سياسة

واشنطن بوست: تركيا ذات الوجهين.. بين محاربة الإرهاب واحتضانه

واشنطن بوست: وجها تركيا.. بين محاربة داعش واحتضان الإرهابيين

رفاعي طه في منتصف الصورة أثناء تواجده في تركيا عام 2015

واشنطن بوست- جوبي واريك

ترجمة وإعداد: محمد الصباغ

يبدو رفاعي أحمد طه بجسد ضئيل ولحية كثيفة وماض رائع، بالنسبة لمستضيفيه. أما مسؤولو الولايات المتحدة فهو بالنسبة لهم إرهابي خطير يجب تعقبه واستهدافه لو قرر مغادرة ملاذه بتركيا.

سنحت الفرصة في بداية شهر أبريل، عندما عبر طه الحدود إلى سوريا لملاقاة مسلحين إسلاميين. وبعد خمسة أيام فقط، صوبت قذيفة من خلال طائرة أمريكية دون طيار نحو سيارة الرجل المصري بمجرد وقوفها للتزود بالوقود بالقرب من مدينة إدلب السورية، ليُقتل ومعه أربعة مشتبه في كونهم جهادين.

أنهت الضربة حياة رجل طالما كان حليفا لأسامة بن لادن، ومؤخرا، أصبح مقدم المشورة للمتمردين السوريين المرتبطين بتنظيم القاعدة. كما أبرزت رؤية خبراء الإرهاب في الولايات المتحدة حول”الشيزوفرينيا” التركية عندما يتعلق الأمر بالحرب ضد الجهاديين الممارسين للعنف: ففي ظل قتال تركيا ضد تنظيم الدولة، تستمر الدولة في تسامحها وحتى حمايتها لإسلاميين آخرين تعتبرهم الحكومات الغربية إرهابيين.

ودافعت تركيا عن سياستها بتوفير مأوى وملجأ للداعمين لحكومة الإخوان المسلمين المصرية، والتي أطيح بها عام 2013. لكن من بين الذين وفرت لهم ملجأ في البلاد هناك قيادات من الجماعة الإسلامية، التي نفذ أعضاؤها هجمات قاتلة ضد سياح أجانب في مصر في التسعينيات وكانت لهم علاقات في وقت لاحق بمخططات عديدة لقتل أمريكيين.

وقال مسؤولون أمريكيون، إن بعض من هؤلاء المتواجدين في تركيا -مثل طه- استمروا في دعم الجماعات الموالية لتنظيم القاعدة في سوريا.  وحاول طه لعب دور الوسيط بين جبهة النصرة -الجماعة التابعة للقاعدة في سوريا- وبين الفصائل الإسلامية الأخرى، حينما قُتل في إدلب.

وقال جوناثان تشانزر، مسؤول مكافحة الإرهاب السابق والنائب الحالي لرئيس مؤسسة بحثية للدفاع عن الديمقراطية “هؤلاء الأشخاص كانوا من القادة الرئيسيين التابعين لأيمن الظواهري.. والمشكلة الكبرى تكمن في أن عضو الناتو، تركيا، من المفترض أنها متحالفة مع الغرب في الحرب ضد عدو مشترك.”

وتأتي المخاوف الجديدة حول حماية تركيا للجهاديين الممارسين للعنف بعد سنوات من الشكاوى بسبب دعم أنقرة لجماعات إسلامية أخرى، مثل حماس. والتي تعتبر الولايات المتحدة الجناح العسكري للحركة الفلسطينية منظمة إرهابية، وفرت تركيا مأوى لمسؤولي حماس، وسمحت للحركة بفتح مقرات دولية لها بإسطنبول منذ عامين.

فمنذ 2013، أصبحت تركيا ملجأ ومكانا لتنظيم المعارضين لحكومة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وتعتبر موطنا لآلاف من نشطاء الإخوان المسلمين -الغالبية العظمى منهم لا يمارسون العنف- بالإضافة إلى قناتين تليفزيونيتين على الأقل متخصصتين في بث برامج ضد حكومة السيسي، ومطالبات واضحة بالحكومة المصرية العلمانية.

مثل تلك السياسات تتعارض مع تأكيد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مؤخرا على الوقوف ضد تنظيم داعش، الجماعة التي يشتبه في تنفيذها لهجوم مطار إسطنبول الشهر الماضي وأسفر عن مقتل 45 شخصا. واتجه الرئيس التركي لإحكام السيطرة على الحركة عبر الحدود بعدما كانت متراخية، وسمحت بتجنيد الإرهابيين وتدفقهم من تركيا إلى سوريا والعراق، وخلال الأسبوع الماضي أعلن تضييقا أكبر ضد التنظيم ووصفه بأنه “ليس إسلاميا”.

إلى الآن يتخذ إردوغان نهجا ناعما ضد جبهة النصرة، إحدى الجماعات الإسلامية العديدة التي دعمها المسؤولون الأترك في السنوات الأولى من الحرب الأهلية السورية، قبل أن تتراجع عن ذلك رسميا بعد الضغط الغربي عام 2014. وفي الشهر الماضي أعاد إردوغان حديثه حول إن وصف جبهة النصرة الإسلامية بأنها “إرهابية” هو أمر غير مناسب، الذي هم في حرب أيضا ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

ورفضت تركيا الانتقادات الموجهة إلى سياستها ووصفها بالمنافقة. وأشار دبلوماسي تركي طلب عدم الإفصاح عن هويته، إلى أن الدول الغربية وبينهم الولايات المتحدة يزودون جماعات كردية تعتبرهم تركيا إرهابيين، بالأموال والسلاح.

المصري الذي قتل باستخدام طائرة دون طيار في الخامس من أبريل الماضي، كان بلا جدال يستحق لقب إرهابي، بالنظر إلى تاريخه وفقا لمسؤولي مكافحة الإرهاب في أمريكا.

كان عمره “طه” 61 عاما عندما عبر الحدود التركية إلى سوريا لمقابلة جماعات إسلامية متمردة. ويرى مسؤولون أمريكيون أنه في هذا العمر كان نشطا وشخصية يحترمها المتواجدون في شبكة علاقات القاعدة في الشرق الأوسط  وأبعد من ذلك. كان على قائمة المطلوبين من واشنطن منذ التسعينيات، عندما اعتبره المحققون الأمريكيون أحد العقول المدبرة لهجمات القاعدة التي استهدفت الأمريكيين حول العالم.

كان طه من قادة  تنظيم “الجماعة الإسلامية” في مصر عام 1997، حينما قتل أعضاؤها 58 سائحا أجنبيا و4 مرشدين سياحيين مصريين في الأقصر. وفي السنوات التالية، وباعترافه، شارك في عدد من عمليات الاغتيال للقادة المصريين، وأثنى علانية على هجوم تنظيم القاعدة على مدمرة يو إس إس كول الأمريكية في اليمن عام 2000.

ألقي القبض على رفاعي طه موسى، عام 2001 في سوريا وتم ترحيله إلى مصر، حيث قضى عقدا من العمر في السجن. لكنه حصل على حريته مع مئات الإسلاميين، بعد ثورة عام 2011.

وعقب انتخاب محمد مرسي رئيسا لمصر، ثم الإطاحة به وسط عدم استقرار كبير، هرب مئات من مؤيديه إلى تركيا، حيث رحب بهم إردوغان الذي أدان علانية “الانقلاب” ووصف الرئيس عبد الفتاح السيسي بالطاغية.

لكن من بين هؤلاء الذين استقبلتهم تركيا، تواجدت شخصيات من كبار الجهاديين الذين يعرفهم جيدا المسؤولين الأمريكيين في مكافحة الإرهاب، من بيهم رفاعي طه ومحمد شوقي الإسلامبولي، القيادي السابق بالجماعة الإسلامية.

أعلن الإسلامبولي عن كونه أصبح لاجئا سياسيا يحصل على الحماية، عبر حسابه بفيسبوك في يونيو عام 2015، وكان حليفا لبن لادن في الثمانينيات والتسعينيات. وفي العام الماضي، خلال تقرير للأمم المتحدة عن الإسلامبولي في العام الماضي، قرروا رفع اسمه من قائمة الإرهابيين الدوليين. وأبقته الولايات المتحدة على قائمتها.

ربطت الولايات المتحدة الإسلامبولي وطه منذ 2014 على الأقل بجماعة خراسان، الموالية لتنظيم القاعدة في سوريا والتي يعتقد في تخصصها في تنفيذ الهجمات ضد الغرب. إلى وقت قريب، كانا الثنائي يعيشان في تركيا بكل حرية، ويظهران في المؤتمرات والفعاليات الإعلامية. وكان طه ضيفا في عديد المناسبات على القنوات المؤيدة لمرسي، حيث طالب في بعض الأوقات المصريين برفع السلاح ضد حكومتهم الحالية.

وقال خلال لقاء في نوفمبر 2014 تم تسجيله في إسطنبول “ماذا ننتظر؟ لن نواجه النظام بصدور عارية. لو واجهونا بالسلاح، لنواجههم بالسلاح.”

أكد مقربون من رفاعي طه مقتله أثناء محاولته فض نزاع بين جبهة النصرة وفصيل إسلامي آخر في سوريا. وقدمت التعازي فيه بمكان عام في إسطنبول، حضر خلاله أصدقاؤه ورفاقه السابقين، بينهم الإسلامبولي.

هاجمت الحكومة المصرية تركيا بسبب احتضانها شخصيات كطه والإسلامبولي، ووصفت إردوغان بداعم للإرهاب يساهم في زعزعة استقرار الشرق الأوسط. من جانبه يصر الرئيس التركي على أنه يرفض الإرهاب ويسعى فقط لحماية حقوق المسلمين في حق تقرير المصير بحرية.

ويدحض التاريخ العنيف لضيوف تركيا مزاعم إردوغان، ويسلط الضوء على السياسة المتهورة التي تسعى لحماية وحتى تشجيع بعض المتطرفين بينما تشن تركيا حربا ضد آخرين، وفقا لمسؤولين أمريكيين.

مقالات ذات صلة

إغلاق