هوية المسجونين بعدما سأل عنهم، حسبما يروي “سيف”، قال لهم السيسي كلاماً يحثهم من خلاله على “احترام حسني مبارك والقيادة العسكرية، ولماذا عليهم العودة إلى بيوتهم وترك الميدان”.

لكن عندما أجاب”سيف” على كلام السيسي قائلا إن “مبارك فاسد” ، ثار غضبه:”أصبح السيسي غاضباً، وأحمّرّ وجهه، كان يتكلم وكأن الجميع سيوافقه على وجهة نظره وأن أحدا لن يعارضه علناً، لكن حين تمت معارضته علناً، فقد السيطرة على نفسه“، يضيف “سيف”

هذا الجانب من شخصية السيسي لا يعرفه الكثيرون، فهو الرجل ذو التسعة والخمسين عاماً والقادم من ظلال الجيش، المعيّن عام 2012  وزيرا للدفاع من قبل، محمد مرسي، الشخص الذي قام “السيسي” في نهاية المطاف بطرده من منصبه.

تصوير: عمرو عبدالله “رويترز”

منذ ذلك الحين، زرع السيسي في الأذهان فكرة أنه الشخص المنضبط الذي يتحدث فقط عندما يكون لديه ما يقوله، فكان أول ظهور له عندما أعلن عن عزل مرسي، وذلك في خطاب الثالث من يوليو عام 2013، والذي كانت  المرة الأولى التي يستمع فيها  إلى حديثه العديد من الناس.

حتى السادس والعشرين من مارس 2014، عندما أعلن أخيراً عن ترشحه للانتخابات الرئاسية، تم التعريفب السيسي على أنه لم يعلن بعد عن كل ما في جعبته. طوال فترة حملته الانتخابية،  لم تكن كلماته التي حددت مصير المشهد السياسي، بل وجهه   الذي يزين جميع الطرق الرئيسية في القاهرة ..

بصرف النظر عن العدد القليل من المقابلات المُسجلة التي أجراها، لم يكن للسيسي أي ظهور علني، كما ترك مساعديه يديرون المؤتمرات الصحفية، والمسيرات، وحتى اللقاءات التليفزيونية.

ـ نجاح عائلي

من يعرفون “السيسي” يقولون إنه شخصية  تتمتع بالهدوء والتقوى معمزيج من التقشف والدفء، وإن شخصيته قد تكونت مبكراً بفعل الظروف التي حددت شكل حياته منذ سن صغيرة.

عملت أسرة “السيسي” – مواليد منطقة الجمالية عام 1954 – في بيع مشغولات الأرابيسك ، التي كانت سبباً في أن يمنحهم وزير الثقافة عام 1970 شهادة تفيد بأنهم أفضل حرفيّ الأرابيسك في مصر.

اليوم، تمتلك عائلة”السيسي” ثلاث بازارات من أفضل البازارات الموجودة في مصر، ومن جانبه، يدعى على حمامة، ابن عم “السيسي والذي ورث مهنة العائلة، أن عائلة “السيسي” هي الوحيدة الآن في مصر التي تقوم بتصنيع الأرابيسك على الطريقة التقليدية.

منطقة الجمّالية

وفقاً لحمامة (55 عاماً)، كان عبد الفتاح السيسي وهو صغير يعمل في متجر عائلته بعد يومه المدرسي، ويقول:” كان يعرف حرفتنا ، وكان جيداً في تلك المهنة”.

الأصدقاء والجيران السابقون للسيسي وصفوه بأنه كان شابا ملتزماً، ومتديناً، ومنعزلاً قليلا، وحتى مملاً بعض الشيء، كما قالوا إنه ترعرع وسط الفقراء الذين كانوا يعملون في صناعة المعادن وأيضاً بين السياح الغربيين الأثرياء.

ارتاد “السيسي” وغيره من أقاربه   مكتبة الازهر القريبة من مسكنهم،  المؤسسة القديمة التي اصطدمت تاريخياً مع جماعة الإخوان المسلمين.

“عبد الفتاح كان شخصا يتسم بالجدية منذ صغره،  يلعب الشطرنج ويرفع الأثقال، لم يلعب أبداً لعبة القط والفأر “الاستغماية” “، يضيف ضاحكاً على حمامة، الذي أشار إلى أن السيسي كان يحرص على النوم مبكراً والتجول في كل مكان، فضلاً عن رفع الأوزان على سطح منزلهم.

كانت عائلة “السيسي” تعتبر من أغنى عائلات المنطقة ، وكانوا منأاوائل من اشتروا السيارة المرسيدس : ” كانوا أغنياء جداً، لكن لا يمكنك أن تشعر بذلك الثراء، كانوا متواضعين جداً”، يؤكد محمود ابراهيم، صاحب مصنع لتصنيع الجوارب، ووقد تعلم  قيادة السيارات على المرسيدس الخاصة بعائلة “السيسي”.

عام 1980، وبعد أن أصبحوا أثرياء بفضل التجارة السياحية، شيدت عائلة “السيسي” أول عقار خاص بها في منطقة “مدينة نصر” الراقية، وعند رحيلهم من منزلهم في الجمالية للانتقال إلى منزلهم الجديد، انخرط المحيطون بهم في البكاء :” الناس كانوا يبكون لأنهم كانوا محترمين جداً”، يقول حسين علي، رجل الأعمال الذي قام بشراء عقار عائلة “السيسي” في الجمالية.

وعلى الرغم من أن عبد الفتاح السيسي قد قدم اقرارا بذمته المالية إلى اللجنة العليا للانتخابات، إلا أن الكشف عنها للعلن لن يتم إلا بعد انتخابه، وفي غضون ذلك رفض فريق حملته الكشف عن ثروته، مما أدى إلى أن يُحيط الغموض صورة السيسي لدى النقاد، وذلك حسبما أكد روبرت سبرنجبورج، الباحث المتخصص في شؤون الجيش المصري وخططه طويلة الأمد، والزميل الزائر في كلية “كينغز” لدراسة الحروب.   ” “إّذا اضطر للإعلان الآن عن ثروته، ربما يثير ذلك تساؤلات تمس بصورته كما لم يحدث من قبل” 

 

رجل عسكري

تصوير: فايز نور الدين “AFP”

بعدما  استقال عبد الفتاح السيسي من الجيش في مارس الماضي، أصبحت تلك المرة الأولى التي لا يعمل فيها في مؤسسة عسكرية ما منذ 4 عقود، بخلاف إخوته، فلديه شقيق هو  قاضٍ كبير، وآخر موظف مدني.

في السنوات الأخيرة لنظام مبارك، انتقل عبد الفتاح السيسي إلى المخابرات الحربية، واحدة من أكثر الأجهزة الأمنية المبهمة بالنسبة للمعارضين  السياسيين، كما أن معاصريه كانوا يعتبرونه الخليفة المحتمل، لوزير الدفاع، المشير محمد حسين طنطاوي.

“كان يتم إعداده ليكون الوزير القادم، لكن كنا نظن أن الأمر يتطلب ثلاث أو أربع سنوات، وليس الآن”، يقول أحد زملاء عبد الفتاح الذي رفض ذكر اسمه، ويضيف:” هو قائد جيد، لكن لديه أيضاً حس سياسي بشكل واضح، هو ربما رجل سياسة أكثر من كونه قائد”.

كان في الولايات المتحدة 2005-  2006 حين شحذت ميول السيسي السياسية، وكان إرساله إلى كلية الحرب الأمريكية في بنسلفانيا دليلاً آخر على المكانة المرموقة التي يتمتع بها في المؤسسة العسكرية، كما أن مراسلاته وصداقاته في ذلك الوقت وفرت تصوراً جيداً عنه، وذلك مقارنة بأي فترة أخرى من فترات حياته.

يقول العقيد ستيفن جيراس، الذي كان معلماً لعبد الفتاح السيسي في بنسلفانيا، وأيضاً صديقاً له :” السيسي رجل جاد جداً، كان يجتهد ليكون شخصا  اجتماعيا ، لكنه شعر براحة أكبر في المحادثات المباشرة ” شخص – لشخص “.

عندا ذهب زملاؤه في الدراسة لمشاهدة مبارة كرة القدم الأمريكية “سوبر بويل”، اختار “السيسي” الذهاب إلى منزل العقيد “جيراس” حيث تعيش والدته، ليستكشف معها مجموعة من الهدايا التذكارية الإسلامية التي كان قد جلبها “جيراس” معه من تركيا.

السيسي أخذ يترجم بحماس العبارات العربية المكتوبة على الهدايا التذكارية ويشرح للسيدة جيراس معناها، ويضيف العقيد ستيفن جيراس:”ليس  لديّ أي ذكريات عنه كشخص احتفالي أو ثمل” . لكني أستطيع أن اتذكّر زوجته، انتصار، وقد وقفت بين اثنتين من زوجات الطلاب، أحداهما كانت ترتدي زي كليوباترا، والأخرى ترتدي زي دوروثي من فيلم “ساحر أوز”.

 الوقت الذي أمضاه السيسي في كلية الحرب ببنسلفانيا كان مثيراً للجدل بسبب ورقة بحثية غامضة  م 11 صفحة كتبها عن الديمقراطية في الشرق الأوسط، أظهر فيها “السيسي” حماسه للإصلاح الديمقراطي، كما  تم تفسير تلك الورقة على أنها داعمة، وناقدة للإسلام السياسي على حد سواء.

في ورقته، نادراً ما ذكر “السيسي” مصر، لكنه كان يلمح لمشكلات البلد، فكتب :”هؤلاء الموجودون في السلطة يعيشون في ترف، في حين يعاني الرجل العادي “،

كما أشار “السيسي” في تلك الورقة إلى غياب التعليم الحكومي الجيد والصحافة الحرة مما سدّ الطريق إلى الديمقراطية. وقال عن وسائل الإعلام:” ستكون الميديا عقبة أمام  حكم ديمقارطي، إلى أن يوثق بها في تقديم ما هو أكثر من وجهة نظر الحكومة”.

لكن على الرغم من وعي “السيسي” بتلك القضايا إلا أنه كان حذراً فيما يخص إنهاء الحكم الديكتاتوري في وقت قريب، وذلك لأسباب وجيهة من وجهة نظره :” الانتقال إلى الديمقراطية الكاملة لا يتم على مرحلة واحدة، الناس بحاجة إلى التحضير حتى يكونوا مستعدين، فتلك العملية ستتطلب وقتاً”.

من المفارقات، إن السيسي بدا ضمنياً في ورقته البحثية وكأنه يؤيد حق الإخوان المسلمين في تولي المناصب السياسية، وقال: “حتى لو لم يحبذ الغرب الإسلاميين، يجب أن تعطى الأحزاب المنتخبة شرعياً الفرصة لتحكم”، وخصّ بالذكر حماس وكذلك نوه عن الإخوان المسلمين في موضع آخر من الورقة.

 كما اعتبر “السيسي” مفهوم الخلافة الإسلامية   “نموذجا مثاليا للحكم”، وجادل بقوله أن “الحكومة بأذرعها التنفيذيه و التشريعية و القضائية يجب أن تكون وفقا للمعتقدات الإسلامية”.

وبناء على الطرح السابق، تسائل المحلل “ستيفن سبرنجبورج” إذا ما كان السيسي ليس ضد “الإسلاموية” بل يفضل  نظاما هجينا يجمع بين النزعةالإسلامية والنزعة العسكرية.

من ناحيتها، رفضت  شريفة زهور، معلمة “السيسي” في ذلك الوقت، أن يكون “إسلامياً متخفياً” ، وقالت “لم يكن كذلك وقتها، ولا أعتقد أنه هكذا الآن”.

 وأضافت : “من خلال المناقشات في مسألة الخلافة وأسلمة مؤسسات الدولة، فإن السيسي كان يحاول أن يظهر، أن الإسلام ، يتماشي مع المعايير الديمقراطية كما في المسيحية، وذلك حيث أنه كان هناك مفاهيم متداولة داخل الكلية بشأن أن المسلمين غير قادرين علي فهم الديمقراطية”

وفقاً لـ  “شريفة” فإن النقطة الأساسية في ورقة “السيسي” هي أنه أراد التاكيد على أن الحديث عن الديمقراطية لا يمكن ان يكون بطريقة علمانية بحتة :” بطريقة ما علينا السماح بتدين الناس،  مع وضع القواعد التي لا تسمح باحتكار السياسة عن طريق “امتلاك” الدين “.

من ناحية أخرى، يختلف المحللون حول مدى سيطرة “السيسي” على أجهزة الدولة بقطاعاتها وفصائلها المختلفة، ويقول المحلل المصري في مؤسسة “القرن” ، مايكل حنا، في مارس الماضي :” أكثر ما يميز تلك اللحظة أنه لا يوجد أحد في موقع المسؤولية”.

لكن يرى البعض الآخر أن قلة عدد حملات “السيسي” دليل على شعوره بالفعل بالسيطرة الكاملة ؛ وفقاً للمحل ستيفن سبرنجبورج “قوة السيسي ليس لها مثيل لأن لديه حلفاء أقوياء ينتمون للمراكز العليا في الجيش وأجهزة المخابرات الرئيسية”.

ويضيف “سبريمجبورج”: “الدولة العميقة لا يمكن أن يديرها شخص بمفرده”، ,يعتقد أن السيسي يشعر بأنه” في حصن منيع لأنه لا يوجد ذراع للسلطة إلا وهو يضع يده عليه”.

لكن يظل السؤال الرئيسي، هل يمكن أن تكون شعبية السيسي عرضة للتراجع بشكل سريع، وذلك في ظل الاقتصاد المتردي الذي تعاني منه مصر فعلياً ؟

كما قال، وزير الخارجية نبيل فهمي، للـ”جارديان:” من 1952 إلى 2011 كان لدينا 4 رؤساء، ومن 2011 وحتى منتصف 2014 سيكون قد صار لدينا 4 رؤساء آخرين، وهذا يعني أن المصريين أصبح لديهم الإصرار على اخضاع الرؤساء للمسائلة”.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق