سياسة

نيويورك تايمز: دور الأمريكيين في صعود خليفة المسلمين

bakr

يكشف تحقيق نيويورك تايمز تأثير الإجراءات والتحركات الأمريكية في صعود “خليفة المسلمين” أبوبكر البغدادي

تيم أرانجو وإريك شميت – نيويورك تايمز

إعداد وترجمة – محمود مصطفى

عندما اجتاحت القوات الأمريكية منزلاً بالقرب من الفلوجة خلال الهجوم العنيف   على التمرد السني في 2004 ، عثرت القوات على المسلحين المتشددين الذين كانوا يبحثون عنهم، كما اصطحبوا ما بدا وقتها متطفلاً،: رجل عراقي في أوائل الثلاثينات لا يعرفون عنه شيئاً.

الأمريكيون أدرجوا اسمه كما هو متعارف عليه ، عند ادخاله هو والآخرين إلى مركز احتجاز سجن بوكا، الاسم: إبراهيم عوض إبراهيم البدري.

هذه الشخصية التي كانت يوماً هامشية، يعرفها العالم  الآن  باسم أبو بكر البغدادي، الرجل الذي نصب نفسه خليفة للدولة الإسلامية في العراق والشام ، والرجل الذي يخطط لحملة الدولة العنيفة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.

“كان “بلطجي شارع” عندما التقطناه في 2004″ يقول مسئول في البنتاجون تحدث شرط عدم ذكر اسمه ويضيف “لم تكن  لدينا بلورة سحرية لتخبرنا بأنه سيصبح زعيماً لداعش.”

في كل خطوة ساهم التدخل الأمريكي في العراق في صعود البغدادي، حيث أن معظم التغيرات السياسية التي غذت معاركه أو أدت إلى علو سهمه نتجت مباشرة عن تحركات أمريكية.

والآن تسبب البغدادي في فصل جديد من هذا التدخل، فنجاحات داعش العسكرية ومجازرها الوحشية بحق الأقليات خلال توغلها دفعت الرئيس الأمريكي أوباما للأمر بتوجيه ضربات بالطيران في العراق.

بالرغم من كل هذا فإن البغدادي عندما التحق بالقاعدة في السنوات الاولى للاحتلال الأمريكي لم يكن مقاتلاً بل كان رجل دين. أما الآن  فقد أعلن نفسه خليفة على العالم الإسلامي ويحرك حملة عنيفة لإقتلاع الأقليات الدينية مثل الشيعة والأيزيديين وهو ما جلب إدانة حتى من قادة القاعدة.

الأيزيديون في العراق

وبالرغم من سعيه للتحول إلى شخصية دولية فإن البغدادي، وهو الآن في أوائل الأربعينات، يظل شخصاً غامضاً أكثر من أي شخصية جهادية بارزة سبقته.

لدى المسئولين الأمريكيين والعراقيين   فرق من محللي  المخابرات لتعقب البغدادي ، لكنهم لاقوا نجاحاً ضئيلاً في تجميع قطع  البازل التي تشكل قصة حياة البغدادي. بل إن ظهور البغدادي مؤخراً في مسجد في الموصل ليلقي خطبة، في مقطع فيديو تم نشره على الإنترنت، كان المرة الأولى التي يراه فيها كثير من أتباعه.

يقال إن البغدادي يحمل شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من جامعة في بغداد وكان داعية في مسجد ببلدته سامراء،  كما يحمل نسباً مميزاً حيث يدعي أن نسبه  يعود إلى قبيلة قريش التي ينتمي إليها النبي محمد.

البنتاجون يقول إن البغدادي بعد القبض عليه في الفلوجة في أوائل 2004 ، أطلق سراحه في ديسمبر من نفس العام مع مجموعة كبيرة من السجناء الآخرين الذين اعتبروا  أقل خطراً، لكن هشام الهاشمي، الباحث العراقي الذي درس حياة البغدادي متعاوناً مع المخابرات العراقية في بعض الاوقات، قال إن البغدادي قضى خمس سنوات في معتقل أمريكي حيث أصبح، مثل الكثيرين من مقاتلي داعش، أكثر تشدداً.

الهاشمي قال إن البغدادي نشأ في عائلة فقيرة تعيش في قرية بالقرب من سامراء وإن عائلته كانت صوفية وقدم البغدادي إلى العاصمة العراقية بغداد في أوائل التسعينات وبمرور الوقت أصبح أكثر تشدداً.

في بدايات تمرده انجذب البغدادي إلى مجموعة جهادية جديدة يقودها مسلح أردني لامع يدعى أبو مصعب الزرقاوي. جماعة الزرقاوي كانت تسمى “القاعدة في العراق” وهي جماعة زعمت ولاءاً للقيادة الدولية للقاعدة.

لم تُعرف درجة الأهمية التي تمتع بها البغدادي تحت إمرة الزرقاوي،  بروس ريدل الضابط السابق بالمخابرات المركزية الأمريكية والباحث الحالي بمؤسسة بروكينجز كتب مؤخراً يقول إن البغدادي أمضى سنوات عديدة في أفغانستان يعمل بجانب الزرقاوي ، لكن بعض المسئولين يقولون إن الأوساط الاستخباراتية الامريكية لا تعتقد بأن البغدادي وضع قدماً خارج مناطق الصراع في العراق وسوريا ، وأنه لم يكن مقرباً بشكل خاص من الزرقاوي.

العملية الأمريكية التي قتل فيها الزرقاوي في 2006 كانت ضربة قوية لقيادة المنظمة لكن مرت سنوات حتى حظي البغدادي بفرصته. وبينما كان الأمريكيون ينهون حربهم في العراق ركزوا على محاولة التخلص من المتبقين من قيادة تنظيم “القاعدة في العراق” ، وفي ابريل 2010 وجهت عملية مشتركة بين القوات العراقية والأمريكية أكبر ضربة للمجموعة خلال سنوات بقتل الشخصيتين الأهم فيها، بالقرب من تكريت.

بعد شهر أصدر التنظيم بياناً أعلن فيه عن القيادة الجديدة وجاء البغدادي على رأس القائمة، وقتها تدافعت الأوساط الاستخباراتية الغربية بحثاً عن المعلومات.

في يونيو 2010 نشرت “ستراتفور” وهي شركة استخبارات خاصة عملت مع الحكومة الأمريكية في العراق تقريراً أشارت فيه إلى “دولة العراق الإسلامية” والذي كان وقتها اسماً بديلاً لـ”القاعدة في العراق” قائلة: “نوايا دولة العراق الإسلامية لإقامة خلافة إسلامية في العراق لم تختف.”

لطالما جمعت القبائل السنية في شرق سوريا وفي محافظات النجف والأنبار في العراق روابط أقوى من الحدود القومية، وداعش بنيت على هذه الروابط. وبالتالي مع تضاؤل حظوظ التنظيم في العراق وجدت داعش فرصة جديدة في الصراع ضد حكومة بشار الأسد في سوريا.

المجموعات الثورية السورية الأكثر اعتدالاً ضربوا بشدة من قبل قوات الأمن السورية وحلفاؤها وازدادت سيطرة داعش على المعركة معتمدة في ذلك جزئياً على قوة التسليح والتمويل من عملياتها في العراق ومن الداعمين الجهاديين في العالم العربي.

هذه الحقيقة جعلت السياسيين والمشرعين الأمريكيين، ومن بينهم وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، يتهمون الرئيس أوباما بالمساعدة في صعود داعش بطريقتين: أولاهما، بسحب القوات الأمريكية بالكامل من العراق في 2011 ثم بالتردد في تسليح مجموعات المعارضة السورية الأكثر اعتدالاً في وقت مبكر من الصراع.

لكن قبل ذلك بكثير، كانت التصرفات الأمريكية حيوية في صعود البغدادي بصور أكثر مباشرة، فالاحتلال الأمريكي للعراق قدم للبغدادي وحلفاؤه عدواً جاهزاً وانصاراً جاهزين كذلك وعزل الأمريكيين لصدام حسين، الذي حجمت ديكتاتوريته المتوحشة الحركات الإسلامية المتطرفة، أعطى الحرية لازدهار آراء البغدادي المتشددة.

على النقيض من الزرقاوي الذي لجأ إلى الخارج بحثاً عن قيادات، أحاط البغدادي نفسه بزمرة من ضباط الجيش والمخابرات البعثيين السابقين الذين انتموا لنظام صدام والذين على دراية بدروب القتال.

يعتقد المحللون وضباط المخابرات العراقية أن البغدادي بعد أن تولى قيادة التنظيم عين أحد ضباط عصر صدام يعرف باسم حجي بكر قائداً عسكرياً ليشرف على العمليات كمان عين مجلساً عسكرياً يضم ثلاثة آخرين من الضباط السابقين بقوات أمن النظام السابق.

يُعتقد بأن حجي بكر قُتل العام الماضي في سوريا، ويعتقد المحللون أن اثنين على الأقل من الثلاثة الآخرين في المجلس العسكري كانوا محتجزين في أوقات مختلفة من قبل الأمريكيين في سجن بوكا.

ربما كانت سوريا منفى مؤقت وأرضاً لإثبات الذات للبغدادي ، لكن  العراق  كان حصنه ومصدر تمويله الأهم. وبالرغم من أن سيطرة الدولة على الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، بدا مفاجئاً للحكومة العراقية وللأوساط الاستخباراتية الأمريكية إلا أن عمليات البغدادي الشبيهة بعمليات المافيا في تلك المدينة كانت دوماً أمراً حيوياً في استراتيجيته لتأسيس الخلافة الإسلامية.

الدولة تربح شهرياً ما يقدر بـ12 مليون دولار، وفقاً لمسئولين أمريكيين، من عمليات الابتزاز التي تجريها في الموصل وهو ما يستخدم في تمويل العمليات العسكرية في سوريا. قبل يونيو الماضي كانت داعش تسيطر على أحياء المدينة ليلاً وتجمع الاموال ثم تهرب بالنهار إلى الريف.

مجلس الامن في الأمم المتحدة بصدد اتخاذ تدابير جديدة من شأنها تكبيل قدرات التنظيم المالية، وفقاً لرويترز، عبر التهديد بعقوبات ضد المؤيدين. مثل هذه الخطوات على الأرجح سيكون لها تأثير ضئيل لأن التنظيم لحد الآن يعتمد على التمويل الذاتي عن طريق السيطرة على حقول نفط وفرض الضرائب وجمعها في الأراضي التي يسيطر عليها.

وكلما توغل التنظيم في العراق كلما وجد طرقاً جديدة لإدرار الدخل، فعلى سبيل المثال في قرية الحويجة بالقرب من كركوك طالب التنظيم كل الجنود وضباط الشرطة السابقون بدفع 850 دولار كـ”غرامة توبة.”

وبالرغم من استيلائه على الأراضي بطرق متوحشة إلا أن البغدادي اتخذ أيضاً خطوات عملية لإنشاء الدولة وأظهر حتى جانباً أرق. ففي الموصل أقامت داعش “يوم مرح” للأطفال ووزعت الهدايا والطعام في عيد الفطر وأقامت مسابقات تلاوة القرآن وبدأت خدمة النقل بالأتوبيسات وفتحت المدارس.

ويبدو أن البغدادي يستلهم متناً جهادياً شهيراً لطالماً مثل إلهاماً للقاعدة، كتاب “إدارة التوحش” للسعودي بكر ناجي.

برايان فيشمان الباحث في شئون مكافحة الإرهاب وصف الكتاب بأنه “تشي جيفارا معد للجهاديين” وليام مكانتس المحلل بمؤسسة بروكينجز ترجم الكتاب إلى الإنجليزية ووصفه مرة بـ”العادات السبع الأكثر فاعلية للقادة الجهاديين.”

يقول المسئولون الأمريكيون أن البغدادي يدير تنظيماً أكثر كفاءة من الذي أداره الزرقاوي ويملك سيطرة لا منازع له فيها على التنظيم. وبتفويضه بعض سلطاته لملازميه “ليس عليه أن يوافق على كل تفصيلة” كما قال أحد مسئولي مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة “وهو ما يمنحهم تقديراً ومرونة أكثر.”

مسئول رفيع المستوى بوزارة الدفاع الأمريكية قال في معرض إعجاب على مضض بالبغدادي “لقد أدى مهمة جيدة باستنفار وإدارة تنظيم محطم، لكنه الآن قد يكون يحاول الوصول لأبعد مما يستطيع.”

مقالات ذات صلة

إغلاق