سياسة

وإسرائيل كذلك تقاتل من أجل مصر

 

الباحث الإسرائيلي دانييل نسمان : كلمات السيسي عن حماية  الحدود كان لها وقع الموسيقى في الأذن الإسرائيلية، ولكن إسرائيل أيضا تقاتل منذ سنوات من أجل أمن مصر ومؤخرا من أجل دعمها سياسيا لدى الأمريكيين

ستواصل العلاقات الأمنية ازدهارها ولكن هل تتغير السياسية عن نهج مبارك في "السلام البارد"؟
ستواصل العلاقات الأمنية ازدهارها ولكن هل تتغير السياسية عن نهج مبارك في “السلام البارد”؟

دانييل نيسمان – المونيتور

ترجمة – محمود مصطفى

“نحن مسئولون عن أرضنا، وسيادتنا يجب أن تكون كاملة” “لو ضرب صاروخ إيلات وقتل 15 أو 20 سائحاً، ماذا سيكون رد الفعل؟” هذه كانت تصريحات الرئيس المنتخب عبد الفتاح السيسي، في حوار يوم 22مايو  أثناء حملته الإنتخابية، وكان وقعها كالموسيقى على آذان مؤسسة الدفاع الإسرائيلية.

فمنذ صيغت معاهدة السلام عام 1979 لم يكن لأي من القادة المصريين حرص على حماية الحدود الإسرائيلية على مستوى الفعل والآن على مستوى الخطاب، وبلا شك،  فإن القول في مصر أخطر، سياسياً، من الفعل في هذا الشأن.

ويؤكد المسئولون المصريون الذين تحدثت إليهم علاقة العمل بين السيسي وإسرائيل، وتشكلت هذه العلاقة بعد تعيين السيسي مديراً للمخابرات الحربية وازدادت قوة بعد تعيينه وزيراً للدفاع في عهد الرئيس المصري السابق محمد مرسي ثم ازدادت قوة أكثر وأكثر مع  فترة الحكم الانتقالية التي تلت مرسي.

وبعيداً عن ما إذا كان رجل الشارع المصري يعرف ذلك أو لا، فإن إسرائيل كذلك تقاتل من أجل الحفاظ على أمن مصر على مستوى المنطقة لسنوات عديدة مضت.

في الشق الأمني، تشير أحداث عديدة مؤثرة في العام الماضي إلى أي درجة أصبح التعاون المصري الإسرائيلي متشابكاً بإحكام، ففي مارس 2014 قالت وكالة أنباء رويترز إن سفينة كلوس سي التي اعترضتها القوات الإسرائيلية في البحر الأحمر كانت تحمل صواريخ في طريقها إلى المسلحين في سيناء وليس إلى حماس في غزة أو إلى حركة الجهاد الفلسطيني، كما ادعت إسرائيل في البداية، وهي التغطية التي حاولت أن تنقذ بها إسرائيل مصر من الحرج حول الوضع الأمني في سيناء.

القيود العسكرية في سيناء التي حددتها معاهدة السلام في 1979 ليست موجودة بشكل عملي على أرض الواقع، والمخاوف الإسرائيلية في البداية من الدخول المتزايد بشكل غير مسبوق للأسلحة الثقيلة والقوات في سيناء خلال عهدي المشير محمد حسين طنطاوي ومرسي تبددت في عهد الحكومة الإنتقالية.

كلا الجانبين متفق على أن المعاهدة تم تعديلها بحكم الواقع للسماح لمصر بالقيام بعمليات مكافحة الإرهاب ولتأمين الحدود الإسرائيلية، وأبرز من ذلك أن إسرائيل اتهمت في وسائل الإعلام المحلية بالقيام بهجوم بطائرات بدون طيار ضد مجموعة مسلحة في شمال سيناء في أغسطس 2013.

صمتت الحكومة المصرية حيال ذلك بشكل كبير ولم يكن رد فعل الشارع المصري كبيراً، مع الاخذ في الاعتبار أنه قبل عامين في أكتوبر 2011 تم نهب السفارة الإسرائيلية في القاهرة عقب عملية تعقب مكثفة تلت هجوماً مسلحاً عبر الحدود خلف قتلى.

إسرائيل حرصت على دعم الحكم المصري الجديد وإقناع الكونجرس تسليم مصر طائرات الأباتشي

أشارت تقارير إلى أن إسرائيل أعادت تشكيل جهودها الإستخباراتية في شمال إفريقيا، مدركة أن تدفق الأسلحة والمقاتلين  إلى مصر يشكل لحدودها مع سيناء وغزة.

وهذا الإهتمام من الجانب الإسرائيلي يتوافق مع النشاط الإستخباراتي القوي لإسرائيل، وفقاً لمصادر أجنبية، وضمن ذلك النشاط الإستخباراتي في شرق إفريقيا لوقف تهريب الأسلحة الإيرانية إلى قطاع غزة عبر الأراضي المصرية وهو السلاح الذي يستفيد منه أيضاً الجهاديون المصريون.

الدعم الإسرائيلي لمصر وصل أيضاً إلى الشق الدبلوماسي بمستوى غير مسبوق، ففي مارس 2014 ذكرت تقارير أن إسرائيل كانت تمارس ضغوطاً على الكونجرس الأمريكي لتسليم 10 طائرات هليكوبتر هجومية من طراز أباتشي لمصر وهو ماتم رغم المخاوف الأمريكية من انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.

وفي الوقت ذاته تتواصل الجهود من أجل ضمان استمرار مصر في الحصول على مساعدات مالية من الأمريكيين.  وقال سفير إسرائيل السابق في القاهرة إيلي شاكيد لـ”المونيتور” “يجب ألا تعاقب مصر. سيكون خطأً أن نجعل الحياة أكثر سوءاً في مصر، هذا البلد مهم جداً.”

فيما من المرجح أن تستمر العلاقات الأمنية في الازدهار في ظل رئاسة السيسي، فإن تطوير هذه العلاقات إلى مستوى أكثر إفادة وتبادلية على المستوى الإقتصادي أمر مختلف تماماً.

ما يسبب الخوف للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، أن مصر عزفت عن أي خطوات نحو التطبيع مع إسرائيل على المستويين الاقتصادي والسياسي منذ 1979، وهو ما أدى إلى ما يُطلق عليه على نطاق واسع في إسرائيل “السلام البارد.”

يصر المسئولون المصريون الذين تحدثت إليهم على أنه إذا لم تقم إسرائيل بإحداث تقدم حقيقي نحو حل المسألة الفلسطينية فلن يخاطر أي رئيس مصري، والسيسي كذلك، بمزيد من التطبيع برغم الاهداف الأمنية المشتركة.

المسؤلون المصريون الذين تحدث إليهم نسمان استبعدوا أن يستطيع السيسي اتخاذ خطوات أكبر دون تقدم في الشأن الفلسطيني

إسرائيل كانت بالطبع ضمن أربع بلدان لم يدع رؤسائهم إلى حضور مراسم تنصيب السيسي. ولم تعيد مصر سفيرها إلى تل أبيب بعد ان تم استدعائه احتجاجاً على العدوان الإسرائيلي على غزة في نوفمبر 2012.

سيواجه السيسي قريباً إغراء قبول 4.5 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي، تحتاجهم مصر بشدة، من حقل بترول تامار الإسرائيلي. في الخامس من مايو الماضي وقع مالكو الأسهم في تامار مذكرة تفاهم مع شركة يونيون فينوسا الإسبانية التي تمتلك 80% من محطة إسالة الغاز الطبيعي في دمياط.

وجاء هذا الإتفاق بعد توقيع مذكرات مماثلة مع شركاء محتملين في الأردن والأراضي الفلسطينية لإستغلال حصص من حقل تامار الإسرائيلي.

من المرتقب أن تتم الصفقة المحتملة مع يونيون فينوسا في مصر، والتي تساوي 20 مليار دولار على مدى 15 عاماً من مبيعات الطاقة إلى أوروبا عبر مصر، في نوفمبر 2014. ولكن الامر يتطلب موافقة الحكومة المصرية حيث تمتلك الهيئة المصرية العامة للبترول الـ20% بالمائة المتبقية من مرفق دمياط.

سيوفر توقيع الحكومة المصرية على إسرائيل جهد بناء مرفق إسالة خاص بها في ظل تهديدات صواريخ حزب الله، وسيوفر ذلك لمصر مصدراً يعتمد عليه للغاز الطبيعي المسال في ظل الأزمة العنيفة مع المزود السابق، قطر.

وبالرغم من هذه المنافع فإن صفقات الغاز الطبيعي مع إسرائيل على وجه الخصوص ظلت علامة مميزة على الفساد السياسي والأخلاقي في مصر وشرارة للإحتجاجات ضد مبارك. ومنذ تلك الإحتجاجات يحاكم جمال مبارك على بيعه للغاز المصري لإسرائيل بسعر أقل من سعر السوق والحصول على 5% من الأرباح.

يواجه السيسي بلا شك اختبارات عديدة لشعبيته خاصة بعد إقبال مخيب للآمال خلال الإنتخابات الرئاسية، ولكن قد يتوجب على المشير السابق أن يأخذ الخطوة المكروهة بتوسيع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل لدرء مزيد من انقطاعات الكهرباء ونقص الوقود وارتفاعات الأسعار، حتى لو كان ذلك معناه امتصاص الانتقادات من خصومه السياسيين الساعين لربطه بالنظام القديم المكروه.

وكما يظهر التاريخ القريب، هذا ثمن ضئيل لتجنب مخاطر موجة حتمية من السخط إقتصادياً واجتماعياً من التي ألقت من قبل بأنظمة أخرى إلى مزبلة التاريخ.

*دانييل نسمان

مدير مجموعة المشرقي

وهي مركز للاستشارات البحثية ودراسة المخاطر الجيوسياسية . تل أبيب

مقالات ذات صلة

إغلاق