سياسة

مريم في السودان وأمل في بريطانيا .. ثمن “الردة”

أعادت السلطات السودانية اعتقال “مريم” في مطار السودان بتهمة الردة، أما أمل فهي صومالية تعيش في بريطانيا،  لكنهما تشتركان في دفع ثمن “جريمة” ليست سوى “ترك الإسلام”.

تعتقد عائلتي أنني ينبغي أن أموت .. تقول أمل للتيليجراف
تعتقد عائلتي أنني ينبغي أن أموت .. تقول أمل للتيليجراف

هارييت أليكساندر – تيليجراف

إعداد وترجمة – محمود مصطفى

تؤمن أمل فرح بأنها لو لم تكن تعيش في بريطانيا لكانت قد لقت حتفها، لأن المدير المالية التي تبلغ من العمر 33 عاماً ارتكبت فعلاً شنيعاً لدرجة أن عائلتها تشعر بأنها تستحق الموت.

جريمتها؟ أنها تركت الإسلام، “وفي مجتمعي، هذه جريمة تستحق الإعدام فهم يرون أنك تستحق الموت،” تقول أمل.

أمل المولودة في العاصمة الصومالية مقديشيو وتعيش الآن في بريطانيا لم تروي قصتها من قبل، حيث كانت خائفة بعد أن قيل لها أنه حتى في المملكة المتحدة الأكثر أماناً أن تخفي شخصيتك الحقيقية.

لكن مع خروج قضية مريم إبراهيم للنور، المرأة السودانية التي كانت حاملا في شهرها الثامن حين حكم عليها بالإعدام لرفضها ترك المسيحية، (التي أعيد اعتقالها أثناء مغادرتها من مطار الخرطوم)  شعرت أمل بأن عليها أن تتكلم.

“كان علي أن أفعل شيئا” تقول أمل “أنا محظوظة بعيشي هنا وفي وضع يسمح لي بأن أصرخ بأن هذا خطأ.”

تقول بصوت مرتعش يقاوم الدموع “قرأت فصتها وفكرت: كان من الممكن أن تكون قصتي بسهولة.”

تنتظر مريم الآن مصيرها في زنزانة في الخرطوم رافضة عرضاً من قاضي بترك المسيحية للهرب من العقوبة. كما أنها تواجه 100 جلدة كعقوبة على جريمة الزنا حيث أن المحكمة لا تعترف بزواجها من رجل مسيحي، اسمه دانييل واني، يحمل الجنسية الأمريكية.

قالت مريم للمحكمة إن والدها المسلم تخلى عن الأسرة وهي صغيرة وكطفلة تمت تربيتها على المسيحية.

أطلقت منظمة العفو الدولية عريضة تطالب بإسقاط عقوبة مريم، ووقع على العريضة 640 ألف شخص حتى الآن إلا أن المنظمة الحقوقية ممنوعة من مزاولة نشاطها في السودان منذ عام 2005.

وبالنسبة لأمل فهناك العديد من التقاطعات بين حياتها وحياة مريم، فالمرأتان تحملان طفلهما الثاني وكلاهما ولد في منطقة القرن الإفريقي الكبرى وكلاهما فقدت والدها عندما كانت فتاة صغيرة.

والمفارقة أن والد أمل كان علمانياً للغاية وكان ضابطا ذو رتبة كبيرة في الجيش الصومالي وخدم إبان عهد الديكتاتور العسكري سياد بري، قبل أن يذهب إلى المنفى في إثيوبيا حيث دعا للديمقراطية قبل أن يلقى حتفه في زلزال وكانت فرح وقتها  بعمر الثالثة.

“بعد ذلك وشيئاً فشيئاً أصبحت أمي أكثر تديناً” تقول أمل “كلنا كنا مسلمون بالطبع، لكن كلما كبرت كلما طالبوني بالصلاة وأن أرتدي ملابس محافظة أكثر وأشياء أخرى. لم يكن الأمر أني لم أحب الإسلام، ولكني لم أحب أن يقال لي ماذا أفعل مثل أن أجبر على ارتداء الحجاب .. حلمت بأن امتلك السيطرة على حياتي.”

نقطة التحول جاءت، تقول أمل عندما جهزتها أمها للختان، وهي ممارسة توصف بالبربرية على نطاق واسع، ويعرف الآن بتشويه الاعضاء التناسلية للأنثى.

“كنت خائفة وكانت هي تقول أنها طهارة دينية وطقس أساسي. سألتها إذا ما كان هناك أي شيء يمكن أفعله  لتغير من رأيها فقالت لا. أظن وقتها أدركت أني أكره شعور العجز هذا.”

عندما كانت أمل في الثامنة عشر من العمر، هربت عائلتها من الصومال، أمها التي تزوجت مجدداً وزوج أمها وأربعة من إخوتها غير الأشقاء.

وعندما بدأت في دراسة البيولوجيا الجزيئية في جامعة بريطانية كان هذا هو الوقت الذي انفتح فيه أمامها عالم جديد.

“الأمر كان أشبه بالوحي” تقول أمل “قابلت ملحدين ومسيحيين رابطي الجأش ويهود وهندوس جادلوني في آرائي وجادلتهم في آرائهم. كان إحساساً لا يوصف أن أكون قادرة على طرح الأسئلة ومناقشة الأفكار دون خوف وبدون القلق من الآخرين. لقد كنت أعيش في شرنقة غير مسموح بالسؤال فيها وعلى الجميع أن يفكر بنفس الطريقة.”

“حدث الأمر معي بطريقة طبيعية للغاية، في البداية بدأت باستكشاف إيماني الشخصي بقراءة كل ما أستطيع عن القرآن بترجمات ورؤى تاريخية مختلفة والاستماع لشرائط كاسيت لأئمة سعوديين ومصريين.”

“في البداية ظنت أمي أن هذا شيء رائع وبالفعل رأيت الجانب الجيد في الإسلام؛ الصدق والكرم وعدم رد الإساءة بالمثل، لا أظن أنه دين سيء على الإطلاق.”

لكن أمل شعرت في قرارة نفسها أن هذا الأمر ليس لها، وأن عليها لكي تكون صادقة مع نفسها أن لا تعتبر نفسها مسلمة منذ تلك اللحظة.

وفي النهاية استطاعت بلطف أن تطرق الموضوع مع الأسرة، قائلة أن لديها شكوك حول الإسلام، انفطر قلب أمها.

“كلمات أمي الأولى كانت: لكنك ستدخلين النار! فهم يرون الحياة اختبارا وأن قراري ما هو إلا عقبة في طريق إيماني وعلي أن أتخطاها.”

في البدء حاولوا إقناعها، أبناء العمومة يهاتفونها باستمرار وأحد أعمامها جاءوا به من السعودية “ليجيب على أسئلتها.”

في أعين المجتمع الصومالي في ليستر والذي تمثل أسرتها جزءاً منه، ترك الإسلام تصرف تصل عقوبته إلى الموت.

“الأمر أصبح أكثر تهديداً، وشعرت أمي بالذنب بدرجة عظيمة وكانت أيضاً غاضبة إلى أقصى درجة.”

لم تتحدث أمل إلى أقربائها منذ عام 2005، وتصر على أن المشكلة ليست الإسلام بل المجتمعات غير المتسامحة.

“أذا ألقيت نظرة على العهد القديم سترى أشياء صادمة هناك” تقول أمل “لكن المجتمع اليهودي يدرك أنه أصبح من غير المقبول أن يرجم أحد حتى الموت أو تقلع عيناه أو يستعبد والغالبية العظمى من المسلمين يدركون ذلك أيضاً.”

“فقط المتطرفون في باكستان أو السعودية أو السودان لا يرون الرسالة الإنسانية وراء الكلمات،” تقول أمل.

وتحاول أمل ألا تفكر كثيراً في عائلتها البعيدة عنها، حيث عادت أمها إلى الصومال خوفاً من أن يترك طفل آخر من أطفالها دينه. ولأجل سلامتها الشخصية لن تكشف التليجراف عن معلومات عن المكان الذي تعيش فيه أمل حالياً في بريطانيا.

قصة مريم السودانية دفعت أمل إلى أن تروي قصتها، فقد كان من الممكن أن تكون مكانها

بعض الطوائف من المسيحية ومنهم الرومان الكاثوليك والأرثوذكس الشرقيين والمعمدانيين يعتبرون أن الردة إثم ولكنها تعد جريمة في الإسلام بشكل رئيسي استناداً إلى حديث للرسول محمد: “من بدل دينه فاقتلوه” ولكن العديد من العلماء يشيرون إلى آيات عديدة في القرآن تضمن حرية الإعتقاد.

وتقول نينا شاي مديرة مركز الحرية الدينية في نيويورك إن الارتداد عن الإسلام فعل مجرم في العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، ولكن ليس كلها. فتركيا لا تجرم الردة في حين تسجن إيران والسعودية المتحولين عن ديانتهم، والإعدامات الفعلية بواسطة الحكومات لم يسمع بها حتى الآن.

“في حالة مريم إبراهيم تتبنى حكومة السودان نهج الجماعات الإسلامية المتطرفة مثل بوكو حرام والشباب ودولة الإسلام في العراق والشام،” تقول نينا “كل هذه المجموعات تعاقب المتحولون إلى المسيحية بالموت.”

 

مقالات ذات صلة

إغلاق