اقتصادترجمات

محمد العريان: السعودية تنوع اقتصادها

محمد العريان: رؤية المملكة العربية السعودية الجريئة والخطرة  للتنويع الاقتصادي

محمد العريان – ترجمة: إبراهيم محمد علي           

لوس أنجلوس ــ استحوذت المملكة العربية السعودية على انتباه العالم بالإعلان عن أجندة طموحة بعنوان رؤية 2030، والتي تهدف إلى إصلاح هيكل اقتصادها. ومن شأن هذه الخطة أن تقلل من الاعتماد المفرط تاريخيا على النفط من خلال تحويل الكيفية التي تولِّد بها المملكة الدخل، فضلا  عن الكيفية التي تنفق بها مواردها الهائلة وتديرها. وتدعم هذه الأجندة خطط عمل مفصلة، وقد اشتمل تنفيذها الأولي بالفعل على تغييرات مؤسسية، أبرزتها الصحف في عناوينها الرئيسية، في دولة معروفة منذ زمن بعيد بالحذر والتدرج.

رغم أن الدافع المباشر لإعادة الهيكلة الاقتصادية كان التأثير المتخلف عن الانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية، فإن الأساس المنطقي لهذه الإصلاحات كان واضحا منذ فترة أطول كثيرا. فلأن مبيعات النفط تولد القسم الأكبر من إيرادات الحكومة، ولأن القطاع العام هو رب العمل المهيمن، كان المسؤولون السعوديون يعربون منذ فترة طويلة عن خشيتهم من أن يتسبب افتقار المملكة إلى التنوع الاقتصادي في تعريض أمنها المالي البعيد الأمد للخطر.

كان انخفاض أسعار النفط بما تجاوز النصف في الأشهر الثمانية عشر الماضية مصحوبا بتغير كبير في الكيفية التي تعمل بها سوق النفط. فمع النمو الذي شهدته المصادر غير التقليدية للطاقة ــ وخاصة “ثورة الزيت الصخري”، والتي دفعت الإنتاج الأميركي إلى الزيادة بما يقرب من الضعف، إلى نحو عشرة ملايين برميل يوميا، في غضون أربع سنوات فقط ــ أصبحت منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) بقيادة المملكة العربية السعودية أقل قدرة الآن على التأثير على أسعار السوق. وبالإضافة إلى هذا، أصبح بعض أعضاء منظمة الأوبك، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية مرة أخرى، أقل رغبة الآن في محاولة تخفيف تقلبات أسعار النفط، بعد أن أدركوا أن “المنتجين المرجِّحين” عُرضة لخطر تكبد خسائر دائمة في حصة السوق.

ولهذا السبب تشكل رؤية 2030 أهمية كبرى. ففي سعيها إلى استعادة قدر أكبر من السيطرة على مصيرها الاقتصادي والمالي، صممت المملكة خطة طموحة لإعادة الهيكلة الاقتصادية، بقيادة نائب ولي العهد الجديد المفعم بالحيوية والنشاط الأمير محمد بن سلمان آل سعود. بعبارة بسيطة، تركز رؤية 2030 على ثلاث مناطق رئيسية، جنبا إلى جنب مع الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر ضعفا بين السكان.

فأولا، تسعى الخطة إلى تعزيز توليد إيرادات غير نفطية، من خلال زيادة الرسوم والتعريفات على الخدمات العامة، وتوسيع القاعدة الضريبية تدريجيا (بما في ذلك من خلال تقديم ضريبة القيمة المضافة)، وجمع المزيد من الدخل من عدد متزايد من زوار المملكة.

وثانيا، تريد السلطات الحد من الإنفاق من خلال خفض إعانات الدعم، وترشيد برنامج الاستثمار العام الهائل الضخامة في البلاد، وتحويل الإنفاق على الأسلحة بعيدا عن المشتريات الأجنبية.

وثالثا، تسعى المملكة إلى تنويع الثروة الوطنية، وزيادة الدخل من الاستثمار الحالي. على سبيل المثال، تقضي الخطة بجمع الأموال عن طريق الاكتتاب العام لجزء صغير (حتى 5%) من التكتل النفطي العملاق أرامكو السعودية، واستثمار العائدات في مجموعة أوسع من الأصول في مختلف أنحاء العالم.

لا تخلو هذه الرؤية الاقتصادية الجريئة من المخاطر. فالتحولات الاقتصادية معقدة وشائكة بطبيعتها، وخاصة عندما تكون بهذا الحجم والنطاق. ويتطلب الأمر عادة تحقيق نجاحات مبكرة لترسيخ عملية إقناع الغالبية العظمى من الدوائر الرئيسية، ولا سيما تلك التي قد تقاوم التغيير في مستهل الأمر بطبيعة الحال (خاصة وإن هذا التغيير يفضي إلى إزالة بعض الاستحقاقات المالية التقليدية في الانتقال من المألوف، وإن كان الحاضر الأقل أمانا، نحو ما يُعَد الآن مستقبلا غير مألوف).

وتشمل خطط العمل التي يقوم عليها تنفيذ رؤية 2030 حتما إحراز التقدم على جبهات متعددة في وقت واحد وبطريقة منسقة بعناية وخاضعة لمراقبة دقيقة. ويستلزم هذا توفير موارد إدارية وتنفيذية نشطة، وهو يأتي في وقت حيث تتعامل المملكة مع انخفاض عائدات النفط والسحب من احتياطياتها الضخمة، ليس هذا فحسب، بل وتسعى بشكل متزايد أيضا إلى التأكيد على دورها الإقليمي، بما في ذلك في سوريا واليمن.

ومن المشجع على هذه الخلفية أن يأتي في أعقاب الإعلان عن رؤية 2030 التنفيذ السريع لبعض الخطوات الأولية الملموسة. ومن المرجح أن يثبت الحفاظ على هذا الزخم بطريقة تديم التواصل الثابت مع أصحاب المصلحة المحليين الرئيسيين أهميته البالغة في تحديد مدى نجاح الخطة. وتجري مراقبة الكيفية التي يمضي بها السعوديون قُدُما في عملية إعادة الهيكلة الاقتصادية المهمة هذه عن كثب من قِبَل البلدان الخمسة الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ــ والعديد من البلدان الأخرى أيضا.

ليس من المستغرب أن تسترعي رؤية 2030 هذا القدر من الاهتمام. إذ أن الخطة تدور حول ما هو أكثر من مجرد إصلاحات اقتصادية أساسية. فإذا نجحت المملكة العربية السعودية في تحويل اقتصادها، بما في ذلك إصلاح المؤسسات وإعادة هيكلة الحوافز الاقتصادية، فسوف تصبح مصدر إلهام لدول أخرى تواجه تحديات مماثلة، في المنطقة وخارجها، لكي تحذو حذوها.

محمد العريان كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز، ورئيس مجلس الرئيس الأميركي باراك أوباما للتنمية العالمية، ومؤلف كتاب “اللعبة الوحيدة في المدينة: البنوك المركزية، وعدم الاستقرار، وتجنب الانهيار التالي”.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت/مبادرات محمد بن راشد العالمية، 2016، ينشر بالاتفاق مع زحمة دوت كوم.  
www.project-syndicate.org

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق