إعلامسياسة

واشنطن بوست: هكذا تدار الآلة الدعائية لـ”داعش”

 جيش إعلامي بمزايا تفوق المقاتلين ينتجون مواد التنظيم

واشنطن بوست – جريج ميلر – سعاد ميخينيت – إعداد وترجمة: محمد الصباغ

يأتي التكليف على ورقة تحمل الراية السوداء للدولة الإسلامية، وختم الأمير الإعلامي للجماعة الإرهابية ومكان التصوير في هذا اليوم.

قال أبو هاجر المغربي، الذي عمل قرابة عام كمصور في التنظيم ”تأتيك الأوراق فقط بالمكان“ وبدون تفاصيل. وأضاف أنه في بعض الاحيان تكون المهمة هي تصوير مصلّين في المسجد، أو تبادل لإطلاق النار بين مسلحين.

وصل ”كارت“ التكليف إلى أبو هاجر وكانت التعليمات أن ينتقل إلى الجنوب الغربي في سوريا وتحديداً مدينة الرقة، عاصمة الخلافة. وهناك اكتشف أنه من ضمن 10 مصورين كان عليهم تسجيل الساعات الأخيرة في حياة أكثر من 160 جندياً سورياً تم أسرهم في 2014. أجبر الجنود على خلع ملابسهم عدا الداخلية، واقتيدوا إلى الصحراء وأجبروا على الركوع ثم أطلق عليهم الرصاص من رشاشات آلية. وشهدت المذبحة التي قام بتصويرها متابعة عالمية وأذيعت في نشرات الأخبار حول العالم.

أبو هاجر حالياً سجين بالمغرب. وما وصفه ومن معه يشبه برنامج واقع لكن من العصور الوسطى. مشاهد المعارك وقطع الرؤوس أمام العامة تكون وفقاً لسيناريو”سكريبت“ ومعدة جيداً وأحياناً يقوم منفذو الإعدامات والمقاتلون بإعادة تصوير المشاهد أكثر من مرة، ويقرأون ما يجب عليهم فعله من الأوراق أمامهم.

تصل أجهزة الكمبيوتر والكاميرات ومعدات الفيديو عبر رحلات منتظمة من تركيا. تصل تلك المعدات إلى قسم الإعلام الذي يسيطر عليه أجانب –منهم على الأقل أمريكي، وفقاً لمن استطاعت “واشنطن بوست” الحديث معهم- واكتسبوا مواهبهم من خلال العمل في السابق بالقنوات الإخبارية أو شركات التكنولوجيا.

ويقول أبو عبد الله المغربي، منشق آخر عن التنظيم: ”هناك جيش كامل من مسؤولي الإعلام“، وأضاف: ”رجال الإعلام أهم كثيراً من المقاتلين، راتبهم الشهري أعلى. لديهم سيارات أفضل. لديهم القوة على تشجيع من بالداخل على القتال، وجذب مجندين أكثر إلى الدولة الإسلامية“.

استهدفت الولايات المتحدة مؤخراً عبر هجماتها الجوية بعض القيادات الكبرى لمنظومة داعش الإعلامية منهم ،جنيد حسين، خبير الكمبيوتر البريطاني. ووصف مدير الاستخبارات الامريكية جيمس كومي العناصر القائمة على الدعاية الإعلامية للتنظيم بأنهم أهداف عسكرية. فقال: ”أنا متفائل أن ما يقوم به زملائنا في الجيش لتقليل تغريدات داعش سيكون لها تأثير. لكن يجب علينا مراقبة ذلك ولنرى ما سيحدث“.

شهد هذا التقرير لقاءات مع منشقين عن الدولة الإسلامية وأعضاء بالإضافة إلى مسؤولين رسميين وخبراء في مكافحة الإرهاب في ست دول من ثلاث قارات. ومن بين هؤلاء سبعة من المنشقين الذين كانوا في سجون مغربية أو خرجوا بعد اتهامهم بالإرهاب عقب عودتهم من سوريا. تحدث جميعهم بشرط عدم الإفصاح عن هويتهم. وجاء ذلك بالتعاون مع السلطات المغربية والمسؤولين عن أحد السجون بالعاصمة الرباط. وقال السجناء إنهم تحدثوا بكامل رغبتهم بعد أن عرضت عليهم السلطات المغربية الأمر فيما رفض سجناء آخرون الحديث.

المصور

أبو هاجر المغربي، قال إنه كان يعمل بدوائر الإعلام الجهادي لقرابة عشر سنوات قبل أن يصل إلى سوريا عام 2013. بدأ في المشاركة في المنتديات الإسلامية على الانترنت بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم أصبح مديراً لموقع ذي تأثير كبير باسم ”شموخ“ مما أعطاه سلطة قبول أعضاء ومراقبة المواد التي ينشرها المتشددون الآخرون. تلك الأشياء أصبحت أوراق اعتماد له مهدت طريقه إلى الدولة الإسلامية.

قال أبو هاجر إنه أصبح بعد وقت قصير عضواً بالفريق الإعلامي للتنظيم، ثم تلقى تدريباً عسكرياً لمدة شهرين متواصلين ثم تدريباً مكثفاً لمدة شهر على برنامج عمل وسائل إعلام التنظيم. وتضمن كيفية التصوير، ومزج الصور وكيفية الوصول إلى نغمة الصوت المناسبة في الحوارات. وأضاف أنه بعد الانتهاء من التدريب أعطوه كاميرا من طراز كانون وهاتف ذكي طراز سامسونج جالاكسي وتكليف بالعمل مع وحدة إعلام الخلافة بالرقة.

في سوريا، أعطوه فيلا بحديقة، وسيارة دفع رباعي تويوتا، وراتب شهري 700 دولار، بالإضافة إلى أموال للطعام والملابس والمعدات. وأضاف أبو هاجر أنه قد تم إعفاءه من الضرائب التي تفرض على أغلب الأشخاص الآخرين.

واجه أبو هاجر أحد المحتجزين الغربيين وهو جون كانتلي، مراسل الحرب البريطاني الذي اختطف في سوريا منذ عام 2012. ثم تم تصويره من قبل خاطفيه بالعديد من التقارير الإخبارية على شاكلة تقارير “بي بي سي”. قام المغربي بتصوير كانتلي في الموصل عام 2014، وقال عن تحركات البريطاني في أسواق المدينة ”لا أستطيع إخبارك ما إذا كان قد تم تهديده أو إجباره. كان يسير بحرية“.

وفي مذبحة أخرى كان عليه أن يصورها مع العديد من المصورين الآخرين الذين رتبوا طريقة التصوير والزوايا. أسر التنظيم مجموعة من الجنود وكان على أبو هاجر التقاط مشاهد الذبح والقتل. قال المغربي إنه أبقى عدسته بعيدة عن عملية الذبح  لأنه يعترض على تلك الممارسة. لكن عند سؤاله عما إذا كان قد رفض تصوير المذبحة قال إنه خشى أن يلقى مصير من يقوم بتصويرهم، وأضاف: ”أنت لا تريد أنت تفعل ذلك، لكن لا تستطيع أن تقوم لا“.

الآلة

يمارس التنظيم رقابة مشددة على إنتاج مقاطع الفيديو والرسائل و يعتمد على فوضى الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في نشرهم. في الواقع بعض الإصدارات تكون متناقضة: فبعضها يصور الخلافة كمكان سلمي ومثالي، وفي أحيان أخرى تكون مليئة بالعنف.

هذا التنوع مصمم ليجذب جمهور مختلف. فمشاهد الذبح والتضحية تهدف لشيئين الأول تهديد الخصوم الغربيين والثاني اجتذاب الذكور المسلمين المحرومين للدخول في المعركة الإسلامية. وفي مقاطع أخرى يبدو التنظيم كمنطقة صالحة للحياة، فتظهر الأسواق العامة، والشرطة الإسلامية المبتسمة أثناء دورية عملها، بالإضافة إلى الصيادين على نهر الفرات.

قالت الإستخبارات الأمريكية إنها تمتلك رؤية حول من يتحكم في استراتيجية التنظيم الإعلامية، ومن المفترض أنها تدار بواسطة أبو محمد العدناني، المتحدث الرئيسي باسم التنظيم.

وفي منطقة يسيطر عليها التنظيم قرب حلب، يوجد المقر الرئيسي للمكتب الإعلامي. يحميه حراس مسلحون وبإذن فقط من أمير الولاية يمكنك الدخول. ويقول أبو عبد الله، 37 عاماً، والذي أتيحت له فرصة زيارة هذا المقر، إن كل طابق به 4 غرف مليئة بالكاميرات وأجهزة الكمبيوتر والمعدات عالية التقنية. وتصل خدمة الانترنت عبر تركيا.

المنزل يعتبر مكتبا تحريريا لمجلة “دابق”، وأيضاً للجناح الإعلامي الرئيسي للتنظيم وهي شبكة “الفرقان”، المسؤولة عن معظم البيانات الإعلامية ومقاطع الفيديو. عمل بالمكان أكثر من 100 شخص متخصص بالإعلام، وأضاف أبو عبد الل:ه ”بعضهم كانوا مخترقين الكترونيين –هاكرز- والبعض الآخر مهندسين“.

وتظهر مقاطع فيديو التنظيم درجة التقدم في استخدام الإضاءة والصوت وزوايا التصوير. وفي مقطع الفيديو الخاص بذبح الأمريكي بيتر كاسيج، بدا وأنهم استخدموا مؤثرات وبرامج خاصة لعرض صور كاسيج وقاتله على خلفية مؤثرة. تلك الإصدارات والجهود المبذولة فيها كانت تستهدف الجمهور الغربي الكبير وبشكل خاص الرئيس الأمريكي، لكن المتهمين –الذين تحاورنا معهم- قالوا إن الوقائع التي تستهدف جمهوراً داخلياً فقط كان يبذل فيها نفس الجهد والجودة.

شهد أبو عبدالله إحدى عمليات الإعدام، وقال إن من قام بعملية الذبح هنا أخذ يرفع سيفه لأعلى وينزل به لأسفل بشكل متكرر من أجل أن يعطي الفرصة لطاقم التصوير أن يصوروا النصل من زوايا مختلفة. وانتهت عملية التكرار تلك فقط عندما أمرهم رئيس الطاقم الإعلامي بالتوقف لأنهم انتهوا من التصوير. وقال أبو عبدالله إن تنفيذ أمر الإعدام لم يكون يدار بواسطة من سيقومون بعملية القتل، بل قام به ”رجل الإعلام الذي قال إنهم جاهزون الآن“.

كانت تنظيم القاعدة يركز في مقاطعه على القادة وخاصة أسامة بن لادن، بينما الدولة الإسلامية بشكل عام تركز على مقاتليها وأتباعها. ونادراً ما يظهر البغدادي أو مساعديه. وعلى عكس القاعدة تبدو مقاطع داعش سينمائية وبها مشاهد درامية ومؤثرات بصرية.

حجم إصدارات التنظيم كبير جداً فقد انتج مئات المقاطع بأكثر من خمس لغات، وإنتاج إذاعي يومي تقريباً بالإضافة إلى تداول اسمهم على تويتر حوالي مليوني مرة. وقامت مواقع “فيسبوك” و”تويتر” بحظر حسابات التنظيم ومنع تداول رسائلهم لكن المستخدمين استطاعوا تجاوز ذلك. واتجه الكثيرون من الموالين إلى تطبيقات أخرى كـ”تيليجرام”، وبدأ هو الآخر في إغلاق حسابات التنظيم بعد هجمات باريس.

استغل التنظيم أيضاً علاقات بمؤسسات إعلامية في الشرق الأوسط. ففي فيديو نشر في عام 2013 ظهر فيه مراسل للجزيرة يعمل مع مصور يدعى رضا صيام، وهو متشدد له ارتباطات بمخططات إرهابية وعضو بارز في تنظيم الدولة.

بعد التخويف والإرهاب في الخارج يتم استخدام تلك المقاطع داخل الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم لكن بغرض بث الحماس في المقاتلين. بينما خدمات الإنترنت عادة تكون غير متاحة للعامة، تضع وحدات الإعلام شاشات عملاقة في الضواحي ويخرج السكان في المساء لمتابعتها.

يقول أبو هريرة المغربي، 23 عاماً: ”كأنك في سينما“. يعرضون مقاطع ذبح الرهائن الغربيين، وحرق الطيار الأردني مرات ومرات. ويضيف أنه حضر أمسية لتلك العروض بأحد الشوارع القريبة من الموصل واجتذب العرض 160 شخصا، منهم على الأقل 10 سيدات و15 طفلا، وأضاف: ”الأطفال لم ينظروا بعيداً، لقد كانوا مبهورين“.

الأمريكيون

هناك حواجز بيروقراطية كبيرة في طريقة عمل المكتب الإعلامي للتنظيم. وتجد المصورين معزولين عن أعضاء فريق الإنتاج والمونتاج الذين يعملون سوياً على الصور ويضعون العناوين والمؤثرات الصوتية والبصرية.

يقول أبو هاجر واثنان أخران من المنشقين الذين التقينا بهم في المغرب، إن أمريكيا في أواخر الثلاثينيات من عمره ببشرة بيضاء وشعر بني غامق كان لاعباً رئيسياً في بعض مقاطع فيديو التنظيم. ويضيف أبو هاجر: ”الأمريكي يقوم بعملية المونتاج“، وكان العقل الذي أخرج الوثائقي المبدع باسم ”لهيب الحرب“ عام 2014 الذي بلغت مدته 55 دقيقة.

وظهر مؤخراً على الساحة أمريكي آخر، يقدم الأخبار اليومية التي يبدو أنها تبث من محطة إذاعية استولى عليها التنظيم العام الماضي في الموصل. وبعد هجمات باريس الأخيرة كان صوته أحد أكثر الأصوات الناطقة بالإنجليزية المسموعة التي تصف فرنسا بـ”عاصمة العهر“.

وقال المسؤولون الأمريكيون إنهم لا يستطيعون تحديد هوية الرجل أو الآخرين المتحدثين بلهجة أمريكية شمالية.

المنشقون

تسببت الدعاية الإعلامية للتنظيم في هجرة دولية إلى صفوفه، وأكثر من 30 ألف مقاتل أجنبي من أكثر من 115 دولة دخلوا إلى سوريا منذ بداية الحرب الأهلية. وعلى الأقل ثلثهم وصلوا خلال العام الماضي، والأغلبية العظمى منهم انضموا إلى الدولة الإسلامية.

يقول المنشقون الذين استطعنا محاورتهم عدا واحد إن ذهابهم إلى سوريا كان بسبب المقاطع التي شاهدوها على الإنترنت، أو من خلال التشجيع على مواقع التواصل الاجتماعي حيث تم تحميسهم للقدوم من أجل الجهاد. وقال الآخر إنه فقط ذهب بسبب دعوة صديق له وتم سجنه لأنه رفض القتال.

قال أبو هريرة، الذي قضى شهورا يقاتل في العراق إنه بدأ في البحث عن تلك المواد على الإنترنت مع تصدر التنظيم لعناوين الأخبار عن الحرب في سوريا. وقرر ترك عمله في الدار البيضاء بعد رؤيته لمقاطع التنظيم العاطفية. وأضاف: ”كانوا أشبه بفان دام (ممثل حركة مشهور)… عندما ترى هؤلاء الرجال يقاتلون، تريد أن تكون جزء من هؤلاء الأبطال الشجعان“.

يقول هؤلاء المنشقين إن عوامل كثيرة جعلتهم يغادرون سوريا والعراق من بينها الخوف على حياتهم لكن أيضاً هناك سبب رئيسي وهو تخلصهم من وهم المشاهد على الانترنت عندما وجدوا أن حقيقة الخلافة فشلت في التماشي مع النسخة المنتشرة على الانترنت.

يقول أو هاجر إنه بدأ في التفكير في الابتعاد حينما أسندت إليه مهمة في المحاكم الشرعية وعندما أبدى رأيه في الممارسات مع رؤسائه، تم سحب الامتيازات التي حصل عليها لعمله في المكتب الإعلامي. فقال: ”أخذوا أسلحتي، ودخلي الشهري“ بالإضافة إلى الفيلا التي كان يسكن بها وسيارته، وأيضاً بعد تهديد من أحد المقاتلين له. قام بتدبير الهروب بمساعدة صديق له زوده بالأوراق اللازمة، وصديق آخر أعطاه المال لوضع أسرته على طائرة من تركيا. وكانت السلطات المغربية في انتظاره بمطار الدار البيضاء.

يتشارك في زنزانة مزدحمة مع متشددين آخرين في سجن مغربي شديد الحراسة. قضى عامين من ثلاثة حكم عليه بهم في السجن. وعند سؤاله عن مخاوفه من أن يتسبب عمله في تشجيع آخرين على الانضمام لتنظيم الدولة قال ”أشعر بأنني مسؤول إلى حد ما. لكنني لست السبب الرئيسي“.

مازالت مقاطعه تنتشر وتتداول على الانترنت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق