سياسة

واشنطن بوست: 6 مشكلات حقيقية في القضاء المصري

واشنطن بوست: 6 مشكلات في القضاء المصري: 3 منها تتحسن ببطء وثلاثة تسير نحو الأسوأ

واشنطن بوست – ناثان جي براون – ترجمة: محمد الصباغ

 مارس 2014

عملت في متابعة السياسات القضائية المصرية لأكثر من عقدين. وأثار المجال الذي كان منعزلاً ومقتصراً على فئة معينة  اهتماماً غير متوقع، مع إصدار المحاكم المصرية لحكم مدهش تلو الآخر. وعقب كل حكم، أتلقى نفس السؤال من الصحفيين: ”هل القضاء المصري مستقل؟“ وكانت إجابتي الدائمة واضحة: ”نعم، نوعاً ما“. وهنا التركيز على الجزء الخاص ب”نوعاً ما“ مفيد، لأنه يقودنا إلى فهم أن هذا السؤال في غير محله قليلاً. بالدرجة الأولى، لا تحدث المشاكل في النظام القضائي المصري بسبب تدخل مباشر من السلطة التنفيذية في القضايا. وبتقصي المشاكل الحقيقية سيتضح أن جزءا منها سيصبح أفضل بتحسن الوضع السياسي، إلا أن الجزء الآخر قد يسوء في السنوات القادمة.

لا أقصد التلميح إلى أن الصحفيين اقتصروا فقط على السؤال الخاطىء. في الحقيقة، من تحدثت معهم كانوا سعداء جداً عند محاولتهم معرفة الأسئلة التي يجب أن يسألوها. ونفس الشىء بالنسبة للأكاديميين الذين يحاولون من أجل الوصول إلى أسئلة أفضل. كنا نسأل السؤال الخاطىء لفترة من الزمن: ”لماذا تسمح سلطة نظام ما بنظام قضائي مستقل؟“.

فيما يخص مصر، أعتقد أننا ندرك أن السؤال يشتت انتباهنا. يتعامل السؤال مع النظام القضائي كما لو كان صنيعة ذكية لحاكم مستبد بارع. لكن فعليا سنجد أن النظام القضائي نتاج تطور تاريخي، وتراكم، وعمل الكثير من الهيئات القضائية، وبالطبع الكثير والكثير من الإصلاحات في النظام. وسوف يساعد فهم النظام القضائي كمؤسسة تمر بمراحل تطور في إرشادنا إلى تفهم أكثر لمشاكلها.

بالطبع النظام القضائي المصري هو موضوع كبير قد يحتاج إلى كتاب للحديث عنه. لكن دعوني أركز هنا على المشاكل التي أدت إلى هذا الكم من الأحكام المربكة –تلك الأحكام التى ساعدت في وصول النظام المصري إلى الموقف الحالي بدلاً من تحركه في اتجاه تحقيق عالم مثالي من القوانين الليبرالية. يجب أن نعرف أولا أن النظام القضائي له ضمانات مؤسسية غير مكتملة لكن حقيقية لاستقلاله: فلديه تاريخ طويل، وإحساس بأن رسالته هي سيادة القانون، وإطار قانوني مدهش ومتطور، وقدر من الاستقلالية فيما يتعلق بالأشخاص والميزانية، وضمانات دستورية للاستقلال والمحاكمات العادلة، وقوانين بشكل روتيني ولائها لسيادة القانون. لكن هناك ست مشاكل قد ظهرت في السنوات الأخيرة، ثلاث منها تتحسن بشكل بطىء بينما تتجه ثلاث منها إلى الأسوأ.

 تاريخياً قامت السلطة بجعل النظام السلطوي في مأمن من استقلال القضاء عبر تعيين المسؤولين القضائيين الرئيسيين. على سبيل المثال، حتى عام 2011 كان يعين رئيس الجمهورية رئيس المحكمة الدستورية. وعندما وجدت هيئة المحكمة بعض الأخطاء والثغرات التى تحتاج لإصلاح في القوانين المصرية، تم إدخال العديد من القضاة لترويضها.

ربما يكون المسؤول الأهم هو النائب العام –الذي يقرر من سيتم التحقيق معه ومن سيحاكم ومن سيتم تجاهل قضيته. وبشكل واضح، تلك المواقع ستصبح أكثر في أيدي الجهات القضائية، وهو الطلب الذي طالما نادى به المؤيدون لاستقلال القضاء. وقد يوفر ذلك عازلاً واضحاً من تدخل السلطة التنفيذية، لكن أيضاً قد يعزل النظام القضائي عن كل المجتمع والعمليات السياسية.

الأمر الثاني هو أن السلطة التنفيذية طالما كانت توزع العطايا على من تنتقيهم (أو بشكل عام) من أجل تشجيعهم على التعاون. وكان نظام الإعارة المربح مادياً سبب كبير في الشبهات عندما يمنح للأفراد، وفي بعض الأحيان كلما كان القضاء أقل تشدداً مع القادة كانوا يجدون زيادات في المرتبات وعلاوات مضاعفة. هل يشترى ذلك ولاء بعض القضاة؟ من المستحيل أن يقول من بالخارج ذلك، لكن التأثير على معنويات الجهاز القضائي وسمعته حقيقي: هذه الممارسات بالفعل تجعل بعض القضاة غير مستقرين، وتثير شكوك منتقدي النظام، وتزيد من الشائعات المستمرة ممن يشككون في أحكام معينة. مرة أخرى، بينما يبدو أن القضاء يضغط من أجل إستقلالية أكثر في بعض المسائل، وكجزء مما قد يسمى بعد 30 يونيو ”حزب النظام“ يعمل الآن على إعادة بناء النظام القضائي المصري،  والآن هو في وضع أفضل من أي وقت مضى للحصول على ما يريد.

ثالثاً، يمتلك القضاة بشكل عام حساً قوياً من الولاء للدولة المصرية ويدعمون الاستقرار السياسي والاجتماعي. ولا يميل القضاة المصريون إلى التصرف بذاتهم كفاعل مستقل يتوسط بين الدولة والمجتمع أو بين العناصر الأخرى في المجتمع، لكن كمنفذين للقانون ولمصالح الدولة، ويوجهون المجتمع إلى ما يرونه كمبادئ تقليدية.

يظهر النظام القضائي كهيكل عام، إرادة حقيقية في إبعاد نفسه عن السلطة التنفيذية، لكن مع اهتمام أو إرادة أقل في عدم إبعاد أنفسهم عن الدولة. وبالنسبة لكثير من القضاة، هذه الدولة تتعرض لهجوم قوي من قوى خارجية. وتمكن الغزاة من الاستيلاء على الرئاسة بشكل مؤقت، والأفظع للقضاة هو أن بعض هؤلاء الغرباء قاموا بمحاصرة أحد مفاتيح مؤسسات الدولة الرئيسية حرفياً. بالطبع ليست طريقة تفكير كل القضاة، لكن الكثير يبدو أنهم لا يتشاركون في الشعور بالأزمة التي ربما قادت إلى بعض النتائج القاسية في بعض المحاكمات. قد يتباطأ هذا الدافع – بالفعل رأيت بعض القضاة مستاؤون من الحماس الكبير لزملائهم تجاه القورة المضادة.

تلك المشاكل الثلاثة حقيقية وعميقة، و ربما تصبح أقل إلحاحاً. لكن هناك ثلاثة مشاكل أخرى من غير المحتمل أن تشهد تحسناً.

الأولى، في مصر يبدو أكثر منطقية بالنسبة لي أن أتحدث عن استقلال النظام القضائي بدلا من التحدث عن استقلال قاض بعينه: فالقضاة ليسوا مسؤولين فقط عن القانون وعن ضمائرهم، لكن أيضاً عن كل قاض زميل. بينما يمتلك القضاة السلطة الكاملة في الوصول إلى قراراتهم، الحقوق الواسعة في الطعون، والسلطة القضائية على التعيين والترقيات، وحقيقة أن القضاء مهنة يمكن مزاولتها طيلة العمر – وعادة تمرر من الأب إلى الإبن – كل ذلك يجتمع ليعطي السلطة القضائية شعورا كبيرا بالهوية المؤسسية. وقد تعمق التعديلات الدستورية والقانونية في الفترات الأخيرة من هذا الشعور.

بطرق كثيرة، يعتبر استقلال السلطة القضائية تطورا إيجابيا، لكن أيضاً يعمق ذلك ظاهرة تؤدي إلى عزل القضاء عن كامل المجتمع بدلاً من فقط ابعاده عن تدخل السلطة التنفيذية والسياسات الحزبية.

أما المشكلة الثانية، فهي أن النظام  القانوني في مصر، الذي يعتبره القضاة شرفا  يتمسكون  به، هو بالفعل شديد الاستبداد. فالقوانين التي تنظم المجتمع المدني، والحياة السياسية، والإعلام، حالات الطوارئ، والحكومة المحلية، والدين والتعليم، أو تقريباً أي عنصر من عناصر الحياة المصرية تم تدوينها بطريقة توقي سلطة الدولة وتقوض أو تتخطى الآليات الديمقراطية. وغالباً ما حدث ذلك بشكل غامض لتحويل الكثير من المواطنين إلى مجرمين محتملين عندما يقومون بفعل قد يرونه نشاطا عاديا.

بالطبع، تم تحرير بعض من تلك المجالات بالتغييرات القانونية (وأحياناً بفعل قضائي) لكن دائماً بشكل متفاوت. يبدو أن الطبيعة الاستبدادية للقانون لن تتغير قريباً. ليس فقط النظام السياسي هو من يشهد مزاجا استبداديا بل أيضاً الدستور الجديد –ربما عن غير قصد- بالفعل يرسخ من إشكالية النظام التشريعي. ففي الكثير من مواده،  يبقى الدستور غامضا، ويرجئ التفاصيل إلى المشرع. لكن يتطلب أيضاً أن هذه القوانين بداخل الدستور العام جداً (القوانين المكملة للدستور) يتم اقرارها  بالأغلبية العظمى. هذه الخطوة مقبولة في بعض الأنظمة السياسية التعددة حيث يضمن بأن الكثير من القوانين الأساسية لا يمكن أن تكتب إلا بتوافق الآراء. لكن في مصر، يتجمد النظام التشريعي في مكانه حتى وجود البرلمان القادم الذي لو تواجد سيفكك الجدار الاستبدادي حجراً حجراً.

في النهاية، النظام القضائي المصري لا يعتمد فقط على تكامله الخاص وقراراته لكن أيضاً على الأدلة التي تم تجميعها من قبل الأجهزة الأمنية التي لم تظهر سوى القليل من  النزاهة في العقود الأخيرة. يتم التحقيق والإحالة للمحاكمة بواسطة النائب العام، وللتأكيد، فالنائب العام هو جزء من النظام القضائي. لكن عندما تبدأ الأجهزة الأمنية في تحويل القضايا إلى مؤامرات خارجية تقوم النيابة العامة بمجاراتها في اللعبة. ولا أرى أي علامة لرغبة سياسية في كبح جماح أجهزة الأمن الآن.

باختصار، مشكلة مصر القانونية الأساسية ليست هي ما يشير المصرين إليه بـ ”عدالة التليفون“ والتي فيها يقوم المسؤولون الكبار بإصدار تعليمات إلى القضاة لفعل ما شيئ ما. لو كان ذلك يحدث )وربما يحدث، فلم أجد عليه  دليلاً أبداً. المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك: نظام سياسي مستبد وسلطة قضائية منعزلة  تحسّن  بعض جوانبها وتسوء الآخر.

عند استرجاع الأحكام الغريبة خلال السنوات الثلاثة الماضية، يبدو لي أن مصر تعيش التاريخ الفرنسي معكوساً –كل شئ يعيد نفسه، المرة الأولى بشكل كوميدي والثانية بشكل مأسوي.

ناثان جي براون: مدرس العلوم السياسية والعلاقات الخارجية بجامعة جورج واشنطن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق