ترجماتثقافة و فن

محمد أبوسالم: قصة موسيقى الأندرجراوند (8) إنه..عصام عبدالله

محمد أبوسالم: قصة موسيقى الأندرجراوند (الحلقة الثامنة) إنه..عصام عبد الله

عصام عبد الله
عصام عبد الله

محمد أبو سالم

بداية غير معتادة كعصام عبدالله ذاته، ولكن كان لابد أن تستمعوا إليها قبل أن نبدأ، فعندما يتحدث صلاح جاهين عن جرأة شاعر فيجب أن ننتبه، عندما يقول صلاح جاهين عنه في جلسة أخرى أنه مستقبل الشعر الغنائي في مصر يجب أن ننتبه، حسنًا، أنا لم أنتبه لأنني كنت في المرحلة الابتدائية، وحينما كانوا يذيعون مثل هذه البرامج كنت مشغولاً بلعب الكرة في معسكر قديم هجره الجيش خلف بيتنا في شبرا مع أصدقاء السوء، بالمناسبة مِن هؤلاء الأصدقاء شاعر ارتبط اسمه كثيرًا بفرق الموسيقى المستقلة، لا تحزر، سأخبرك عنه في الحلقة القادمة، هذا ما كان يشغلني وقتها، لكن لماذا لم تنتبه الصحافة التي لم تكتب عن عصام عبدالله غير ثلاث مرات منها خبر وفاته بحسب الكاتب الصحفي إسلام حامد؟!! لماذا لم ينتبه النقاد والإذاعة والتليفزيون وانتظروا جميعًا حتى تظهر شبكات التواصل الاجتماعي بجيلها الذي اقترن بالموسيقى المستقلة؟ هل لأن هذا الجيل هو من أدرك أثرعصام عبدالله على الموسيقى التي أحبها فاحتفى به؟ ربما.

ولد ونشأ عصام عبدالله في الفيوم، وفي محافظة الفيوم فقط تستطيع أن تضع قدمًا في الأرض الزراعية والأخرى في الصحراء، وفي محافظة الفيوم فقط لا تعرف بالضبط هل أنت صعيدي أم فلاح، وأهل الفيوم لهم لهجة موسيقية ممدودة النهايات بعض الشئ، وهناك اختلط عصام عبدالله بالبدو الذين يعيشون على تخوم مدينته وأحب لهجتهم وأتقنها، كان لهذه النشأة أثرًا كبيرًا على تنوع اللهجات التي كتب بها عصام، بين الصعيدي الصرف في (هنحب نحب بجد) ، والفلاحي في (صابر تني آني صابر)، والعربية فقط في (من بعيد) ، والبدوية في (غرقان لشوشتي) ، والبورسعيدية في (أشوف عينيكي) ، بل وأزعم أنه كتب بلهجة اخترعها اختراعًا في (وحدانية) والتي لا أعرف لها مثيلاً، نصيحة مخلصة لوجه الله، اسمعوا هذه الأغنيات إن لم تكونوا قد فعلتم، أضمن لكم وقتًا سعيدًا صدقوني.

بداية عصام عبدالله وهو في الخامسة والعشرين كانت مع فيلم (أنياب) للمخرج محمد شبل عام 1981 ، الفيلم نفسه غريب جدًا على السينما المصرية، فهو يتناول قصة دراكولا في إطار كوميدي غنائي، كتب عصام عبدالله أغنيات الفيلم ولحنها مودي الإمام الذي أصبح بعد ذلك أكثر من عمل مع عصام عبدالله هو وأخوه حسين، وما يهمني هنا أغنية كانت كاشفة لموهبة وقدرة عصام عبدالله الكبيرة اسمها (كل شئ يشبه لبعض) ، هذه الأغنية غناها كل أبطل الفيلم وهم في أماكن مختلفة، أي أنها جزء أساسي من الدراما، علي الحجار، أحمد عدوية، طلعت زين، منى جبر، عهدي صادق، وأخيرًا المخرج الكبير حسن الإمام!! لم تكشف الأغنية عن موهبة كبيرة وقاموس متفرد وكأنه خلق لتوه فقط، بل كشفت أيضًا عن وعي كبير بالدراما وتصاعدها لنقطة الذروة التي تسبق الحل، بداية عظيمة كان يستحقها عصام عبدالله، وهنا انتبه أحدهم لهذه الموهبة الكبيرة، لا، لم يكن المنتجين ولا صناع الدراما، بل كان شركات الإعلانات، وكانت كتابة الإعلانات هي مصدر دخل عصام الأساسي، ولم يتنازل ولا لمرة واحدة ويماشي استسهال المنتجين وتكرارهم لما تأكد نجاحه.

من النجوم من لديه رؤية ثاقبة وقدرة على اشتمام النجاح عبر أميال كعمرو دياب، ومنهم من يشبه عصام عبدالله في الضرب بقواعد السوق عرض الحائط رغبة في صنع عالمهم الخاص الذي يؤمنون به كعلي الحجار ومحمد فؤاد وإيمان البحر درويش ومحمد منيروسيمون وأنغام، وهؤلاء أول من تعامل معهم شاعرنا الكبير، في عام 1981 كتب للحجار أغنية (كان إحساسي صحيح) في أول ظهور له بعالم الكاسيت في واحد من أفضل ألبومات ذلك الوقت وأكثرها تطورًا وهو ألبوم (أعذريني)، وهناك ما يجب أن تعرفه عن هذا الألبوم، فهو من إنتاج علي الحجار نفسه، فالمنتجون كانوا عازفين عن هذه الأشكال، وقصد به الحجار أن يقدم كلمات وموسيقى أكثر تطورًا عن السائدة وقتها، وحافظ علي الحجار على هذا المشروع لسنوات اضطر فيها لإنتاج أربعة ألبومات غنائية بعد ذلك، وبالمناسبة باع هذا الألبوم في سنته الأولى فقط أربعة ملايين نسخة لتعطي درسًا عن انقلاب المزاج العام الذي مهد للآندرجراوند.

في عام 1983 قدم له عمرو دياب أغنية (باحب الحياة) ورغم النجاح الكبير للأغنية إلا أن ما حدث بعد ذلك بعامين كان مذهلاً، عامي 1985 و 1986عمل عصام عبدالله في ألبومين فارقين، الأول لمحمد فؤاد هو (في السكة) وقدم فيه أربع أغنيات بلهجات متنوعة وأساليب كتابة متنوعة، (صابر تني آني صابر) بالفلاحي، و(غرقان لشوشتي) بالبدوي، و(بعتت الصبح مرسال) بالقاهرية إلا قليلا وهي تشبه المووايل نوعًا ما، و(عاش الطب) باللهجة العصام عبداللاوية، هل تصدق أنه في الأغنية الأخيرة كتب (يخستع)!! هذا الألبوم وضع محمد فؤاد بين مطربين الصف الأول، وجعله من الأكثر مبيعًا في مصر، ولكن العام الذي يليه شهد معجزة غنائية تدعى (في قلب الليل)، قدم عصام عبدالله في هذا الألبوم أغنيتين، (روحي فيكي تروح) باللهجة البدوية، وهذه الأغنية كتبها على موسيقى راي جزائرية أعجبت الحجار فطلب منه الكتابة عليها وهو أمر من أصعب الأمور على الكاتب، ويحتاج لوعي موسيقي كبير، وفي نفس الألبوم قدم أغنية أخرى يمكننا اعتبارها البطة السمينة في تاريخ الغناء الحديث، وبشكل شخصي أعتبرها أفضل ما تم تقديمه في الربع قرن الأخير.

في قلب الليل
وعزف الصمت متهادي كموج النيل
وبرد الخوف بيتكتك سنان الخيل
وما في حد في الشارع
سوى مهر اتربط جازع
في شجرة سنط
وانا والصمت
وبرد الليل
وخوف الليل

أشرت في حلقة سابقة إلى أن عصام عبدالله كتب هذه القصيدة بمنطق العربية، أداة التشبيه (ك) وأداة النفي (ما) يستخدمهم المصريون في غير تلك المواضع، كلمات مثل سوى وجازع وسنط نادرة الاستخدام في اللغة المصرية، الشكل نفسه كقصيدة تنتمي للشعر الحر غريب على الغناء، الصور التشبيهات دلالات الألفاظ كل شئ جديد، حجر ضخم جدًا وضع في أساسات تطوير الموسيقى والغناء، أغنية أغلقت مرحلة وبدأت مرحلة أخرى، هذه الأغنية تحتاج لدراسة منفصلة في الحقيقة، وللمرة الثانية ينجح الحجار برفقة عصام عبدالله ومودي الإمام في إحداث الأثر.

 

بعد ذلك كتب الكثير من العلامات الفارقة مثل (سحر المغنى) و(الطول واللون والحرية) لمنير، في الأغنية الأخيرة استخدام كلمة (الحرية) نقل العمل بأكمله إلى آفاق جديدة، ولإيمان البحر كتب (عرفتيني) ، ولسيمون (عايزة أصرخ)، ولأنغام (وحدانية) والتي صدرت بعد وفاته بثلاث سنوات،

وكتب لها (من بعيد) وهي التي أرى أنها بالعربية ولكن بمنطق المصرية بعكس (قلب الليل)، فبدأها ب (من بعيد، لم نعود عاشقين) يقصد أن السلام كما نقول يجب أن يكون (من بعيد لبعيد) ، حتى استخدامه لجملة مثل (لست هذي الخائبة) لم نعهده في العربية، الحديث عن عصام عبدالله وأثره في تطوير الكتابة الغنائية لا يمكن أن ينتهي، ويحتاج للكثير من السرد والتحليل والدراسة، ربما فعلها أحدهم يومًا ورد له حقه المهضوم، وفي النهاية سأتركك مع إحدى عجائب عصام عبدالله الذي توفي عام 1996 وهو لم يتجاوز الأربعين، رحمه الله بقدر ما قدم لنا من جمال

.

الحلقات السابقة

الحلقة الأولى: البدايات

الحلقة الثانية: طنبورة وجريتلي

الحلقة الثالثة: مرحلة أنجليكا

الحلقة الرابعة: تأثير حميد

الحلقة الخامسة: غنام وربيع وعزيز

الحلقة السادسة: لغة الغريبين

الحلقة السابعة: بيانولا

مقالات ذات صلة

إغلاق