سياسة

نيويورك تايمز: ما كان ينقص الانقلابيين في تركيا

 

نيويورك تايمز: ما كان ينقص الانقلابين في تركيا

17INT-TURKEY-web1-master768

نيويورك تايمز- ماكس فيشر- أماندا توب

ترجمة: محمد الصباغ

لو اعتبرنا أن محاولة الانقلاب في تركيا مفاجأة، فهناك سبب وجيه لذلك: حيث جاءت الأحداث متناقضة مع أبحاث أجريت على مدار عقود حول كيفية وموعد وأسباب حدوث الانقلابات.

بدت أحداث مساء الجمعة في تركيا مبتعدة عن كل الأنماط المعتادة. ويقول خبراء السياسة الذين درسوا الانقلابات في تركيا إن الدولة من المفترض أنها تواجه احتمالات قليلة لحدوث هذا الأمر.

أكد وزير الخارجية جون كيري على دعم الولايات المتحدة لحكومة تركيا، وعبر عن الحيرة الكبيرة التي تنتاب عددا من المتابعين. وقال “الأمر فاجأ الجميع، في كل العالم. يجب القول إن ما حدث لم يكن مخططا له أو منفذا بذكاء.”

الفارق بين العصيان المسلح في تركيا وأي انقلاب عسكري آخر يمكن أن يساعد في تفسير سبب فشل المحاولة. لكنه أيضا يضع خطوطا عريضة أسفل العديد من الأسئلة التي بقيت بلا إجابة.

لا يقود الانقلابات الأفراد المخططون، لكن هناك أيضا عوامل أساسية أخرى. وبتتبع الخبراء السياسيين لعوامل مثل الظروف الاقتصادية والحريات السياسية والصحة العامة، حددوا بعض الشروط الأقرب بالظروف التنبؤية.

طور، جاي ألفيلدر، الذي يعمل في مجال التوقعات السياسية، نموذجا حسابيا يدرس هذه البيانات للتنبؤ بالمستوى الذي وصلت إليه دولة ما من المخاطر.

وفي بحث له قال، ألفيلدر، إن تركيا كانت دولة غير مرشحة لحدوث انقلاب بها. فوصلت نسبة احتمالية حدوث انقلاب عسكري بها إلى 2.5%، وفقا لبيانات عام 2016. جاء مركزها رقم 56 بين 160 دولة، من لاوس إلى إيران، وكانت مصنفة بين دول تعتبر مستقرة. وفي الدول التي تواجه مخاطر بحدوث انقلاب ترتفع نسبة وفيات المواليد، وهناك معدلات مشابهة في الفقر، واقتصادات بأداء فقير. أما اقتصاد تركيا فكان في نمو، وتراجعت نسبة وفيات الأطفال بنسبة كبيرة.

كما أشار، ألفيلدر، إلى أن الدول التي تواجه احتمالات قليلة بحدوث انقلاب، حينما يحيط بها صرعات مسلحة في الدول المجاورة.

على الرغم من امتلاك تركيا لتاريخ من الانقلابات فإن الدولة تغيرت منذ آخر انقلاب عام 1997، وشدد “ألفيلدر” على أن ما فكر فيه هو مرور حوالي 20 عاما دون انقلاب آخر.

من الأسباب الرئيسية الأخرى لحدوث انقلاب هو ما يشير إليه الخبراء بـ “تشرذم النخبة”. فلو وجدت الانقسامات لنفسها طريقا بين النخبة القوية، المنتخبين رسميا، كبار رجال الأعمال، الجنرالات، القضاة وما إلى ذلك، فإن صراعهم على الموارد والسلطة يمكن أن ينتهي بانقلاب.

وإلى الآن لم يظهر هذا في تركيا. فالنمو الاقتصادي للدولة يعطي النخبة سببا في الاستمرار في هذا النهج. وفي حين أن مؤسسات الدولة غير مثالية ومعدلات الفساد يمكنها أن تكون أفضل مما هي عليه-هذه العوامل التي يمكنها أن تقود النخبة إلى التنافس حول الموارد- لكنها ليست بالسوء الذي يمكن أن يتسبب في أزمة.

كما أن تركيا لا تمتلك الاستقطاب المجتمعي الذي يغضب النخبة ويجعلهم يدفعون نحو انقلاب عسكري. فبينما رئيس الدولة رجب طيب إردوغان يمكن أن يكون شخصية استقطابية في سياسته الانتخابية، لا نرى هذه الانقسامات العميقة والتي قد تكون مقدمة لحدوث انقلاب.

لا يبدو كانقلاب

يشير الباحث إلى أن الانقلاب الناجح مثل صناعة الكعك: هناك وصفة، ولو تخطيت أيا من الخطوات أو تجاهلت أحدا المكونات، ستفشل بكل تأكيد.

لم يتبع المخططون لانقلاب تركيا هذه الوصفة.

وقال الأستاذ بالكلية الجوية الأمريكية، ناونيهال سينج، إن الانقلابات الناجحة تبدو وأنها تبدأ مثل “ألعاب التعاون”، وذلك في كتابه “الاستيلاء على السلطة” الذي يفسر أسباب نجاح وفشل الانقلابات.

وفقا لنظريته، تنجح الانقلابات عندما يقنع القادة الضباط بأن نجاحهم مضمون. مما يجعل من فعل الانضمام مصلحة شخصية.

عادة ما يُتم المخططون ذلك بعدة خطوات متوقعة. استعراض كبير للقوة يعبر عن أن حجم القوة العسكرية التي تقف خلف الانقلاب. ثم بيان شعبي يلقيه واحد أو أكثر من كبار المسؤولين الرسميين يظهر دعم النخبة. وعادة ما يفرض المنفذون سيطرة قوية على وسائل الإعلام وتدفق المعلومات العامة، ويسحقون أي وسائل إعلامية قد تقوض مشهد النجاح الكبير والذي لا يمكن تحديه.

الانقلابات الناجحة في دول كتركيا، حيث تمتلك جيوشا قوية ومؤسسات سياسة، يتبع نموذج “الانقلاب المؤسسي”، وفقا لبراين كالاس، المحاضر بكلية الدراسات الاقتصادية بلندن.

في الانقلاب المؤسسي، يكون الجيش موحدا خلف الانقلاب ويستخدم كامل قوته لإحكام السيطرة على الحكومة، كما فعل قادة الجيش في تركيا عام 1980. في هذا السيناريو، لعبة التنسيق تكون بسيطة. كل التنسيق يكون بواسطة النخبة في الجيش ويكون قبل بداية الانقلاب، وبقية النخبة لا يكون أمامهم خيار سوى التوافق مع الأمر الواقع.

وقال كالاس إنه حينما تكون المحاولة من قطاع من الضباط، تتطلب لعبة الثقة أن يتم احتجاز كبار القادة سريعا وإقناع أو إجبار أحدهم على إعلان انتصار الانقلاب، مما يخلق مظهرا يوحي بالنجاح قبل أن يكتشف أحد ما حدث.

في هذه المرة، حاول الضباط المنشقون في تركيا القيام فقط ببعض من هذه الخطوات، ولم ينجحوا في أي منها.

نشر المتمردون دبابات وقوات جوية في استعراض للقوة في إسطنبول وأنقرة، لكن ذلك لم يكن كافيا لترهيب بقية عناصر الجيش، والذين تغلبوا عليهم بعد ذلك. والملاحظة الكبرى هي أنه لم يكن هناك أي وجه مألوف يعبر عن الانقلاب لإظهار دعم النخبة، كما لم تكن هناك خطة واضحة.

حاول الانقلابيون أيضا السيطرة على الاتصال مع العامة، وفشلوا. فكان الرئيس إردوغان قادرا على استخدام تطبيق “فيس تايم” والاتصال بمحطة فضائية، وهو سيناريو غريب قد يعبر عن موقف ضعيف، لكنه سمح له بمطالبة العامة بالتدفق إلى الشوارع ومعارضة الانقلاب.

ظلت خدمات الإنترنت والهواتف جارية. مما سمح للحكومة بالاتصال بوسائل التواصل الاجتماعي والمساعدة في انتشار المظاهرات المؤيدة، وإفشال مشهد أن الانقلاب صار أمرا حتميا.

 

أسئلة بلا إجابات

هذه المظاهرات بجانب عدم وجود حشود مرئية مؤيدة للانقلاب، ربما كانت مفتاحا لإفشال المؤامرة. فالانقلابات الناجحة عادة ستستخدم أو تنسق مع حركات متواجدة من قبل من أجل إظهار وجود دعم شعبي.

عل سبيل المثال، عمل قادة الانقلاب في عام 1997 مع منظمات المجتمع المدني المعارضة للحكومة. واستولى الجيش على السلطة في مصر عام 2013، وسط مظاهرات حاشدة ضد الحكومة.

ظهر قادة هذا الانقلاب مفتقدين لأي حليف. لم تصدر أي منظمة مجتمع مدني أو حزب سياسي بيانات دعم، ولم تتخذ أي شخصية نخبوية فعلا لصالحه.

يبقى الدافع وراء هذه المحاولة غير واضح، ومن قادها، ولماذا اعتقدوا بأن لديهم فرصة في النجاح مما جعلهم يخاطرون بحياتهم.

لو اعتبرنا أن التاريخ مرشدا، فالتفسير الواضح لما حدث هو ببساطة سوء التخطيط وسخافته.

مقالات ذات صلة

إغلاق