سياسة

هل خان ترامب وطنه حقًا؟

محاولة ابتزاز ترامب لأوكرانيا ترتقي إلى "عمل إجرامي"

cnn

Frida Ghitis

ترجمة وإعداد: ماري مراد

ربما تبدو قصة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع أوكرانيا معقدة، إذ لا يزال يتعين فهم الكثير من التفاصيل، لكن الآثار المترتبة على ذلك جلية: من الواضح أن الرئيس ترامب خان وطنه والآن، كما أعلنت المتحدثة باسم مجلس النواب الأمريكي، نانسي بيلوسي، فقد أثارت تصرفات ترامب فتح تحقيق لعزله.

إدارة ترامب رفضت مشاركة الكونجرس في شكوى عاجلة من قبل عميل مخابرات (رغم إفادة مصادر مطلعة باحتمالية نشرها يوم الأربعاء)، لذا فنحن لا نعرف التفاصيل كاملة.

وكشفت التحقيقات الإعلامية الخطوط العامة الرئيسية للقصة؛ ففي يوليو حجب ترامب مساعدات عسكرية في الوقت الذي كان يضغط فيه على الرئيس الأوكراني  فولوديمير زيلينسكي للنظر في المزاعم المشكوك فيها ضد نائب الرئيس السابق جو بايدن، المنافس الرئيسي لترامب في انتخابات 2020. واعترف الأخير أنه تحدث مع زيلينسكي عن الفساد وبايدن.

ترامب أراد أن يجعلنا نُصدق أن كل هذا طبيعي، وأن حجبه للمساعدات لا علاقة له برغبته في إجراء تحقيق مع بايدن. (ويوم الثلاثاء، نشر ترامب تغريدة عبر تويتر قال فيه إنه سيفرج عن النص الكامل لمحادثته الهاتفية مع الرئيس زيلينسكي يوم الأربعاء”.

لكن في الحقيقة كل هذا ليس طبيعيًا. في الواقع، إذا أراد ترامب الوصول لاتفاق مع الرئيس الأوكراني، فهذا تصرف أحمق يضع فيه مصالحه السياسية الشخصية فوق مصالح البلد الذي أقسم على خدمته.

من المرجح أن تكون تصرفات ترامب تجاه أوكرانيا انتهاكًا لقوانين مكافحة الفساد، إضافة إلى انتهاكه الواضح لقانون حماية المبلغين عن المخالفات. والأكثر أهمية من كل هذا، أن تصرف ترامب يشكل خرقًا لقسم تولي منصبه، وينتهك تعهده بـ”حماية والدفاع عن” وطنه، علاوة على انتهاك أهم الواجبات الأساسية التي قبلها عندما أصبح رئيسًا للولايات المتحدة.

وابتزاز أوكرانيا الواضح أسوأ من طلب والموافقة على  المساعدة الروسية للفوز في انتخابات الرئاسة عام 2016. سنرى ما سيكشف عنه نص المكالمة، لكن من الجدير بالذكر معرفة أن “سي إن إن” تفيد بأن الاتصال كان جزءًا من شكوى المبلغ. ويقول رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب آدم شيف إن المُبلغ يريد الإدلاء بشهادته أمام اللجنة.

عندما طلب المرشح الرئاسي آنذاك من الكرملين مساعدته لهزيمة منافسته هيلاري كلينتون عام 2016، قال: “روسيا، إذا كنت تستمعين، أتمنى أن تعثري على 30 ألف رسالة بريد إلكتروني مفقودة”، ولقد كانت خطوة خسيسة لالتماس مساعدة من قوة معادية للتأثير على الانتخابات الأمريكية. لكن حينها كان ترامب مواطن غير حكومي، دون أي إمكانية للوصول إلى موارد السلطة التنفيذية والصلاحيات الهائلة.

لكن في هذه المرة، تورط الرئيس في ما يبدو أنه ابتزاز؛ إذ طلب تلطيخ سمعة بايدن مقابل مساعدات عسكرية أمريكية بمئات الملايين من الدولارات، وضغط على البلد البائس للتدخل في الانتخابات الأمريكية عام 2020 لمساعدته في تشويه المرشح الديمقراطي الأوفر حظًا.

ويوم الأربعاء، أصر ترامب مجددًا على أنه لم يقترف أي خطأ وعرض تفسيرًا جديدًا لحجب المساعدات العسكرية، مدعيًا أنه فعل ذلك لأن “أوروبا والدول الآخرى” لا تساهم في مساعدة أوكرانيا. وهذا الادعاء خطأ، ولن يبرر ضغط الإدارة على أوكرانيا للتحقيق مع الخصم أو رفض الامتثال لقانون المبلغين عن المخالفات.

وتشير الدلائل إلى أن ترامب وضع ضغوطًا على أوكرانيا بالاستيلاء على 250 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكية، التي صوت الكونجرس على منحها إلى أوكرانيا لتقوية دفاعاتها أمام جارتها العدوانية، روسيا، البلد الذي ساعد ترامب للفوز في الانتخابات الأمريكية عام 2016. 

وتصادم الكونجرس والبيت الأبيض بشدة بسبب رفض ترامب الإفراج عن الأموال المُصدق عليها. وبعد كل هذا، اتخذ الكونجرس قرارًا بناء على ما يُعتقد أنه في صالح الأمن القومي الأمريكي. وأفرج ترامب عن الأموال، بعد تقديم شكوى المبلغ وإعلان “المفتش العام غير الحزبي” أنها مصدر قلق عاجل.

في يوليو الماضي، عندما طلب ترامب من الرئيس زيلينسكي بإجراء تحقيق مع جون بايدن وابنه- كرر ترامب الطلب حوالي 8 مرات في محادثة واحدة وفقًا لـ”the Wall Street Journal”- على الأقل هدد ضمنيًا بأن علاقة أوكرانيا بالولايات المتحدة، بما في ذلك المساعدات العسكرية، في خطر. 

وبالضغط على أوكرانيا بهذا الشكل، فإن ترامب يترك البلاد أمام خيار عسير. ففي الوقت الحالي، تخوض البلاد معركة مع متمردين مدعومين ومسلحين من روسيا، بعد 5 سنوات فقط من غزو روسيا لشبه جزيرة القرم، وتواصل موسكو الاعتداء بنشاط على السيادة الأوكرانية.

وفي الاتصال مع زيلينسكي، أصر ترامب على أن تتعامل أوكرانيا مع محاميه، عمدة نيويورك السابق رودي جولياني. وبحسب تلخيص أوكرانيا للاتصال، أعرب ترامب عن تفاؤله بأن الحكومة الأوكرانية الجديدة ستتابع بكل حزم “قضايا الفساد” التي أعاقت التواصل بين البلدين. وفي تفصيل البيت الأبيض للاتصال، الذي لم يظهر على موقع البيت الأبيض، هنأ ترامب نظيره الأوكراني على الانتخابات الأخيرة وناقش طرق تعزيز التعاون.

الجانب المزعج والخطير في هذه الفضيحة أنها تعيد الحياة إلى اتهامات ترامب التي لا أساس لها ضد بايدن. ورغم أن المدعين الأوكرانيين يصرون على أن نائب الرئيس السابق لم يفعل أي شئ خطأ، فإن حلفاء ترامب يؤكدون لمشاهدي لـ”fox news” وجود فضحية حقيقية.

وإضافة إلى عدم الوفاء بالتعهدات أمام المصوتين الأمريكيين وتقويض مصالح الأمن القومي الأمريكي، فإن محاولة الابتزاز الواضحة ربما ترتقي إلى عمل إجرامي بمقتضى قانون هوبز، الذي منع المسؤولين الحكوميين من طلب شيء ذي قيمة مقابل أداء واجباتهم في مناصبهم.

ترامب، وفقًا لجميع الروايات، طلب شيئًا له قيمة من رئيس أوكرانيا: ولا سيما المساعدة في تشويه خصمه السياسي. ولم يقم بواجبه المتعلق بصرف المساعدات المقررة قانونًا حتى 11 سبتمبر، بعد أسابيع من تقديم المبلغ شكوته.

إضافة إلى بيلوسي، يبدو أن شخصية رئيسية أخرى، كانت مترددة للدعوة إلى عزل الرئيس، قد غيرت رأيها. وقال النائب آدم شيف، رئيس لجنة الاستخبارات الديمقراطي في مجلس النواب، إنه ليس على يقين بعد فيما يتعلق بأن المكالمة كانت موضوع شكوى المبلغ، لكن إذا “تضمنت مكالمة الرئيس الحالي مع زعيم أجنبي فساد أو عمل إجرامي محتمل، أو استخدمت لتحقيق منفعة سياسية ضد مصلحة بلادنا، عندئذ سيكون ذلك أخطر انتهاك حتى الآن لهذه الرئاسة، أو ربما لأي رئاسة”.

إذا كان هذا ما حدث حقًا، والدلالات تشير بقوة إلى حدوثه، فإن تصرف ترامب يجعل من فضحية “ووترجيت”- التي تجسس فيها  الرئيس ريتشارد نيكسون على مكاتب الجزب الديمقراطي المنافس في مبنى ووترجيت- جريمة صغيرة.

من المرجح أن ترامب خان بلاده، وفعل هذا على الساحة الدولية مستخدمًا أموال دافعي الضرائب والتلاعب بالأمن الأمريكي. فماذا يُمكن أن يكون أسوأ من هذا؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق