سياسة

نيوزويك: الرومانسية المهددة بين السيسي وترامب

نيوزويك: لماذا قد لا تستمر الرومانسية بين السيسي وترامب؟

article-doc-gb600-4NSXZ53dV5a95357fd402290fea5-486_634x421

نيوزويك-PETER SCHWARTZSTEIN

ترجمة: محمد الصباغ

بدا مجسّم بالحجم الطبيعي  لهيلاري كلينتون  وحيدا،  في الثامن من نوفمبر، بالسفارة الأمريكية في القاهرة خلال الليلة الأخيرة للانتخابات الأمريكية، في حين  تجمع عشرات من الشباب المصري لالتقاط الصور مع دمية لمنافسها، دونالد ترامب.

وعلى الرغم من مناداته بحظر مؤقت لدخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، يمتلك  ترامب شعبية هنا (القاهرة)، على الأقل بين مؤيدي الحكومة، لذلك عندما أعلن فوزه المفاجئ، هلل الكثيرون في العاصمة المصرية لنتيجة الانتخابات الأمريكية.

من بينهم كان الرئيس عبدالفتاح السيسي، أوّل قائد أجنبي هنّأ ترامب. علاقته الوطيدة في مهدها مع ترامب على النقيض من العلاقة بباراك أوباما، الذي ينظر إليه بعدم ثقة منذ تعليق واشنطن للمساعدات العسكرية لوقت قصير بعد وصول السيسي إلى السلطة. تقاربت السلطات المصرية مع روسيا منذ ذلك الحين، وأقاما تدريبات عسكرية مشتركة، وربما مساعدة من فلاديمير بوتين لإنشاء أول مفاعل نووي في البلاد.

يتوقع الكثيرون أن علاقة السيسي بترامب تتوطد ارتكازًا على كراهيتهما المشتركة للإسلام المتطرف، وتفضيلهما سياسات الرجل القوي. لكن العلاقات المصرية الأمريكية طالما اتسمت بالتقلبات الكبيرة، من سنوات التعاون  الطويلة إلى التصدعات السريعة،  ومع عدم خبرة ترامب وعدم تسامح السيسي مع النصائح غير المرغوب فيها أو الانتقادات، يتوقع قليلون أن العلاقة بين القاهرة وواشنطن ستظل ممتازة. ويقول روبرت سبرينجبورج، أستاذ دراسات الحرب في الجامعة الملكية بلندن: “مع احتضان المستبدين، الشعوب تغضب. ومصر بالفعل غير مستقرة، لذلك ردود الأفعال بين بعض المصريين حول تعاون السيسي مع ترامب ستضيف بعض الاستياء”.

بدأت العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية بشكل جدي عقب نهاية الحرب الأهلية الأمريكية، عندما قرر مغامر وجندي أمريكي شاب يدعى تاديوس موت، الحوار مع حاكم مصر آنذاك، الخديو إسماعيل. الحاكم في القاهرة كان يسعى لبناء قوات مسلحة، حتى يكون بإمكانه التصدي لطموحات أوروبا الاستعمارية وطرد العثمانيين، الذين سيطروا على مصر لأكثر من 300 عام. أحس “موت” بأن الفرصة لا تعوض. وفي عام 1869، أقنع إسماعيل باستقدام بعض من كبار المشاركين في الحرب الأهلية وتعيينهم كمستشارين عسكريين. ويقول محمود ثابت، المؤرخ المقيم بالقاهرة وحفيد وزير الحربية إبان حكم إسماعيل: “أراد إسماعيل تطوير الجيش، وتطوير الدولة. وما الأفضل من الاعتماد على قوات غير استعمارية أنهت للتو أحدث الحروب؟”.

أبحرت أول دفعة من الضباط الأمريكيين الذين وصل عددهم في النهاية إلى 50 جنديًا، واختلفت دوافعهم في القدوم كما اختلفت أمزجتهم. كان أغلب المحاربين القدامى غير سعداء بطريقة الإعمار بعد الحرب الأهلية،  فبعد هزيمتهم، وعلى سبيل المثال، تم منع الكثير من الجنوبيين من الخدمة في الجيش الأمريكي. لكن بحماية مصر من  القوى الأوروبية والسيطرة العثمانية، شعر البعض منهم أنهم يستعيدون فخرًا ضائعًا. كما أجبر الشماليون أيضًا على السفر حول العالم بسبب الإحباط الذي عم بعد الحرب، وعانى كثير منهم في التكيف مع الحياة المدنية.

بالنسبة لحاكم مصر، إسماعيل، كل ما كان يهمه هو المعرفة التي يمتلكها الجنود الأمريكيون والمهارات الفنية (في بناء الجسور العائمة وحفر الآبار وتمهيد الطرق.) في البداية، أثبت الأمريكيون قيمة ما يتقاضونه من مرتبات مجزية ومناصب رفيعة. تم تكليف الجنرال الأمريكي، ويليام لورينج، الذي فقد ذراعه في الحرب المكسيكية الأمريكية، بإصلاح الدفاعات المصرية في السواحل الشمالية. قام بعمله بشكل كبير وظلت التحصينات التي بناها خارج الإسكندرية صامدة حتى تعرضت للقصف عدة مرات من قبل البريطانيين.

لكن تكلفة بناء الدولة الذي رغب بها إسماعيل كانت باهظة، ومع دخوله في أزمات مالية، ظهرت الاختلافات الثقافية والاضطرابات. تم طرد الجندي الأمريكي جيمس موريس مورجان من مصر بسبب ما اعتبر في مصر فعل غير مناسب تجاه ابنة الخديو إسماعيل. وجاءت النهاية حينما بدأ الحاكم المصري اعتداءً غير مدروس ضد إثيوبيا، للحصول على موارد والثأر من هزيمة مذلة تعرض لها في سنة سابقة. وألقى المصريون باللوم في ذلك على وليام لورينج الذي كان القائد الثاني، وعلى بقية الجنود الأمريكيين الذين اشتركوا في الأمر.

ومع ذلك استمر جنود الحرب الأهلية الكبار في دورهم البارز في مصر، وبحثوا عن مكان لفنارة رئيسية في مدخل البحر الأحمر، ثم توصلوا إلى أن مدينة أسوان هي أفضل نقطة على نهر النيل لبناء سد المستقبل. لكن مع الغزو البريطاني لمصر عام 1882، تم إزالة كل أشكال التقدم. قلصت بريطانيا الجيش المصري وشتت الضباط المصريين بتعلم مهارات جديدة. ولمدة 70 عامًا آخرين، عاشت الدولة تحت الهيمنة الأجنبية.

وفي فترة الخمسينيات، في بداية الحرب الباردة، تودد الرئيس الأمريكي أيزنهاور إلى رجل مصر القوي جمال عبد الناصر أملًا في التحقق من انتشار الاشتراكية. لكن رفض أمريكا لتمويل بناء السد العالي، مع أشياء أخرى، جعل عبد الناصر يتجه إلى السوفييت. بقي هذا التحالف لعقدين من الزمن، حتى نهاية السبعينيات، عندما وقعت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. وعاد بفضل الاتفاقية الكثير من المدربين بالجيش الأمريكي إلى مصر ومنذ تلك الفترة قدمت الولايات المتحدة إلى مصر مساعدات عسكرية تقارب قيمتها 80 مليار دولار.

لعقود، ظلت علاقة الدولتين قوية بسبب المصالح الإقليمية المشتركة، بداية من السلام في سيناء إلى المرور الحر للنفط عبر قناة السويس، واعتقدت الحكومة الأمريكية أن تجاهل سجل مصر البغيض في حقوق الإنسان كان ذا قيمة أمام تدعيم النظام في أكبر دولة عربية من حيث عدد الشكان. لكن مع عدم استقرار مصير حسني مبارك، الذي حكم لثلاثين عامًا، في بداية أيام الربيع العربي، دعمت إدارة الرئيس أوباما الثوريين وطالبت الديكتاتور المصري المسن بالتنحي. ومنذ 2011، انتقلت مصر من سيطرة عسكرية إلى رئيس إسلامي ثم عادت مرة أخرى إلى مشير سابق، وكل منهم تطلع بحذر إلى الشريك خلف المحيط الأطلنطي.

والآن، يبدو أن ترامب سيعمل مع السيسي “هو رجل رائع”، هكذا قال ترامب عندما التقى بالسيسي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر، لكن يجب أن يتذكر هو ومستشاروه كيف تحولت مصر سريعًا ضد الجنود السابقين. بعد مرور 150 عامًا، تجربة لورينج مؤشر حذر. وكما قال عنها سبرينجبورج: “ذاكرة الشعوب التاريخية قصيرة.”

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق