ترجمات

“هآرتس”: أجساد المهاجرين الأفارقة.. هدف عصابات الاتّجار بالأعضاء في مصر

مصر واحدة من 5 دول تتفشّى فيها تجارة الأعضاء بطرق غير شرعية

ترجمة: رنا ياسر

المصدر: Haartz

اختطاف عن طريق القوة الجبرية أو سرقة العضو تحت ستار العلاج في أثناء التماس الرعاية الطبية، أو شبكات مُنظمة مصرية لها علاقات سرية في الخرطوم.. كل ذلك كان وما زال سببًا في وقوع نحو 250 ألف ضحية من اللاجئين الأفارقة في مصر لتجارة الأعضاء غير المشروعة.

وفي هذا الإطار نشرت صحفية “هآرتس” الإسرائيلية، تقريرا من القاهرة، مُتحدثة إلى بعض الناجين من هذه الكارثة الإنسانية.

أمل، واحدة ممن أردوا الإشارة إليهم باسم مُستعار، أم تبلغ من العمر 31 عامًا لطفل ذي 11 عامًا، لاجئة من دارفور، وتعيش في القاهرة، تلك العاصمة المترامية الأطراف التي يسكنها 20 مليون مصري، وجدت فيها مأوى لتحيا فيه، لكنها وجدت مصيرها واقعًا تحت أيدي تُجار الأعضاء البشرية، ورغم أنها تُدرك الخطر الذي من المحتمل أن يلحق بها عقب الحديث مع أحد المراسلين، أصرت على سرد ما تعرضت له.

في صباح أحد الأيام في منتصف عام 2017، عند مغادرتها المنزل، لاحظت وجود رجل غريب عند بئر السلم، وحينما اجتازته، أمسك بها، واضعًا قطعة قماش مُببلة على فمها يتخللها مُخدّر، لن تتذكر ما حدث لها بعد ذلك، إلا أنها استيقظت في منزلها، أخبرها أقاربها أنها اختفت لمدة 6 أيام وأن خاطفيها تسببوا في فقدانها للوعي طوال هذه الفترة.

لاحظت أمل ضمادة على جسدها، أزالتها فوجدت جرحًا كبيرًا، حينها أدركت أنها حُرمت من كليتها، لم يتوقف الأمر على ذلك، فقد هددها الخاطفون -الذين لم تعرف هويتهم بعد- بقتلها إذا أخبرت أحدًا عما تعرضت له.

لجأت أمل إلى مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قائلة: “حتى الآن، أذهب إلى مقر المكتب كل شهر لأحصل على علاجي”، وعقب معرفة أفراد الشبكة التي وقعت ضحية لها أنها تتردد على مكتب المفوضية، وصل أحد أفرادها إلى منزلها في أثناء وجودها في العمل، مُهددًا الأبن بأن والدته إذا تابعت الحديث عما تعرضت له، ستكون نهايتها الموت.

أما علي، الذي يسرد موضحًا أنه وجد ذاته كأنه في عيادة، تُحيط الضمادات جسده، إذ لاحظ محاقن ومشارط في القمامة بجاوره، وحينما شعر بالألم، وجد جرحًا كبيرًا مُمتدًا على بطنه.. “أرغموني على التوقيع على وثيقة تؤكد تبرعي طواعية، وأعطوني 150 جنيها أي ما يعال 8.4 دولارات، كمصاريف نقلي ومن ثم أرسلوني للمنزل”، حسب قوله.

وبعد مرور خمس سنوات، لا يزال العار يمنعه من العودة إلى السودان: “لا أحد يصدق بأن كليتي أُخذت مني دون إرادتي”، مؤكدًا: “بيع الكلية أمر مُخزٍ لي ولعائلتي”، فقد أشار إلى أن هذه الجماعة أخذت جواز سفره، على اعتبار أنه إذا رغب السفر، فلن يستطيع.

وما زال علي يعاني من الألم المُزمن والضعف الشديد، إلى جانب أنه غير قادر على القيام بأعمال تتطلب أي مجهود بدني، وبصفته لاجئًا، تكون قدرته على كسب لقمة عيشه محدودة للغاية، حيث لا يمكنه الحصول على دخل ثابت مثل الآخرين الذين عانوا من محنة مُشابهة، فاضطر إلى أن يعيش “من اليد إلى الفم”.

وحسب “هآرتس”، مرت 8 سنوات منذ أن صنفت منظمة الصحة العالمية مصر -كواحدة من ضمن 5 دول في العالم- تتفشى فيها تجارة الأعضاء بطرق غير شرعية، وتُعرف بأنها الدولة التي تكون فيها زراعة الأعضاء للمرضى من المُتبرعين الأحياء، على خلاف أماكن أخرى في العالم التي يؤخذ فيها الأعضاء بشكل عام من أشخاص موتى.

في عام 2011، نشرت منظمة غير هادفة للربح في واشنطن العاصمة -والتي تشن معركة دولية ضد عمليات الزرع غير القانونية- دراسة تستند إلى أن مجتمع اللاجئين الأفارقة في المدينة مُعرّض بشكل خاص لذلك الخطر.

وأجرى المحققون مقابلات مُتعمقة مع 12 لاجئًا الذين فقدوا الكُلى، مُوثقين نحو 60 حالة إصابة، معظمهم من لاجئي الإبادة الجماعية في دارفور بالسودان، حيث يُقدر تقرير المنظمة غير الربحية في واشنطن أن آلاف من الأفارقة الذين يقدر عددهم بنحو ربع مليون لاجئ في مصر، وقعوا ضحية للتجارة غير المشروعة.

وتبعًا لما ذكره تحقيق صحيفة “هآرتس”، فإنه من خلال المقابلات التي تم إجراؤها مع بعض الضحايا، منهم من أخذت كليته دون رضاه، ومنهم من تمكن من الفرار في اللحظات الأخيرة عقب خطفه وتخديره.

يقول أحد الناشطين: “نصدر تحذيرات ونقدم شكاوى، ولكن لا شيء.. هذه العصابات تتجول بحرية وتهددنا، بينما لا تتخذ السلطات أي إجراء ضدهم”.

وجدت الصحيفة أن مجتمع اللاجئين في مصر -منذ العقد الأخير- كالفريسة السهلة تتم سرقة أعضائهم، سواء كان اللاجئون مقيمين بصورة شرعية في البلاد أم لا، وأن التوجيه السائد الآن والمبني على جهد واضح هو فكرة منعهم من التحدث، لذا يواجه ضحايا تجارة الأعضاء البشرية أزمة تسترهم على ما ارتُكب إزاؤهم وأن يتحلوا بالصمت، فوفقًا للشهادات، تم تحذير بعضهم من التوجه إلى الأطباء أو التصريح بشيء لهم أو لمفوضة اللاجئين، وتهديدهم حال إخبار الشرطة على اعتبار أنهم ضيوف في البلاد.

وحسب شهادات الضحايا، هناك 3 طرق رئيسية مُستخدمة لتجارة الأعضاء؛ الطريقة الأولى تضمن الاختطاف عن طريق القوة الجبرية والطريقة الثانية تكون من خلال سرقة العضو تحت ستار العلاج في أثناء السبل التي يلتمس فيها اللاجئون الرعاية الطبية، أما الطريقة الثالثة تكون من خلال شبكات مُنظمة في مصر لتجارة الأعضاء يُسافر أعضاؤها إلى الخرطوم، إذ إن المواطنين السودانيين الذين يعتقدون بأنهم يذهبون في رحلة ترفيهية إلى القاهرة أو يقصدون العلاج الطبي هنا، يجدون أنفسهم تحت أيدي هؤلاء التجار.

ورغم أن منهم من يضطر إلى بيع كليته بمحض إرادته ليُخفف من محنته الاقتصادية، لكن في هذه الحالات تأخذ هذه الجماعات كليته دون أن تدفع له مقابلاً ماديًا في ما يُعد استكمالاً لمسلسل الإجرام والسرقة.

تحقق السلطات المصرية من حين لآخر نجاحات فردية للحد من تجارة الأعضاء البشرية، ففي عام 2016، تم الكشف عن شبكة من التجار واعتقال 45 مشتبهًا بهم، وشملت قائمة المحتجزين العديد من أعضاء مهنة الطب، من أساتذة إلى مديري العيادات والممرضات (وبدا حينها أن معظم الكُلى المحصودة تم تسليمها لمالكيها الجدد، والسياح الذي يعملون في مجال الطب، من خلال مستشفيات وعيادات القاهرة) وحينها تم ضبط التجار والوسطاء.

وأدانت المحكمة 37 شخصًا، حُكم عليهم بالسجن لمدد تتراوح بين 3 سنوات و15 سنة، وبعد مرور عام، قُبض على 16 مشتبهًا، من بينهم طبيب وفني مختبر من شبكة مشبوهة أخرى.

في العام الماضي، تم سن تشريع جديد في مصر ينص على عقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات وغرامات كبيرة لأي شخص يقوم بعملية زرع عضو عن طريق الإكراه، وبموجب هذا القانون، إذا مات شخص نتيجة لعملية الزرع، فسيتم الحكم على الجاني بالسجن المؤبد، ومع ذلك ووفقًا لشهادات النشطاء فإن الاعتقالات قليلة، وفشل القانون في تغيير الوضع على الأرض بصورة كبيرة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق