ثقافة و فنمجتمع

هآرتس: كيف أصبحت “حارة اليهود” حديث القاهرة؟

هآرتس: أكثر مسلسلات رمضان هذا العام سخونة يتناول قصة حب جريئة بين مسلم ويهودية

هآرتس – إيال ساجي بيزاوي – ترجمة: محمد الصباغ

شهدت الصحافة المصرية في الأسابيع الأخيرة تعليقات ساخنة  حول بث المسلسل التلفزيوني ”حارة اليهود“ والذي تدور أحداثه في الفترة بين عام 1948 وحتى منتصف الخمسينيات.

أثنى بعض النقاد على  الطريقة التي صور المسلسل بها اليهود المصريين،لأول مرة، بطريقة إنسانية ومتعاطفة. لسنوات كانوا يظهرون بصورة نمطية ضد السامية. ومن جانب آخر، لام نقاد آخرون تصوير اليهود بصورة ”إيجابية جداً“، وكان المصريين يظهرون في صورة سلبية بالمقارنة معهم. فيما تذكر الكثيرون بفضل المسلسل، التعددية وتنوع الثقافات التي كانت موجودة بمصر. وفي نفس الوقت ألقى البعض الضوء على طريقة عرض الأحداث التاريخية المشكوك بها، كما اشتكوا من الأخطاء والمغالطات المتعلقة بالعادات اليهودية، واللغة وحتى الملابس.

يبث مسلسل حارة اليهود كجزء من مسلسلات رمضان السنوية التي تنتج سنوياً ويشاهدها ملايين العرب حول العالم. أغلب المسلسلات يكون عدد حلقاتها 30 وتذاع يومياً في رمضان. أصبح الأمر طقسا شبه مفروض منذ أواخر الثمانينيات مع الصوم والصلاة في المسجد والصدقات والتبرعات.

يتناول كثير من المسلمين وجبات إفطارهم أمام شاشات التلفاز. وبجانب سؤال ”من سيصوم ومن لن يفعل، فأكثر سؤال شائع في السنوات الأخيرة هو”ما هو المسلسل الذي تشاهده؟“

في كتابها ” دراما الوطنية: سياسات التلفزيون في مصر“، تؤكد ليلي أبو لغد ،أستاذة بجامعة كولومبيا، أنه بفضل شعبيته فالتلفزيون بشكل عام –وبالخصوص المسلسلات المصرية- يعد عاملا رئيسيا في خلق هوية قومية وثقافية. ووفقاً لها أيضاً، فكما زعم الباحث في القومية بندكت اندرسون أن الروايات والصحف مهمة  في خلق الوعي والمشاعر الوطنية ،  أما في مصر يلعب التلفزيون هذا الدور.

وتضيف أبو لغد أن تلك العروض تقدم حقائق أخلاقية تجعل المشاهدين يبكون. فالحبكة مثيرة وآسرة، والشخصيات مألوفة وتجلب التعاطف، والنص غالباً ما يكون اقتباسات. جميعها توقظ  الهوية بين المتابعين، وتولد حديثا مليئا بالعاطفة والحياة مما يساعد الأفراد على تخيل أنفسهم كجزء من المجتمع الوطني الأوسع.

وظف حارة اليهود لهذا الغرض. تدور الأحداث في حارة اليهود بالقاهرة في وقت مشحون، وتظهر قصة حب ليلى وعلي. ليلى يهودية ابنة تاجر منسوجات، أما علي فهو ضابط مسلم بالجيش. و مع تأسيس دولة إسرائيل وحربها مع مصر، وانتشار أنشطة الإخوان المسلمين تجنيد القليل من اليهود لأغراض صهيونية، ومع أيضاً ثورة عام 1952 والقبض على اليهود الجواسيس عام 1954، يبدو أن قصة الحب لن تسود.

عندما بدأت حرب عام 1948، أرسل علي إلى فلسطين وأسر بواسطة الجيش الإسرائيلي. وفي حارة اليهود، تنطلق صافرة إنذار فيقوم السكان ،يهود ومسيحيين ومسلمين، بالإحتماء بمعبد يهودي حيث صلت النساء كل على طريقتها.

فيما استهوت فكرة الصهيونية عقل شقيق ليلى هشام هارون. وغادر إلى إسرائيل وشارك في تأسيس كيبوتس ناشوليم بشمال إسرائيل، وفي الخلفية ظهرت موسيقى أغنية هافا ناجيلا. في القاهرة، صنف الإخوان المسلمين اليهود المصرين على أنهم صهاينة غزوا فلسطين وارتكبت الجماعة أعمالاً إرهابية في حارة اليهود وفي المحل المملوك لليهود حيث تعمل ليلى.

بالرغم من أن ليلى لم تصب في الهجوم، يبدو أنها كانت تهاجم من كل الاتجاهات الممكنة. بينما تنتظر حبيبها، العائد من المعركة في فلسطين، تكتشف أن أخاها أصبح صهيونياً خان مصر التي تعتبرها وطنها الأم.

وزادت المشاكل فمع أسر من تحب وتدمير محل والدها، أجبرت ليلى على زواج قائم على المصلحة من صفوت، ابن أحد أغنياء الطائفة اليهودية القرائية. ومثل أي مسلسل آخر، يظهر علي قبل توقيع عقد الزواج. استطاع أن يخدع الجيش الإسرائيلي ويهرب ليجد حبيبته على وشك الزواج. قامت ليلى بمغادرة مكان حفل الزفاف لكن حتى الجزء في المسلسل رفض علي الحديث معها. وإلى الآن على الأقل، يبدو أن ليلى غادرت بدون صفوت وعلي كما لو أنها لم ترتبط بإسرائيل وعلى وشك أن تفقد مصر.

من الواضح أن صناع المسلسل قاموا بأبحاث حول الأزياء اليهودية، لكنهم بالفعل لم يعيشوا وسط اليهود وهناك شك أنهم قابلوا أحدهم. ففي أحد المشاهد تقوم إمرأة بالصلاة في الجزء العلوي من المعبد، لكن الصلاة التي بدأت بشكل معروف يهودياً  انتهت بكلام غير مفهوم وطريقة الغناء بدت وكأنها تنتمي أكثر لكنيسة.

أما المشهد الذي يقوم فيه الحاخام رابي ليلى المحبطة إلى معبد موسى الميموني حيث أمرها بالنوم لليلة كي تهدأ، كان شديد العاطفية. بالرغم من أن شكل المعبد غير مقنع مع الطراز القريب من المسجد.

تبدأ الأمور في السخافة عندما احتفلت ليلى مع صفوت بزواجهم برقصات صوفية وكلمات ناثان ألترمان

”Leil Chanaya“ و التي أديت لأول مرة علم 1973 في مهرجان للأغنية (لا يعني ذلك أن الأفلام الإسرائيلية عن مصر لا تمتلئ بالأخطاء التاريخية والمغالطات).

بطريقة أو أخرى، يهدف حارة اليهود إلى رسم ثقافة وطنية وتعددية مليئة بالأديان والطوائف والتسامح والتحرر. ويتجه أيضاً المسلسل إلى الحداثة والقيم الغربية، مثل قضايا المرأة. شقيقة علي،فاطمة، تطالب بالمساواة في الحلقة الثانية من المسلسل، عندما قامت الأسرة بتنظيف الطباق بعد الطعام و طلبت أمها من شقيقيها بالمساهمة.

وتذكر فاطمة أمها وشقيقها بلطفية النادي وتقول ”حلقت بالطائرات قبل الرجال“ مشيرة إلى أول سيدة طيار مصرية والتي توفيت عام 2002. كما تحدثت عن سميرة موسى العالمة النووية المصرية التي قتلت ،أو أغتيلت، في حادث سيارة غامض عام 1952 في عمر 35 عاماً.

حسب المسلسل فأعداء الثقافة الوطنية هم الرجعييو والمتطرفون أو بشكل أبسط الإخوان المسلمين والصهاينة. الجماعة الأولى بدلاً من التركيز على الحرب في فلسطين، دعت إلى الجهاد ضد اليهود المصريين. أما الصهاينة فقد خانوا وطنهم الأم مصر التي أعطتهم الكثير.

تقول ليلى لأمها ”ابنك خائن“، وذكرتها بأن مصر هي الوطن. و أضافت لها ”علي لن يكون إسرائيلياً“. كما ألمحت إلى الطبقية في المجتمع الإسرائيلي بين اليهود الغربيين والشرقيين.

و حدث ذلك مرة أخرى عندما ذكر عامل فلسطيني جنديين إسرائيليين، أحدهما من اليمن والآخر من العراق، بأن بلادهم الأصلية كجنات عدن، بينما في إسرائيل يهتم فقط باليهود الغربيين، ويحصلون على الوظائف الكبيرة والمرتبات الباهظة.

و رحبت السفارة الإسرائيلية بالمسلسل لكن ماجدة هارون رئيسة الطائفة اليهودية الصغيرة في مصر هددت بأنه إذا ماوجدت شئ معادي كما كان الأعمال السابقة فسوف تقاضي صناع العمل.

كان هناك أيضاً من رأوا أن المسلسل هو إملاء من جهات عليا. اعتبروا أن ذلك من أعمال الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذين يتهمونه بالدعم الكبير لإسرائيل. وكديلي على فكرتهم أشاروا إلى تعيين أو سفير مصري في إسرائيل منذ ثلاثة سنوات وهو حازم خيرت.

بدأت ردود الأفعال الغاضبة مع بداية المسلسل الشهر الماضي. الكثير لاحظ أن الشخصية الفلسطينية الوحيدة ظهرت في صورة خائن، رجل باع أرضه إلى الصهاينة ويتعاون معهم ويتوسط بين علي آسريه. ومع ذلك كان الفلسطيني يتظاهر ببساطة يخدع الإسرائيليين وساعد علي في الهرب والعدة إلى مصر.

الكثير من اليهود الإسرائيليين من أصول مصرية الذين يشاهدون المسلسل رحبوا بشكل اليهود في الوعي المصري، لكن أيضاً اشتكوا من أن الصهيوني صور على أنه خائن. و علي النقيض، اتهم مسلمون صناع المسلسل بأنهم يجعلون الإخوان المسلمين هم الأشرار في المسلسل، وأنهم هم السبب في الاحداث التاريخية التي أدت إلى هجرة اليهود من مصر –بينما عملياً كان جمال عبدالناصر هو السبب في اختفاء هذه الطائفة. وحتى بأعين صناع المسلسل كانت الدوافع إلى الصهيونية أكثر وضوحاً من اعتناق القومية الدينية والإسلامية.

وكما اظهر دوكتور روث كيمتش في كتابه ”الصهيونية تحت ظلال الأهرامات“ فمعظم اليهود المصريين قاموا بالتبرع إلى الصندوق القومي اليهودي، لكنهم لم يهتموا بتحقيق أهداف الصهيونية. واكثر من ذلك، من بين الناشطين في المجتمع اليهودي المصري، كان هناك أشخاص كداوود هازان، ابن كبير حاخامات الإسكندرية، أو ألفريد يلوز، وفيليكس بن زاكين وغيرهم من الذين شاركوا في كلاً من الحركة الصهيونية وحزب الوفد المصري

كتب الصحفي ،سعيد يعقوب مالهي، رئيس تحرير جريدة الشمس اليهودية، من أجل بناء دولة يهودية على أرض إسرائيل، كما دعى اليهود المصريين من أصول أوروبية ”المتمصرين“ إلى أن يكونوا أكثر اندماجاً في المجتمع المصري.

من يعتبرون أنفسهم على ثقافة عالية يستطيعون السخرية من ميلودراما مسلسلات رمضان، وينتقدون الرومانسية الفجة، و الأخطاء. لكنهم  قد يقومون بدور أفضل لوأنهم  بدلاً من احتقار تسلية يرون أنها تسطح من الشعب، أدركاو أن المسلسل يظهر التغييرات الها امة التي لحق ت بالمجتمع متحدياً و يعكس تغير مفاهيم سادت لسنوات

كما سيكون أفضل لو أن وزير ثقافة هؤلاء الأشخاص البعيدين عن الناس دعم رسائل تقبل الآخر ووجوده أكثر، بدلاً من حذفها وإيقافها. رمضان كريم!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق