ترجماتثقافة و فن

محمد أبو سالم: قصة موسيقى الآندرجراوند (12): “سعيد” وسط البلد

 

محمد أبو سالم: قصة موسيقى الآندرجراوند (الحلقة الثانية عشر): “سعيد” وسط البلد

said
أدهم السعيد

محمد أبو سالم

مآساة كبيرة أن تكتب عن أصدقائك، سأرتاح وترتاحون منها بعد أن ننتهي من قصة (وسط البلد) فالفرق الأحدث لا أعرف أعضاءها بشكل شخصي، وغد كبير من أصدقائي أرسل يتهمني بعد الحلقة السابقة أنني أحكي قصتي مع فرق الموسيقى المستقلة، وليس قصة الفرق نفسها، حسنًا، أخبرني يا عزيزي ماذا تفعل لو كنت مكاني؟ لا مراجع، لا روابط، لا وثائق، فقط ذاكرتي وحكايات بعض الأصدقاء الذين لم تفرقهم نوائب الدهر، على أية حال أنا شخص لا يستطيع أن يلعب بعكس ما يفكر، لن تفهموا الدعابة السابقة، لها قصة لابد أن أقصها عليكم.

هناك معضلة شهيرة عرفها كل أبناء جيلنا ممن يلعبون لعبة الاستميشن (estimation ) اسمها معضلة البحث عن رابع، فهذه اللعبة لا تصلح إلا بأربعة أشخاص، وإدمانها أسوأ بكثير من إدمان الترامادول، (البولة) وهي مرادف (العشرة) في الطاولة قد تستغرق ساعتين، ولسبب غيبي لا أعلمه كلما هممنا باللعب نجد أنفسنا ثلاثة فنبدأ رحلة البحث عن رابع، لذا كنا نحاول دومًا جذب أصدقاء جدد لدائرة الإدمان كي نوفر (روابع) قدر الإمكان، المشكلة التي كانت تواجهنا أن اللعبة صعبة بالفعل، وتحتاج لوقت لإتقانها ربما يمتد لعام كامل، ووجود شخص لا يجيد اللعب يفسد متعته، ولكن ما باليد حيلة، أحد هؤلاء الروابع الذين أعددناهم لليوم الأسود كان الشاعر خالد أمين، لمدة أسبوعين ولأسباب تتعلق بغياب الكثير من الأصدقاء كنت ألعب يوميًا مع خالد أمين والشاعر وليد عبدالمنعم وأدهم السعيد، بطبيعة الحال خالد كمبتدئ يخسر ويفسد علينا متعة اللعب، وفي ليلة مشهودة ومسطورة في تاريخ مقهى (آفتر إيت) ظل خالد أمين يكسب كل الأدوار، بل ومنفردًا في أغلب الأحيان، وفجأة ألقى بأوراق اللعب وهب واقفًا وصرخ: (أنا فهمت اللعبة دي، أيوة، فهمت، أنا ألعب عكس ما بافكر)، وظل هذا الشعار قرينًا بفشل أحدنا في أي أمر كنصيحة للنجاح، إلعب عكس ما بتفكر.

سببان جعلا لقاءاتي بأدهم السعيد تتواصل عبر السنوات العشرين الماضية بعكس أغلب أعضاء الفرقة، الأول هو اهتمامنا المشترك باللعب، أي نوع من اللعب بالمناسبة، دومينو، طاولة، كوتشينة، وهلم جرا، حتى أن أدهم كان يستغل فترة الراحة القصيرة أثناء عزف الفرقة في أحد الأماكن بوسط البلد ويخرج للمقهى المجاور لنلعب دورًا أو اثنين ونأكل من عند العزيزة (دهب)، الثاني بعد أن هاجرت واستقريت في برلين تزوج أدهم من سيدة ألمانية برلينية فاضلة، فلاحقني إلى هناك في كل أجازات الفرقة التي كثرت بعد الثورة لرفضهم أي حفلة طالما دماء  مصرية تسيل من أي انتماء، وهناك الكثير عن أدهم يجب أن تعرفه لتعرف دوره الكبير في هذه الفرقة الكبيرة.

 

السعيد تخرج من كلية الآداب بجامعة القاهرة قسم تاريخ، وبدأ غناء في حفل في الجامعة سنة 1992، ولم يتوقف من حينها، لم أعرف أدهم في الجامعة رغم أننا نفس الدفعة ولكن في كليتين مختلفتين، وأول تعارف بيني وبينه كان في الهناجر بعد ذلك بأربع سنوات وهو يؤسس فرقة أوتار، ومن وقتها ونحن نلتقي بشكل يومي إلا لظروف السفر، وإذا كنت من جمهور فرقة وسط البلد فمن المؤكد أنك تعلم أن أدهم هو مطربها الرئيسي، فبرغم إمكانات هاني عادل الكبيرة كمطرب إلا أن دوره في الفريق كملحن وموزع أكبر، هذا بخلاف أن إمكانات أدهم مخيفة فعلاً، مساحة صوتية تشبه مساحة المنشدين العظام، ونبرة متفردة لا تخرج من أذنك بسهولة.

 

فكرة وسط البلد نشأت داخل فرقة أوتار التي أسسها أدهم وانضم لها هاني وعمران، وعندما أرادا أن يقدما شيئًا مختلفًا ساعدهما أدهم نفسه في أول ظهور لفرقتهما (الفار الرمادي) في مركز ثقافي يدعى المشربية، بعد ذلك انضم إليهما وكان المرجعية الأولى في الغناء الشرقي للفرقة، هناك بعض الأعمال لم تكن الفرقة لتقدمها لولا وجود صوت أدهم معها مثل (قل للمليحة) أو ما قدموه في فيلم (ابراهيم الأبيض) ، وأدهم هو من أتى بالفرقة بالكامل لوسط البلد بعد أن كانت اجتماعاتهم اليومية بالهناجر، ولهذا قصة طريفة.

صديقنا ورفيق جلساتنا في الهناجر وصاحب الصالون السينمائي الأسبوعي الذي ضمنا في منزله بالعجوزة مهندس الصوت كريم رضوان تعرف بالصدفة على شاعر لم نكن نعرفه، وفشل في إقناعه بترك مقهى (آفترإيت) والمجئ إلينا في الهناجر، فأخذنا جميعًا للمقهى للتعرف عليه والاستماع لشعره، وكان اللقاء الأول مع الشاعر الكبير صبري السيد، نمت صداقة متينة بين أدهم وصبري مع الاعتذار لنبيل فاروق، ومن يومها وهذا مجلسنا، وانتقلنا وراء (عم عبده) مدير المقهى من الأفترإيت لزهرة البستان لمقهى أوديون والذي احتضن بروفات فريق وسط البلد لفترة طويلة حتى تمكنوا من الحصول على مكان.

 

أدهم ككل أعضاء فريق وسط البلد ينتمي للوسط الثقافي أكثر من الوسط الفني، وككل أعضاء الفريق يحمل هم سياسي ومجتمعي كبير، لكن ما يميزه صراحته في طرح هذه الآراء دون أي حسابات، فباقي أعضاء الفريق يفضلون المعارضة السياسية أو طرح المشاكل الاجتماعية في أعمال الفرقة، هو كذلك كاتب قصة قصيرة رفيع المستوى، ولكن لم يسبق لها النشر ولا أظن أنه في مخططاته، معلومة أخرى لا يعرفها الكثيرون عن أدهم، وهي أنه لاعب تنس طاولة محترف، ويجهز للمشاركة في بطولة ألمانيا عن أحد أندية برلين.

 

لم يتبقى الكثير لأحكيه لك سوى ما قد أخسر بسببه أصدقائي، فدعك منه ولا تكن فضوليًا أكثر من اللازم، ولنكمل في الحلقة القادمة الكلام عن إسماعيل وبوب وميزو وأسعد،

 

الحلقة الأولى: البدايات

الحلقة الثانية: طنبورة وجريتلي

الحلقة الثالثة: مرحلة أنجليكا

الحلقة الرابعة: تأثير حميد

الحلقة الخامسة: غنام وربيع وعزيز

الحلقة السادسة: لغة الغريبين

الحلقة السابعة: بيانولا

الحلقة الثامنة: إنه ..عصام عبد الله

الحلقة التاسعة: يتبعهم الغاوون

الحلقة العاشرة: محمد نبيل ورفاقه

الحلقة 11: حواديت وسط البلد

الحلقة 12: سعيد وسط البلد

 

مقالات ذات صلة

إغلاق