سياسة

واشنطن بوست: كيف أثّرت الهجرة إلى الخليج على تصويت المصريين؟

واشنطن بوست: كيف أثّرت الهجرة إلى الخليج على تصويت المصريين؟

saudo

واشنطن بوست- أكرم كراكوتش

ترجمة: محمد الصباغ

في أول انتخابات مصرية ديمقراطية بعد انتفاضة يناير 2011، هيمنت الأحزاب الإسلامية مثل حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين وحزب النور السلفي، على صناديق الاقتراع. ومع كتابة الكثير حول الجهود التنظيمية للجماعات الإسلامية، لكنّ هناك عنصرا هاما تم إغفاله: الدور التأسيسي لعملية الهجرة إلى السعودية بالنسبة لكثير من المصريين.

في دراستنا الجديدة، والتي تعاون فيها طلحة كوس ومسعود أوزكان، كشفنا عن بعض الأمور حول العلاقة الحقيقية بين الهجرة وازدياد الحركة السلفية في مصر.

بعد الجولة الأخيرة من الانتخابات البرلمانية عام 2012 بوقت قصير، بدأنا مسح شارك فيه 1100 مصري. كوّنا عينات عشوائية، وقسّمنا كل محافظة إلى مناطق حضرية وريفية، تشمل المدن والمراكز والقرى التابعة -لكن استبعدنا بعض القرى في المناطق النائية الريفية بسبب صعوبة الوصول والتكاليف. وباستخدام العينات العشوائية، اخترنا مُلّاك المنازل والأفراد لعقد لقاءات معهم. ومن بين من استجابوا لنا، حوالي 20% منهم كانوا جزءا من عائلات مهاجرة- هم أو أعضاء من عائلتهم عملوا بالخارج خلال الأشهر الستة الماضية. ومن بين تلك العائلات المهاجرة، 6% – 31% من المجموع العام لديهم شخص عاش في السعودية.

معدل تجربة الهجرة بين المصريين يجب أن لا تكون مفاجئة، فالدول الخليجية التي أُسّست حديثا وظّفت المصريين والعرب الآخرين من الدول غير الخليجية من أجل بناء مؤسساتها الوليدة. حققت عملية الهجرة إلى السعودية زخما في فترات الخمسينيات والستينيات وتسارعت مع ارتفاع إنتاج النفط عام 1974، ووصل المصريون إلى مواقع وظيفية متنوعة بداية من كبار الإداريين إلى العمال غير المهرة في المشاريع التنموية. في حين بدأ أغلب المصريين الهجرة لأسباب سياسية واقتصادية، لكن أسباب تلك الهجرة تختلف مع الوقت. في حين تلعب السياسة دورا كبيرا، لكن تحديدا في فترة الخمسينيات والستينيات رفعت الفرص الاقتصادية في السعودية والدول الخليجية الأخرى من معدل الهجرة. بشكل جزئي، قمع الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الصغيرة بواسطة النظام القومي الاشتراكي بقيادة جمال عبد الناصر، دفع داعميهم  للهجرة إلى الدول الناشئة في الخليج والدول النفطية الأخرى في الفترة ذاتها.

ومع مشاكلها مع صعود القومية العربية، رحّبت هذه الأنظمة الخليجية وخصوصا السعودية، بالقادة الإسلاميين والخبراء والعمال بشرط أن لا يتدخلوا في السياسة الداخلية ويكونوا أوفياء للنظام. وقدّم باحثون في مجال الهجرة، مثل جي إس بريكس وسي إيه سينكلير وأندريه كابيتوسكي، بيانات لفهم سياق الهجرة العربية إلى الدول الخليجية. أعطى الاقتصاد الأكبر في المنطقة، المملكة العربية السعودية، أولوية للهجرة العربية في تلك المرحلة، ووصلت ذروتها في السبعينيات حيث كان 90% من كل العمالة المهاجرة هناك من العرب.

تراجعت هذه الأرقام في سنوات انخفاض أسعار النفط خصوصا في نهاية التسعينيات كنتيجة لحرب الخليج، لكنّ المصريين ظلّوا يهاجرون بنشاط والفضل في ذلك يعود إلى المشاركة في قوات التحالف ضد صدام حسين. وتشير إحصائيات رسمية من نهاية التسعينيات إلى أن أعداد الأشخاص غير الخليجيين في السعودية تصدرها المصريون بـ900 ألف شخص، يليهم اليمنيون بـ700 ألف ثم الفلسطينيون بـ300 ألف ومثلهم من الأردن. كما صنع المصريون نسبة بارزة من السكان غير الخليجيين في الكويت والإمارات، ووصلت أعدادهم إلى 400 ألف حتى عام 2004. ربما تقلل الإحصائيات الرسمية من الحجم الحقيقي للمهاجرين المصريين في المملكة والدول الخليجية الأخرى بسبب الهجرة غير الشرعية، لكن هي بكل وضوح مؤشر إلى أن اندماجا ثقافيا ودينيا بين الدول الخليجية ومصر تكوّن وأزاد من التدفقات المالية من المؤسسات العامة والخاصة من الخليج.

تشير الدراسة إلى أن أعضاء العائلات المهاجرين والمرتبطين بالخليج، صوتوا بكثافة للأحزاب الرئيسية، خصوصا الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين والنور السلفي. في حين صوت 30% فقط من غير المهاجرين لحزب الحرية والعدالة، كانت نسبة المصوتين من العائلات المهاجرة للحزب 36%. وبتصنيف الأصوات وفقا للدول القائم بها أصحابها في الخليج، نجد أن 32% من بين المتواجدين في السعودية صوتوا للحرية والعدالة، في حين وصلت إلى 45%  في الكويت، و53% في الإمارات.

على الرغم من أن الأرقام صغيرة جدا على الخروج باستنتاجات قاطعة، من المدهش أن المهاجرين إلى السعودية في عيناتنا لم يختلفوا عن العائلات غير المهاجرة في ما يتعلق بالتصويت لحزب الحرية والعدالة، على العكس مما حدث في الكويت والإمارات.

الوضع يختلف بالنسبة لحزب النور السلفي، فأقوى دعم حصل عليه جاء من المصوتين الذين هاجرت أفراد من عائلاتهم إلى السعودية. في حين 15% من العائلات غير المهاجرة صوتت للنور في مصر، زادت هذه النسبة بين العائلات المهاجرة لتصل إلى 26% في الدول الخليجية لكن في المملكة السعودية وصلت إلى 32%. وبالمقارنة مع الدول الأخرى، فحجم الهجرة إلى السعودية ونصيب  حزب النور من الأصوات من بين العائلات المهاجرة يشير إلى رابط قوي بين الهجرة إلى المملكة والنجاح الانتخابي للحزب السلفي.

كأي إحصائية في مصر، كانت هناك بعض القيود في المسح الذي قمنا به. عيناتنا تنحاز إلى المناطق الحضرية، ولا يمكننا تحديد الانتماء الديني أو السياسي للمهاجرين قبل الرحيل إلى السعودية أو الدول الأخرى.

رغم أن الأمر لا يزال تحت الدراسة فإنه يبدو واضحًا أثر تدفق العمال وتجربة الهجرة في الخليج على البنية الاجتماعية السياسية في مصر. خصوصا منذ فشل التحول الاقتصادي وارتفاع السخط المنصب ضد حزب النور السلفي، أصبحت مصر بيئة منتجة بشكل بارز للسلفية المسيّسة وتجنيد الجماعات السلفية الجهادية. وتصل الروابط بين الهجرة والاستبداد إلى ما هو أعمق بكثير من فكرة نشر الديمقراطية وتأثير الهجرة في ذلك، والأمر لا شك يحتاج إلى دراسة كبرى.

مقالات ذات صلة

إغلاق