ترجمات

محمد أبو سالم: الموسيقى المستقلة (الآندرجراوند) في مصر..القصة الحقيقية

محمد أبو سالم يكتب: فرق الموسيقى المستقلة (الآندرجراوند) في مصر.. القصة الحقيقية ..الحلقة الأولى

محمد أبو سالم

في عام ألف وتسعمائة وتسعين التحقتُ بجامعة القاهرة، كلية التجارة بالتحديد، الحقيقة أنني كـ (شبراوي) أنتمي لجامعة عين شمس، ولكنه كان خطأ من الكونترول لم أحاول تصحيحه، فمنذ طفولتي المبكرة وخواطري كلما مرت كلمة جامعة ترتبط بتلك القبة وتلك الساعة حصرًا، في البداية لم أهتم كثيرًا بالجامعة، فقد كان مقررًا أن أدخل امتحان الثانوية مرة أخرى لألتحق بكلية الهندسة بحسب رغبة أبي، وكان هذا أحد مشاريعي التي أهملتها بعزيمة كبيرة، وربما كان أكبر داعم لي على إهمالها تعرفي على مسرح تجارة كما كنا نسميه، وتلك الحجرة الصغيرة التي تجاوره، حجرة الموسيقى والكورال.

عدة سمات كانت تميز مسرح كلية التجارة يمكنك أن تسحبها على فريق الموسيقى بمنتهى الأريحية، أولاً كان احترافيًا جدًا قياسًا بمسارح الهواة الأخرى، ثانيًا يمكنك اعتباره أكاديمية الظل للفنون المسرحية، فما من منتمي لهذا المسرح لم يقرأ فن الشعر لأرسطو أو إعداد الممثل لستانسلافسكي أوالتراجيديا الإغريقية من أسخيلوس حتى يوريبيدس، ثالثًا لديه تقاليد صارمة بالذات فيما يخص نقل الخبرات من جيل لآخر، فلم يكن نجومه السابقين كصلاح عبدالله وفتوح أحمد ومحمد سعد يكتفون بزيارته من حين لآخر، بل كانوا حريصين على المشاركة في بعض الأعمال وتدريب الممثلين الجدد،رابعًا  أنه كان جاذبًا للمواهب من خارج كلية التجارة، فشهد بدايات عبلة كامل ومصطفى شعبان وغيرهما، ولكن ما علاقة ذلك بنشأة الموسيقى المستقلة؟ ألم أقل لك أنك تستطيع أن تسحب كل ما سبق على فريق الموسيقى أيضًا، عمومًا الكثير من مؤسسي الفرق المستقلة التقوا لأول مرة في هذه الحجرة، وظهروا لأول مرة على هذا المسرح.

ما هي الموسيقى المستقلة؟

المصطلح ظهر في أمريكا عام ألف وتسعمائة وستين وارتبط نوعا ما بالهيبيز والثورة على الأنماط السائدة، وعرّفه النقاد بأنه منتج خارج المنظومة الإنتاجية والقانونية والتسويقية، كما أنه يقدم محتوى خارج الثقافة الاجتماعية المتعارف عليها، في الحالة المصرية أفضل إخراج الشكل والمحتوى من التعريف، لأننا في حال اعتمادهما يجب أن نضم فرق مثل المصريين والأصدقاء بل وحتى سيد درويش نفسه لتيار الموسيقى المستقلة، في رأيي أن العنصر الأهم لتمييز الموسيقى المستقلة هو استقلالها عن النمط الإنتاجي المتحكم بالسوق والذي تكون له الكلمة العليا بطبيعة الحال فيما يتم تقديمه بحسب معطيات السوق من وجهة نظرهم.

لنرصد بدايات الموسيقى المستقلة في مصر يجب أن نسلط الضوء على مشروعين مهمين للغاية ظهرا في بداية التسعينيات، المشروع الأول هو (حورس) والذي أسسه الوزير الكفء عبدالمنعم عمارة وسطا عليه بعد ذلك جمال مبارك، المشروع الثاني هو الهناجر والذي لا أعرف صاحب فكرته ولكن بدأ أثناء تولي فاروق حسني وزارة الثقافة وبرئاسة د. هدى وصفي، المشروعان يهدفان لدعم الهواة لتقديم أعمالهم لجمهور أوسع، وبذلك يكونا حلقة وسيطة بين عالمي الهواية والاحتراف، وما يهمنا في هذين المشروعين أنهما كانا خارج نمط الإنتاج السائد، أي – بحسب التعريف الذي اعتمدناه – مستقلان، والحقيقة – وهذه شهادة للتاريخ – أنهما ورغم انتمائهما للدولة لم يضيقا أبدًا بكسر التابوه السياسي أو الاجتماعي أو الديني، وسنتطرق لأمثلة عديدة لاحقًا، اتخذ مشروع حورس من استاد القاهرة مقرًا له، وقد تحلل مع الوقت ربما لبعد المسافة أو لأسباب سياسية، لا أعرف، ولكن بعدما أسهم في جمع العديد من الفنانين الشباب ومنحهم المساحة والإمكانية على الأقل للتدريب والتعارف، في حين ازدهر الهناجر الواقع في وسط المدينة تقريبًا، والذي يمتلك مسرحًا فريدًا من نوعه، حيث يمكن رفع ستاره من كلا الجانبين، كذلك لديه جاليري كبير يستخدم أحيانا كقاعة للحفلات أو الندوات، وهناك كان اللقاء الأهم بين أغلب مؤسسي فرق الموسيقى المستقلة، شعراء .. عازفين .. ملحنين .. مطربين، ولكن هذا حديث آخر، غدًا نتحدث عن الظهور الأول

مقالات ذات صلة

إغلاق