سياسة

محمد العريان يكتب: الأرجنتين والانفجار الاقتصادي العظيم

محمد العريان يكتب: الأرجنتين والانفجار الاقتصادي العظيم

الأرجنتين والانفجار الاقتصادي الكبير

28ARGENTINA3-articleLarge
Union workers and members of social and leftist organizations protested the government of President Mauricio Macri in Buenos Aires last week. Nyt.com

 

*محمد العريان

محمد العريان

ترجمة: إبراهيم محمد علي

 

فرانكفورت ــ في الأسبوع الماضي، أطلقت حكومة الرئيس الأرجنتيني المنتخب حديثاً موريسيو ماكري خطة جريئة لتنشيط الاقتصاد الجريح المبتلى بارتفاع التضخم. وفي وقت تغلب عليه ظروف الأزمة الطاحنة، لا ينبغي لنا أن نقلل من أهمية هذه الخطوة ليس فقط بالنسبة للأرجنتين، بل وأيضاً بالنسبة لبلدان أخرى، حيث يراقب الزعماء الأحداث عن كثب بحثاً عن أي دليل أو إشارة حول كيفية التعامل مع مشاكلهم الاقتصادية الخاصة.

بفضل سنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، كان أداء الاقتصاد في الأرجنتين أقل من إمكاناته إلى حد خطير لعقود من الزمن. وقد سعت الحكومات السابقة إلى تجنب الاختيارات السياسية الصعبة وعتمت على قضايا جوهرية بفرض ضوابط غير فعّالة أدت إلى سوء تخصيص الموارد بشكل فاضح وتقويض قدرة الأرجنتين على توليد أرباح النقد الأجنبي اللازمة لتغطية فاتورة الواردات، مما أدى إلى عجز محلي. كما أدى الانخفاض الأخير في أسعار السلع الأساسية إلى تفاقم الموقف، واستنفاد ما تبقى لدى الاقتصاد من دينامية النمو، فضلاً عن تغذية التضخم، وتعميق الفقر، ونشر حالة من انعدام الأمان الاقتصادي وزعزعة الاستقرار المالي.

من الناحية النظرية، يصبح لدى الحكومات في مثل هذه الحالات خمسة خيارات أساسية لاحتواء الأوضاع المتأزمة، في انتظار التأثيرات المترتبة على التدابير الرامية إلى تنشيط النمو ومحركات تشغيل العمالة.

  • إرهاق الاحتياطيات المالية والثروة التي تراكمت عندما كان أداء الاقتصاد أفضل.
  • الاقتراض من البنوك الأجنبية والمحلية.
  • خفض إنفاق القطاع العام بشكل مباشر، وخلق الحوافز لحمل القطاع الخاص على خفض نفقاته.
  • توليد الإيرادات من خلال زيادة الضرائب والرسوم، وكسب المزيد من الخارج.
  • استخدام آليات الأسعار للتعجيل بالتعديلات في مختلف قطاعات الاقتصاد، وأيضاً في التجارة والتفاعلات المالية مع بلدان أخرى.

ومن خلال التصميم الدقيق وترتيب الأولويات، يصبح من الممكن أن تساعد هذه التدابير الخمسة ليس فقط في التعامل مع المشاكل الاقتصادية والمالية المباشرة، بل وأيضاً في تهيئة الظروف لزيادة النمو، وخلق فرص العمل، وجلب الاستقرار المالي في الأمد الأبعد. وبهذه الطريقة، يصبح من الممكن احتواء انتشار المصاعب الاقتصادية بين السكان، وحماية الفئات الأكثر ضعفا، ووضع أجيال المستقبل على أساس أكثر رسوخا.

بيد أن الحكومات، في الممارسة العملية، كثيراً ما تواجه تعقيدات تتسبب في تقويض التنفيذ الفعّال لهذه التدابير. فإذا لم يتوخ صناع السياسات الحذر، فقد يجدوا أنفسهم في مواجهة مشكلتين كل منهما تعزز الأخرى، ومن المحتمل أن تدفعا الاقتصاد إلى الهاوية.

تنشأ المشكلة الأولى عندما تتسبب عوامل بعينها، سواء كانت حقيقية أو مفترضة، في حجب بعض الخيارات عن قائمة التعديلات. فربما استُنفِدَت بعض التدابير بالفعل: فقد لا يتبقى لدى الدولة أي ثروة أو احتياطيات يمكنها استغلالها، وربما يكون هناك عجز في المقرضين الراغبين في الإقراض. ولابد من تنفيذ تدابير أخرى، مثل ضبط الأوضاع المالية، بحذر شديد من أجل تجنب نسف هدف النمو.

وتتمثل المشكلة الثانية في التوقيت، حيث تناضل الحكومات لضمان إحداث التدابير للأثر المرغوب بالتسلسل المناسب. ويتطلب التنفيذ الفعّال فهم الملامح الرئيسية للتفاعلات الاقتصادية والمالية، ليس فقط تأثيرات ردود الفعِل، بل وأيضاً الجوانب السلوكية من استجابات القطاع الخاص. ولابد أن يتم كل هذا بالتنسيق المحكم مع ملاحقة إصلاحات جانب العرض التي تعزز النمو القوي والدائم والشامل.

وهنا يشكل النهج الذي تبنته حكومة ماكري استثناءً تاريخيا. فقد تولى ماكري الرئاسة وسط ضجيج وصخب، فأطلق استراتيجية جريئة ــ ولكنها محفوفة بالمخاطر ــ تضع تحرير الأسعار العدواني وإزالة الضوابط الكمية على رأس الأولويات، وقبل تنفيذ التدابير الخمسة المرتبطة بإدارة الطلب والمساعدات المالية. وبالفعل ألغيت أغلب الضرائب على الصادرات، وأغلب ضوابط العملة، كما خفضت الحكومة الضرائب على الدخل وحررت سعر الصرف، الأمر الذي سمح بانخفاض فوري في قيمة البيزو بلغ نحو 30%.

تاريخيا، لاحقت قِلة من الحكومات هذا النوع من التسلسل، ناهيك عن ملاحقته بمثل هذا القدر من الحماس؛ بل إن أغلب الحكومات ترددت، وخاصة عندما تعلق الأمر بالتحرير الكامل للعملة. فعندما تتخذ الحكومات خطوات مماثلة، فإنها تفعل ذلك عادة بعد ــ أو على الأقل جنباً إلى جنب مع ــ توفير الضخ المالي وبذل الجهود لتقييد الطلب.

والسبب واضح: فمن خلال تكريس الوقت الكافي لتمهيد الساحة للتحرير، تأمل الحكومات أن تنجح في الحد من الارتفاع الأولي لتضخم الأسعار، وبالتالي تجنب دوامة الأجور والأسعار والحد من هروب رأس المال. وتخشى الحكومات أن تتسبب مثل هذه المشاكل إذا نشأت في عرقلة تدابير الإصلاح وتقويض الدعم الشعبي اللازم لمواصلة الجهود.

لكي يتسنى لحكومة ماكري إنعاش الاقتصاد بطريقة دائمة وشاملة في الأرجنتين، فيتعين عليها أن تسارع إلى حشد مساعدات مالية خارجية كبيرة، وتوليد موارد محلية إضافية، وتنفيذ إصلاحات بنيوية أكثر عمقا. وإذا فعلت، فسوف تصبح الاستراتيجية الاقتصادية الجريئة التي تبنتها الأرجنتين نموذجاً تحاكيه بلدان أخرى، سواء الآن أو في المستقبل. أما إذا تعثر هذا النهج ــ سواء بسبب التسلسل غير الصحيح أو ارتفاع مستويات السخط الشعبي ــ فسوف تصبح البلدان الأخرى أكثر تردداً في رفع الضوابط وتحرير عملاتها بشكل كامل. وقد تكون عواقب الارتباك السياسي الناجم عن هذا وخيمة على الجميع.

محمد عبد الله العريان كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز، الشركة الأم لشركة بيمكو، حيث شغل منصب الرئيس التنفيذي والمسؤول الإعلامي المشارك (2007-2014). وهو أيضاً رئيس مجلس الرئيس الأميركي باراك أوباما للتنمية العالمية*.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2015. ينشر بالاتفاق مع موقع زحمة دوت كوم
www.project-syndicate.org

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق