سياسة

واشنطن بوست: إعدامات مصر تغذي “بارانويا” أردوغان

صحفي تركي: يشعر مؤيدو أردوغان بأنهم ضحايا رغم أن له سلطات لم تتوافر لأتاتورك

واشنطن بوست – إيشان ثارور – ترجمة: محمد الصباغ

أيدت محكمة مصرية الثلاثاء حكماً بإعدام الرئيس السابق محمد مرسي، السياسي الإسلامي الذي تحول في غضون عامين من أول رئيس منتخب ديمقراطياً إلى أكثر شخصية بارزة يحكم عليها بالإعدام.

يرتبط الحكم بدور مرسي المزعوم في سلسلة من اقتحامات السجون والهجمات على الشرطة خلال انتفاضة عام 2011 ضد النظام المصري آنذاك بقيادة حسني مبارك. فاز مرسي بالإنتخابات الرئاسية في 2012، لكن أطاح به  إنقلاب عسكري بقيادة وزير الدفاع حينها عبد الفتاح السيسي، والذي نصب نفسه كحاكم للبلاد وبدأ في حملة شرسة ضد أنصار مرسي وبقية المعارضين.

وتسببت الأخبار الأخيرة في تصريحات صاغها البيت الأبيض بإحكام، عندما أعلن أن إدارة أوباما ينتابها ”قلق عميق“ عقب الحكم على مرسي والأحكام المشابهة الأخرى ضد أعضاء من الإخوان المسلمين في مصر، و حذرت الإدارة من أن مثل تلك المحاكمات السياسية ”لا تتعارض فقط مع القيم الدولية بل تضر بالإستقرار الذي يستحقه جميع المصريين“.

لكن الغضب الأقوى الذي جاء من الخارج كان من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أحد أقوى منتقدي حكومة السيسي. وصف أردوغان الأحكام المصرية بأنها ”مذبحة للقانون والحقوق الأساسية“، وطالب المجتمع الدولي ”بالتصرف من أجل سحب تلك الأحكام التي خرجت بتعليمات من النظام الإنقلابي، وبوضع نهاية لهذا المسار الذي قد يضر بشدة بسلم المجتمع المصري“.

وقد شاهد إردوغان و حزبه العدالة والتنمية، برعب،  الأزمة التي يمر بها مرسي وحلفاؤه  السياسيين.

في 2011، جعل أردوغان والمسؤولون في حزبه من “ماركه” الإسلام السياسي المعتدل نموذجا يمكن تطبيقه لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الذى شهد في نفس الفترة تغييرات كبيرة خلال اضطرابات الربيع العربي. و بدت الانتصارات الإسلامية في الانتخابات في تلك الفترة كأنها تعزيز لموقفه. و بعد أربعة أعوام لن تسمع مجددا عن النموذج “التركي” المبالغ في مديحه.

كان ذلك في البداية نتيجة للإضطرابات الكبيرة التي اندلعت في المنطقة من العراق إلى ليبيا. تونس وحدها التى يمكن أن تتباهى بمكاسب ديمقراطية دائمة. أما في الشأن المصري، فثورة واعدة تعثرت أثناء فترة الانقسام تحت حكم مرسي، وتأخذ اتجاهاً للعكس تماماً تحت حكم السيسي.

كان ذلك أيضاً نتيجة خفوت بريق أردوغان مع استمراره في الحكم لفترة طويلة، فحزب العدالة والتنمية سيطر على السياسة التركية منذ وصوله للسلطة عام 2002، وكان له الفضل في رفع كامل البلاد إلى مستوى الطبقة المتوسطة من خلال اصلاحات اقتصادية كبيرة و في النظام الصحي.

أردوغان صاحب الكاريزما رغم ديماجوجيته، وكان رئيساً للوزراء لثلاث فترات وفاز بالإنتخابات الرئاسية العام الماضي. ولم يكن لأي شخصية تركية هذا التأثير على الدولة منذ مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية.

لكن في بداية هذا الشهر، تلقى أردوغان ضربة عندما فشل حزب العدالة والتنمية في تأمين الأغلبية البرلمانية في الانتخابات العامة. وجاءت نتائج التصويت لتضع نهاية لخطة أردوغان بتحويل النظام البرلماني الحالي في الدولة إلى نظام رئاسي حيث كان سيمتلك ضوابط وتوازنات أقل وزيادة في سلطته التنفيذية. ومازالت الأحزاب الأربعة الكبرى في تركيا مختلفة حول الحكومة الجديدة.

قبل الانتخابات، لم يكن من المفترض أن يشارك أردوغان رئيس الدولة في حملة حزب العدالة والتنمية الانتخابية، لكنه فعل ذلك وتطرق إلى الحديث عما يتعرض له محمد مرسي. ففي 16 مايو الماضي، أي نفس اليوم الذي أعلن فيه الحكم على مرسي بالإعدام، خطب أردوغان أمام أنصار حزبه ودعا للتعاطف مع قضية الإخوان المسلمين في مصر.

وقال: ”للأسف، أصدرت مصر حكماً بالإعدام على رئيس منتخب بنسبة 52% من الأصوات. مصر تعود إلى سابق عهدها“، وذلك في إشارة إلى العقود شبه الديكتاتورية تحت حكم مبارك. وبعد فترة ليست بالقليلة، نشرت جريدة مؤيدة لحزب العدالة والتنمية عنوانا يقول: ”مصير مصر مرتبط بـ 7 يونيو“ وهو نفس تاريخ الانتخابات البرلمانية التركية.

القضية هنا ليست ببساطة دعم بارز من قائد إلى سياسي مسجون في مكان آخر. كل من مصر وتركيا يمتلكان تاريخاً طويلاً من النخب العلمانية التي تعمل جنباً إلى جنب مع تدخل الجيش لسحق المعارضة وقمع الإسلام السياسي. وهذا التاريخ يتجسد في خطب أردوغان وسياساته.

وفقاً لكيرين كينار، الكاتبة في جريدة (Turkiye) فذكرى عدنان مندريس تطارد أردوغان في غرف قصره، وهو رئيس الوزراء التركي الليبرالي الذي كان أكثر وداً مع الإسلام من أتاتورك، وفي النهاية تم الإطاحة به وأعدم بواسطة الحكم العسكري عام 1961.

خلال العقد الماضي، كبح أردوغان جماح الجيش التركي، و فكك بيروقراطية الدولة القديمة وسيطر على بعض مؤسساتها العلمانية. في بداية هذا الشهر بإسطنبول، قالت لي إحدى مؤيدات حزب العدالة والتنمية عن مدى شعورها بالحرية بارتدائها حجاب الرأس في المؤسسات العامة حيث منعت من قبل تلك الملابس. وأضافت ”أنا أمتلك حرية حقيقية“.

هذا الشعور بظلم المسلمين أمر حيوي لأحاديث حزب العدالة والتنمية، كما يقول المنتقدون، وذلك رغم بقاء الحزب كل تلك السنوات في الحكم.

كتب الصحفي التركي مصطفى أيكول: ”رغم وجود أردوغان في السلطة منذ 13 عاماً، وحصوله على سلطات لم تتوافر (لحاكم تركي) منذ حكم أتاتورك، إلا أن القمع الذي يتعرض له الإخوان المسلمين في مصر يقدم له ومؤيديه احساساً قوياً بأنهم ضحايا“.

خلال الشهر الماضي امتلأت الحملات الإنتخابية للعدالة والتنمية بالترويج للخوف من التهديدات الخارجية والداخلية، مع تحذير الجرائد المؤيدة للحزب في عناوينها الصاخبة من ”التحالف الصليبي“ الذي يتآمر لإسقاط تركيا. و تضمنت أيضاً أنه بمجرد أن الغرب وعملاؤه سمحوا بالإنقلاب ضد مرسي، فهم الآن يتآمرون لتقويض هيمنة حزب العدالة والتنمية.

عندما سألت محمد آكار، مدير الحزب بمدينة ديار بكر في الجنوب الشرقي، عن تأثير فضائح الفساد على الحزب وكذلك المخاوف من زيادة استبداد أردوغان، فرد ببساطة، وألقى اللوم على فهمي الخاطئ للموقف في تركيا وأرجعه إلى ”اللوبي اليهودي العالمي“، الذي يتحدث من خلال وسائل الإعلام الغربية.

يمكن أن يقول الكثير الآن إن رده هذا ينم عن جهل وتحيز. لكن أيضاً يظهر عقلية السياسي الذي يأخذ حذره التام من أي انقلاب عسكري بمكان آخر، و يرى الأعداء يتحركون باستمرار في الظلام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق