منوعات

هل نستطيع الاستغناء عن البعوض؟

إعادة تشكيل البيئة يمكن أن يسبب عواقب غير مقصودة

المصدر: the atlantic

ترجمة: ماري مراد

عندما تتحدث دلفين تيزي إلى الناس بشأن التخلص من ملاريا واستهداف البعوض، فإن السؤال الوحيد الذي قالت إن الجميع سأله- سواء كان شخص ما في قرية بإفريقيا لم يدرس علم الأحياء أو علم البيئة، أو سفير للأمم المتحدة- هو: ما هي العواقب؟

هذا سؤال جيد. بالنسبة للبشر، فإن البعوض في أحسن الأحوال يكون مزعجًا وفي أسوأ الأحوال مُميتًا، لكن بالنسبة للعشرات من الأنواع الأخرى من الكائنات في البرية، فإن البعوض وسيلة تلقيح أو فريسة. وبالتالي فإنه إذا كانت الحملات الماضية للقضاء على الملاريا قد علمتنا أي شيء، فأبرزها هو أن إعادة تشكيل البيئة يمكن أن يكون له عواقب غير مقصودة.

تتحدث تيزي عن البعوض لأنها مدير مساهم في “Target Malaria”، جمعية أبحاث غير ربحية يدعمها بيل جيتس تقوم بتطوير بعوض معدل وراثياً للقضاء على مجموعات من البق التي تنشر مرض الملاريا.

هذه التكنولوجيا طموحة وجديدة، وبالتالي مثيرة للجدل. فرغم أن البعوض المعدل وراثيا لن يكون جاهزا حتى عام 2029، فإن “Target Malaria” قد حصلت على ما يكفي من الأسئلة حول العواقب البيئية.

في أكتوبر، سيبدأ فريق من علماء “Target Malaria” من جامعة غانا وجامعة أكسفورد، دراسة على مدى أربع سنوات إيكولوجيا بعوض الملاريا ” الأنوفيلة الغامبية ” في غانا.

وفي النهاية، فهم يأملون أن يفهموا كيف ستستجيب الأسماك والخفافيش والأزهار والحشرات إذا ما انخفض عدد البعوض، أو حتى القضاء عليها كليًا، وقد تحدثت أبحاث سابقة حول هذا السؤال، على حد قول تيزي، ولكن “لم يدرسها أحد حقاً عن قصد”.

الدراسة سوف تتبع “الأنوفيلة الغامبية” من مرحلة اليرقات إلى مرحلة البلوغ حتى الموت.

أولًا: سيقوم الفريق بإنشاء مواقع تكاثر اصطناعية منخفضة التكنولوجيا (برك صغيرة من الماء) لمحاكاة البيئة المائية حيث تبدأ اليرقات حياتها. والسؤال الرئيسي، كما يقول تشارلز جودفراي، عالم الأحياء في جامعة أكسفورد والذي يعمل على الدراسة، هو أي فئة منافسة تستفيد عندما تزيل يرقات “الأنوفيلة الغامبية” :الحشرات غير الضارة، أم غيرها من ناقلات الأمراض الفتاكة؟

هناك أكثر من 3 آلاف نوع من البعوض في العالم، منها 70 نوعًا يمكنها نقل الملاريا، في حين أن أنواع أخرى تنقل أمراضًا مثل الحمى الصفراء وشيكونغونيا وزيكا.

والأنوفيلة الغامبية هي عبارة عن مجمع يتكون على الأقل من 7 أنواع من البعوضات لا يمكن التمييز بينها من ناحية التشكل وتنتمي لجنس الأنوفيلة- هي الناقل السائد للملاريا.

وإذا كان استهداف “أنوفيليس غامبيا” يعني استبدال البعوض الحاملة للملاريا بأخرى، فإن ذلك قد لا يكون تقدمًا كبيرًا، هذه المسألة المتعلقة بالتخلص المستهدف حديثة بسبب إمكانية استخدام هندسة وراثية خاصة بـ”الأنوفيلة الغامبية”، على عكس المبيدات القاتلة بشكل عشوائي مثل الـ “DDT”.

من ناحية أخرى، يقول جودفراي إن: “الأنوفيلة الغامبية هي حقا بعوضنا، لقد تطورت معنا، وتعيش بالقرب من البشر. إنها تفضل دم الإنسان أكثر من أي نوع آخر من البعوض. من الصعب التفكير في أن ما يمكن أن يحل محل هذا الوضع هو أسوأ”.

وستبحث الدراسة أيضًا في الحيوانات التي تأكل البعوض. فالخفافيش، على سبيل المثال، معروفة بأنها مفترسة. ويقول جودفراي: “يمكننا أن نذهب إلى مجثم الخفافيش ويمكننا جمع البراز”. وسيقوم الفريق في الواقع بتحليل الحمض النووي الذي يخرج من الخفافيش باستخدام تقنية يطلق عليها “تقنية الترميز الجيني” أو “DNA barcoding”، والتي تستخدم امتدادات قصيرة من المادة الوراثية لتحديد أنواع معينة بسرعة. وستساعد النتائج الباحثين على تحديد نسبة الحمية الغذائية التي تتشكل من أنوفيليس غامبيا.

كما يمكن استخدام تقنية الترميز الجيني لتعقب الأنوفيلة الغامبية كملقحات. ويتغذى البعوض على الرحيق، وتلتقط اللقاح أثناء انتقالها من زهرة إلى أخرى. وسيقوم الفريق بجمع البعوض وجمع اللقاح التي تحملها، واستخدام الترميز الجيني لتحديد هوية الأنواع النباتية التي جاء منها اللقاح.

A mosquito against a red background

وكل العلماء الذين يدرسون البعوض يشيرون إلى أن القضاء على “الأنوفيلة الغامبية” لن يؤثر بشكل كبير على النظام البيئي.

ويقول مامادو كوليبالي، باحث في الملاريا في جامعة باماكو بمالي، الذي عمل مع “Target Malaria” في دراسات أخرى، أن “الأنوفيلة الغامبية” يبدو أنها لا تشكل إلا نسبة صغيرة من النظام الغذائي للحيوانات التي تأكلها، وفقط نسبة صغيرة من تلقيح النباتات تعتمد عليها.

ومع ذلك، يأمل أن تساعد هذه الدراسة الأشخاص على فهم عمل وقبول “Target Malaria” بشكل أفضل: “لا يمكننا أن نأخذ أي شيء كأمر مسلم به، خصوصًا عند العمل مع هذه التقنية القوية المحتملة”.

و”Target Malaria” حريصة على القول إن هدفها لا يتمثل في القضاء على جميع البعوض أو حتى جميع بعوض الملاريا، بل هدفها القضاء على الملاريا، ومن الممكن ببساطة أن القضاء على عدد من “الأنوفيلة الغامبية” يكون كافيا لكسر حلقة المرض، لكن مسح جميع أنواع البعوض من على وجه الأرض قد يكون أصعب بكثير، وربما يكون وهمًا.

لكن البعوض ليس لديه الكثير من المدافعين، حتى بين العلماء الذين يعرفونها بشكل أكثر حميمية، لدرجة أن فكرة استئصال البعوض لمنع الملاريا لا تزعج ستيفن جوليانو، الباحث في إيكولوجيا البعوض بجامعة ولاية إلينوي، إذ يقول: “قد يكون من المفيد خسارة نوع واحد، لعل الأمر يستحق  لأن عبء المعاناة الإنسانية مرتفع للغاية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق