ترجماتسياسة

“نيويورك تايمز”: كوريا الشمالية والخوف من نموذج نزع السلاح الليبي

هل كان العقيد الليبي سيتخلى عن برنامجه النووي إذا علم ماذا سيحدث؟

تحت عنوان “ليبيا كنموذج لنزع السلاح؟ كوريا الشمالية قد ترى ذلك بشكل مختلف” نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية تحليلا لتصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، الذي اعتبر فيه أن تخلي ليبيا عن طموحاتها النووية يجب أن يستخدم كنموذج لنزع الأسلحة النووية لكوريا الشمالية.

التحليل، الذي أعده بيتر باركر، أوضح أن كوريا الشمالية قد تتعلم درسا مختلفا مما حدث في ليبيا، يدفعها في النهاية إلى اتخاذ موقف معاكس والتمسك ببرنامجها النووي خوفا من أن تلقى نفس مصير ليبيا التي قُتل زعيمها معمر القذافي على يد المعارضة المدعومة من واشنطن بعد سنوات قليلة من تخليه عن برنامج تطوير الأسلحة النووية.

وإلى نص التحليل:

حينما ينظر جون بولتون إلى كوريا الشمالية يرى ليبيا، هو اعترف أن هذه ليست مقارنة مثالية، لكن إذا كان هناك نموذج لكيفية تخلص دولة ديكتاتورية معادية من برنامجها النووي، فبولتون يشير إلى نزع سلاح ليبيا قبل 15 عاما.

من السهل إدراك لماذا ترى الولايات المتحدة هذا كنجاح، إذ تراجع الديكتاتور القاسي الذي لديه تاريخ في دعم الإرهاب عن جهوده لبناء سلاح كارثي، لكن ذلك المستبد، معمر القذافي، لم يكن ليرى مثل هذا الاتفاق جيدا اليوم، لا أحد سيعرف بالتأكيد لأنه مات، ولهذا فإن كوريا الشمالية ربما لا تجد هذا الاتفاق نموذجا يدعو للتفاؤل.

وجهات النظر المتباينة بخصوص ليبيا ربما تكون مفيدة في فهم كيف يقترب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبولتون، مستشار الأمن القومي الجديد، من المحادثات المقبلة مع زعيم كوريا الشمالية كيم يونج أون، كما يؤكد هذا الانقسام التحديات التي يواجهها ترامب وبولتون: ففي الوقت الذي يحاولا فيه تكرار إنجاز القضاء على برنامج ليبيا النووي، كما يقول المحللون، فإنهما قد يواجهان انعدام الثقة بسبب التحول غير المتوقع في الأحداث التي أدت إلى نهاية العقيد القذافي.

بولتون، الذي خدم في إدارة جورج دبليو بوش، يرى ليبيا من خلال خبرة ما حدث في 2003 و2004 حينما وافق العقيد القذافي على نقل معداته النووية إلى منشأة في ولاية تينيسي، وربما يتذكر كيم ما حدث بعد ذلك، حينما شن باراك أوباما والحلفاء الأوروبيون عملا عسكريا ضد ليبيا 2011 لمنع ارتكاب مجزرة بحق المدنيين، في عملية مكنت المعارضة ليس فقط من الإطاحة بالقذافي بل أيضا من تعقبه وقتله.

هل كان العقيد الليبي سيتخلى عن برنامجه النووي إذا علم ماذا سيحدث؟ هل كانت الولايات المتحدة ستستخدم القوة ضد دولة مسلحة بالنووي؟ من غير المحتمل.

هنا تكمن المشكلة مع كوريا الشمالية، فكيم ووالده قاما ببناء ترسانة نووية بهدف تحقيق غرض أساسي وهو ضمان تأمين دولتهما ضد أي نوع من التدخل الذي حدث في ليبيا، ولهذا أصرت كوريا الشمالية على تعهد الولايات المتحدة بعدم الغزو كجزء من أي اتفاق.

“سمعت مباشرة من الصينيين أن النموذج الليبي لم يبعث على الثقة في بيونج يانج” هذا ما قاله أنطوني بلينكين، نائب وزير الخارجية في عهد أوباما، مضيفا: “سأكون قلقا للغاية لأن الجمع بين ليبيا ثم تمزيق ترامب للاتفاق النووي الإيراني يبعث برسالة خاطئة تماما إلى كيم يونج أون ويقوض أي آمال موجودة للمفاوضات”.

وأثار بولتون نموذج ليبيا في مقابلات نهاية الأسبوع في برنامج “فيس ذا نيشن” على شبكة “سي بي إس” و “فوكس نيوز صنداي”، وهو أول ظهور تليفزيوني له منذ أن أصبح مستشارا للأمن القومي في أوائل هذا الشهر.

“نحن نضع في اعتبارنا كثيرا النموذج الليبي من عام 2003 و2004” هذا ما قاله بولتون على “فوكس”، متابعا: “هناك اختلافات واضحة، فالبرنامج الليبي كان أصغر، لكن هذا في الأساس كان الاتفاق الذي قمنا به”.

المقارنة الأكثر أهمية، بحسب بولتون، ستكون اختبار كوريا الشمالية لمعرفة ما إذا كانت قد قدمت بالفعل عزما غير مشروط للتخلي عن أسلحتها النووية، وقال بولتون لـ”سي بي إس”: “سيكون ذلك دليلا على القرار الاستراتيجي بالتخلي عن الأسلحة النووية. لا يجب أن تكون مثل ليبيا تماما، لكن يجب أن يكون شيئًا ملموسًا ومادية. ربما يكون لدى كيم يونج أون بعض الأفكار ويجب أن نسمع له”.

في تاريخ العصر الذري، لم تتخل سوى أربع دول طواعية عن السلاح النووي، فأنهت جنوب إفريقيا برنامجها النووي السري في عام 1989، ودمرت نصف دزينة من القنابل، كما تخلت أوكرانيا وبيلاروس وكازاخستان عن الأسلحة النووية التي كانت تتمركز في أراضيها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 وأصبحت دولاً مستقلة.

لكن أوكرانيا وجدت سببا للتشكيك، وتضمنت مذكرة بودابست التي ألغت نزع السلاح النووي في عام 1994 وعودًا من الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا باحترام سيادة البلاد وحدودها، ولكن في عام 2014، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم ودعمت الانفصاليين الروس في شرق أوكرانيا، وبالنظر إلى ذلك قال أحد أعضاء البرلمان الأوكراني في ذلك الوقت إن “هناك الآن شعورًا قويًا في أوكرانيا بأننا ارتكبنا خطأ فادحا” بالتخلي عن الأسلحة.

بينما سعى آخرون مثل البرازيل وتايوان للحصول على أسلحة نووية لكنهما تخلتا عن الجهود المبذولة لصنع القنابل، ولم يكن من المعروف أن إيران تمتلك أسلحة، لكن كان لديها برنامج نووي يبدو أنه كان يهدف إلى تطوير الأسلحة عندما وقعت اتفاقا مع إدارة أوباما في عام 2015 للتخلي عن برنامجها، وهو نفس الاتفاق الذي أثاره ترامب وهدد بتمزيقه بحلول 12 مايو.

وبالمثل، لم يكن لدى ليبيا أسلحة نووية، لكن لديها برنامج لتطويرها عندما غيرت مسارها في عام 2003. بدأ العقيد القذافي مفاوضات سرية مع إدارة بوش والبريطانيين لتفكيك برنامجه مقابل تخفيف العقوبات الدولية.

وعكس القرار سنوات من الجهد لإنهاء عزلة البلاد، لكن الاتفاق الأساسي جاء بعد أيام فقط من العثور على الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين في حفرة عنكبوتية في العراق بعد غزو أمريكي كان مبررا بجهد للتخلص من نظام أسلحة الدمار الشامل الخطيرة، وأشار العقيد القذافي إلى أنه لا ينوي ملاقاة المصير نفسه.

وقال روبرت جوزيف، مساعد الأمن القومي الذي توسط في الصفقة لصالح بوش بدعم من بولتون، يوم الأحد الماضي، إن زميله السابق كان على حق في النظر إلى ليبيا.

وأضاف جوزيف: “انظر، ليبيا ليست كوريا الشمالية، فالبرنامج الليبي أكثر تقدمًا مما كنا نعتقد، ولكنه أقل تقدمًا بكثيرًا من كوريا الشمالية اليوم. لا شك أن ليبيا لا تمثل نوع التهديد العسكري الذي تفعله كوريا الشمالية، فالموقفان مختلفان”.

“لكنك لم تقل إننا سنفعل كل شيء فعلناه مع ليبيا” هذا ما قاله جوزيف، متابعا: “ما تفعله هو استخلاص الدروس من هذه التجربة. إذا لم تفعل ذلك، فسننتهي إلى المكان الذي انتهينا منه مرات عدة على مدار آخر 25 عامًا، وهو الفشل”.

من بين الدروس الليبية التي تنطبق على كوريا الشمالية، حسبما قال جوزيف مكررا تعليق بولتون، الحاجة إلى قرار حقيقي من كيم بالتخلي تماما عن برنامجه، وليس مجرد التقييد، والآخر هو استخدام جميع الأدوات المتاحة، بما في ذلك الاستخبارات، والنفوذ الاقتصادي، والدبلوماسية والتهديد باستخدام القوة، وأيضا الإصرار على الوصول الكامل “في أي مكان وفي أي وقت” للمفتشين لجميع المواقع النووية المحتملة.

لكن هناك مختصصين آخرين يرون أن الموقفين مختلفين كثيرا إلى الحد الذي يجعل المقارنة ليست مجدية، وقال روبرت جيه. إينهورن، مستشار خاص لمنع الانتشار النووي والحد من التسلح في وزارة الخارجية الأمريكية إبان عهد أوباما، وهو الآن باحث في معهد بروكينجز: “لم يكن لدى ليبيا برنامج أسلحة نووية تقريبا”. “كان بها صناديق تحتوي على أجزاء من أجهزة الطرد المركزي لم تكن تعرف ماذا تفعل بها، ويمكن أن تهبط طائرات النقل الأمريكية وتحمل البرنامج بالكامل”.

لكن على العكس، وفقًا لإينهورن، فإن “كوريا الشمالية لديها أسلحة نووية، لا نعرف عددها، لديها مرافق الإنتاج النووي. لا نعرف أين هم جميعًا. إن التحقق مما لديهم وتفكيكه سيستغرق سنوات”.

لم تكن نهاية العقيد القذافي العنيفة مرتبطة مباشرة باتفاق 2003، فبعد حوالي 8 سنوات من اتفاقه مع بوش، واجه الديكتاتور الليبي انتفاضة شعبية كجزء من الربيع العربي 2011، وتعهد بسحق خصومه، بمن فيهم المدنيون، مما دفع أوباما والحلفاء الأوروبيين للتدخل لمنعه.

ونفت إدارة أوباما في ذلك الوقت أي صلة بين التدخل ونزع السلاح النووي السابق، لكن جوزيف قال إنه كان على أوباما أن يفكر أكثر في العواقب، وقال: “لقد اتخذوا القرار بالتدخل دون خطة لليوم التالي أو أي شعور بما يمكن أن تبعثه رسالة عدم الانتشار النووي”.

وأجرت كوريا الشمالية هذه العلاقة سابقا، ففي عام 2011 نشرت وكالة الأنباء الرسمية لكوريا الشمالية تعليقات من قبل مسؤول في وزارة الخارجية وصفت الصفقة النووية السابقة مع ليبيا بأنها “تكتيك غزو لنزع سلاح البلاد” ، وهو في الواقع عبارة عن خُدعة. وقال مسؤول الوزارة إن “الأزمة الليبية تعلم المجتمع الدولي درسا خطيرا”.

كل جانب يرى دروسه المختلفة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق