واشنطن بوست: المصريون نسوا أحزانهم “قليلًا ” بتأهل المنتخب للمونديال

لساعات قليلة، نسي المصريون حياتهم ومتاعبهم الاقتصاديّة وفواتير الكهرباء وغلاء الأسعار  

عن واشنطن بوست

ترجمة: فاطمة لطفي

تمكن المنتخب المصريّ مساء الأحد من التغلب على نظيره الكونغو بهدفين مقابل هدف واحد، الأمر الذي يعني تأهل مصر لكأس العالم لأوّل مرة منذ 28 عامًا. وانفجرت العاصمة المصريّة في بهجة جماعيّة، إذ أضاءت الألعاب الناريّة ليل القاهرة، وعلت أبواق السيارات في الشوارع المزدحمة بالمشجعين في سيمفونيّة تضاهي في صخبها بلادًا مولعة بكرة القدم. 

كان المصريون بحاجة إلى الشعور بالسعادة مرة ثانية. إذ انقلبت حياتهم رأسًا على عقب بسبب تدهور الحالة الاقتصادية، وتأثر حساباتهم البنكيّة بغلاء الأسعار وتخفيض الدعم بعد أن شرعت الحكومة المصريّة في سن إجراءات تلبية لمطالب صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بـ12 مليار دولار. 

من الناحية السياسيّة، مصر رهينة قبضة سياسة قمعيّة هي الأشد قسوة منذ عقود. إذ سجن نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي آلاف المعارضين، ومنع المسيرات الاحتجاجيّة وحجب مئات المواقع الإلكترونيّة لتضييق الخناق على أي صوت يعارضه. كما زادت أعمال القتل الخارجة عن نطاق القانون، مع قوات أمن معروفة بانتهاجها التعذيب بحسب ما يقول نشطاء في حقوق الإنسان.

وتعرضت مصر هذا العام وخلال أعوام سابقة لعدد كبير من الهجمات الإرهابيّة، استهدفت على وجه التحديد الأقلية المسيحيّة في البلاد وأسفرت عن مقتل المئات. وأعلن فرع تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش)، الموجود في شمال سيناء، مسئوليته عن معظم هذه الهجمات التي تزايدت وتيرتها خلال الأشهر الأخيرة.

اقرأ ايضاً :   علاء مبارك يردّ على اتهام والده بـ"توطين الفلسطينيين في سيناء"

تصف سلمى ، 28 عامًا، التي تعمل كمساعد مخرج، الفوز إذ تقول” آلمتنا مصر كثيرًا ولم نشعر بالسعادة أبدًا. ويستحق الناس أن يشعروا بالسعادة، حتى لو كان لليلة واحدة”.

فيما قال هيثم ، 40 عامًا، مصرفيّ شهد المباراة من ستاد برج العرب بالإسكندرية وعاد إلى منزله فجرًا فرحًا وغير قادر على التفكير في أي أعباء اقتصادية ” هذه أكبر فرحة شعرت بها في حياتي بعد ولا]ة ابني”.

أضاف أنه في الاستاد، جلس بجواره مصريون من جميع مناحي الحياة، أغنياء وفقراء، شباب وكبار في السن، بعضهم بلحى خفيفة ونساء يرتدين الحجاب وكان الجميع “يحضن بعضهم البعض”. كان المشهد سرياليا.

وتابع “الكرة لا تفصل الناس عن الواقع، هي فقط مجرد مسكن للألم لثواني معدودة. أتمنى أن يدفع هذا الفوز بمصر إلى زرع المزيد من البهجة”.

فيما وصف الصحفيّ مصطفى، 28 عامًا، الذي كان طفلًا رضيعًا عندما لعبت مصر في كأس العالم، الفوز بأنه “صحيّ لأشخاص يعانون من الاضطهاد الشديد”.

يقول مصطفى ” إذا لم تملك أدوات للتعبير عن معارضتك للنظام ناهيك عن القدرة على إحداث تغيير حقيقي، هذه اللحظات القليلة من البهجة ستحافظ على سلامتك العقليّة. إذ تساعدك على استرجاع الشعور المفقود بالأمل. صحيح لا يمكنني أن أسامح من قتلوا الأمل بداخلنا في الماضي، لكن بإمكاني أن أفرح لأجل المنتخب الذي أسعدنا. لا أحد يملك الكرة، لأن الكرة للناس”.

ومن ناحية أخرى، رأى عدد من الذين أجرت معهم صحيفة واشنطن بوست مقابلات الفوز بأنه فرصة للحكومة لالهاء الناس عن المتاعب التي تواجه البلاد.

عندما أعلن السيسي منح كل لاعب في المنتخب المصريّ مكافأة مليون ونصف مليون جنيه مصريّ. قال كريم الديب، 33 عامًا ” عبر الكثيرون عن غضبهم قائلين أن هذه المكافأة إهدار للمال فيما نحن بحاجة إلى الطعام والدواء”.

اقرأ ايضاً :   الوعد هو الوعد: صحفي أمريكي يأكل مقالاته (فيديو)

ويقول خالد ، 29 عامًا، مهندس ” جعل الفوز الناس ينسون كل شيء لـ 24 ساعة. لكن مع أوّل فاتورة كهرباء أو كارت لشحن هواتفهم المحمولة أو أي مبلغ سيدفعونه في الأيام القادمة، سيتذكرون مرة ثانية الوضع السيء الذي نحن فيه. لا يمكن لذلك أن يفصلهم عن الواقع”.

في أعقاب فوز مصر على الكونغو، تجمهرت حشود في ميدان التحرير ورفع عدد كبير من المشجعين علم مصر. كان الميدان مركز الثورة الشعبيّة التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك. فيما اليوم، تمنع قوات الأمن أي مسيرات احتجاجية معارضة للحكومة من التشكّل في الميدان.

تقول شومان “عندما رأيت الناس يحتفلون كنت سعيدة جدًا لرؤيتهم يبتسمون، حتى رأيت الاحتفالات تتجه صوب ميدان التحرير، وقتها شعرت بوخزة ألم. البقعة التي انطلقت منها الثورة أصبحت مكانًا للاحتفال بفوز زائف. كانت المباراة محاولة جيدة لصرف الانتباه عن كل هذا الحزن والسلبية”.

فاطمة لطفي

فاطمة لطفي