سياسة

ما لا تعرفه عن “بلو كوت” “وسي إيجيبت” .. قصة مراقبة الإنترنت في مصر

يتقصى الناشط الحقوقي الأمريكي سكوت لونج قصة تعاقد وزارة الداخلية المصرية مع شركة تزودها بتكنولوجيا تساعد في مراقبة شبكات التواصل الإجتماعي.

 blue-coat-office

سكوت لونج – بيبر بيرد

إعداد وترجمة – محمود مصطفى

في يوم لطيف، أعلنت وزارة الداخلية المصرية أنه يمكن للشركات أن تقدم عروضاً لبيع تكنولوجيا جديدة للدولة لمراقبة المحادثات العلنية والخاصة على الإنترنت، بالطبع هم أعلنوا ذلك للشركات وليس للجمهور المصري (هل ترسل للأرنب بياناً صحفياً حول عملية صيده؟) ومع ذلك، تمكنت صحيفة “الوطن” من نشر نسخة مسربة من العطاء. وهي مقتطفات من المخاوف الرائعة للحكومة القمعية من الفضاء الإليكتروني:

” ومن المؤسف ازدياد أعداد مستخدمى شبكات التواصل الاجتماعى الذين ينشرون الأفكار الهدامة … تصل خطورة بعضها إلى حد تهديد أمن المجتمع والإخلال باستقراره، مع تعاظم تأثير شبكة «الإنترنت» ومواقع التواصل الاجتماعى، والمتمثلة فى الدخول إلى عصر انتقال الأخبار بلا حدود، وبلا قيود، وترسيخ المفاهيم الديمقراطية (يبدو أنها شيء سيء)”

ومن بين الأفكار الهدامة:

“ازدراء الأديان والتشكيك فيها، وإثارة النعرات الإقليمية، والدينية، والعرقية، والعقائدية، والطبقية، بالإضافة إلى نشر الإشاعات المغرضة، وتحريف الحقائق بسوء نية، وتلفيق التهم، والتشهير والإساءة للسمعة، والسخرية المهينة واللاذعة، والقذف والسب، كما شملت استخدام الألفاظ النابية والعبارات الجارحة، والدعوة إلى الخروج على الثوابت المجتمعية، وتشجيع التطرف، والعنف والتمرد، والحشد للتظاهر والاعتصام، والإضراب غير القانونى، والإباحية والانحلال، والفسق والفجور، والتعريف بطرق تصنيع المتفجرات، وبتكتيكات الاعتداء، وإثارة القلاقل وأعمال الشغب، والدعوة للتطبيع مع الأعداء، والالتفاف على استراتيجية الدولة فى هذا الخصوص، وتصيد الزلات … واجتزاء كلام من سياقه للإساءة لمن صرح به، ونشر الخرافات، بالإضافة إلى الادعاء بحدوث معجزات (من المفترض أن ادعاء الحكومة نفسها بمعالجة الإيدز لا يندرج تحت هذا التصنيف الأخير)”

أرادت الدولة أنظمة تستطيع البحث عن كلمات مفتاحية بالعربية والإنجليزية ” والمرونة لإضافة أى لغة أخرى فى المستقبل” عبر شبكت من ضمنها “تويتر وفيسبوك ويوتيوب وجوجل” وتطبيقاته هاتف كـ”فايبر”. أرادوا اصطياد “المصطلحات والمفردات المختلفة التى تُعد مخالفة للقانون والآداب العامة أو خارجة عن نطاق العرف والروابط المجتمعية”، يمكنك أن تخمن ماذا يتضمن هذا.

أدانت عشرة مجموعات حقوقية مصرية هذا التحرك من قبل الحكومة “إن الحفاظ على الخصوصية في المجال العام ضرورة لحياة سياسية حرة ومستقرة، والتعدي عليها هو من علامات الأنظمة الشمولية.”

في السابع عشر من سبتمبر نشر موقع “باز فيد” تقريراً حول   شركة مصرية تدعى “سي إيجيبت” فازت بالتعاقد ، وستبيع للحكومة تكنولوجيا من شركتها “الشقيقة” “بلو كوت” وهي شركة أمن إنترنت مقرها ساني فيل في كاليفورنيا.

وتتضمن هذه التكنولوجيا  تقنية فحص حزم البيانات والتي تمكن من “تحديد الموقع الجغرافي والتعقب والمراقبة المكثفة للنشاط على الإنترنت.”

وقال علي المنيسي، المدير التنفيذي لـ”سي إيجيبت” لـ”باز فيد” إن “وظيفتنا كشركة هو إعطائهم النظام. أنا أدرب الحكومة على كيفية تشغيله ونحن نعطيهم البرنامج … يمكن أيضاً استخدامه لاختراق “واتساب” و”فايبر” و”سكايب” وبرامج أخرى عند الحاجة.”

لهؤلاء غير المهووسين بالتكنولوجيا: المعلومات التي ترسلها عبر الإنترنت يتم تجميعها في ما يسمى بـ”حزم”. من الأفضل لمزودي خدمة الإنترنت إرسال هذه الحزم بدلاً من إرسال كل نقرة زر منفصلة. بعض البرامج، مع ذلك، تستطيع فتح هذه الحزم وفحص محتوياتها.

وكما تقول مجلة “وايرد” “عندما يتورط مزود خدمة في فحص للحزم، فذلك يماثل فتح الخطابات في مستودع بريدي وقراءة المحتويات.”

تحب الحكومات القمعية ذلك، فهو يخبرهم بالتحديد بمن يعذبوه، تكنولوجيا فحص الحزم هي صناعة ضخمة و”بلو كوت” هي أحد الانتهازيين الكبار.”

تصريحات الإنكار خرجت في وقت واحد كما لو كان هؤلاء خائفين من شيء ما. في كاليفورنيا، خرجت “بلو كوت” ببيان “سي إيجيبت موزع لـ”بلو كوت”. “سي إيجيبت” أكدت لنا أنها لم تقدم عرضاً ولم تعد بيع منتجات “بلو كوت” للحكومة المصرية من أجل عملية مراقبة لشبكات التواصل الإجتماعي.”

في القاهرة، صرحت وزارة الداخلية “هذا الخبر عارٍ عن الصحة جملةً وتفصيلاً” وخلط يهدف إلى “زعزعة الثقة وإثارة الرأى العام والإسقاط على جهود وزارة الداخلية وتضحيات أبنائها.”

وزير الداخلية محمد إبراهيم

كل هؤلاء الناس يزعمون أنهم لا يعرفون بعضهم البعض حتى، أغرب الردود جاء من “سي إيجيبت” والتي نشرت نفياً على موقعها:

“الشركة لیس لھا أي علاقة بتورید او تركیب او تدریب العاملین بوزارة الداخلیة علي نظم أو أجهزة لاستخدامها في التنصت أو تتبع المكالمات أو الرسائل علي مواقع التواصل الإجتماعي سواء من إنتاج شركة Blue Coat أو غیرها، بل و الأھم من ذلك أن الشركة لم یسبق أن شاركت في مناقصة لهذا الغرض علي الإطلاق …  الشركة لیست شركة شقیقة لـBlue Coat وإنما موزع لبعض منتجاتها مثل العدید من الشركات العاملة في مصر و الشركة مملوكة بالكامل لمصریین.”

هذا هو العام 2014، وإغلاق موقع أمر ليس له معنى، حتى سكان الكهف من أمثالي يعرفون بأمر Google Cache.

موقع “سي إيجيبت” بعد 24 ساعة من انتشار خبر الفوز بمناقصة الداخلية

وجدت النسخ المخفية من الموقع القديم وحفظت كل الصفحات بصيغة PDF ويمكنك أن تقرأها من هنا.

هذه الشركة غريبة! لاحظ بعض الأشياء: الموقع كله باللغة الإنجليزية، وهو أمر مثير للانتباه في مصر، بعض المواقع يعرض  أقساماً بالإنجليزية ولكن الموقع كله؟ (عندما حاول أحد الصحفيين الاجانب الاتصال بـ”سي إيجيبت” بعد نشر تقرير “باز فيد” بيوم أخبره موظف الاستقبال بأنه لا أحد في المكتب يتحدث الإنجليزية، وعندما حاولت أنا الاتصال، لم أتلق رداً.)

لكن هناك حقائق أخرى رائعة، تقول الشركة إن عمرها ثلاثون عاماً وتقول إن رأسمالها 250 مليون جنيه. في الشركة قسم للمطارات، حيث يبيعون إضاءات المطارات ومكاتب التحكم وأثاث مناطق الانتظار، وأيضاً الكثير من متعلقات “شبكات البيانات للكومبيوتر”. وهناك قسم الأنظمة البنكية ثم قسم “نقل البيانات” “منذ عام 1984 و”سي” هي الرائدة في السوق المصرية في تصميم وتنفيذ ودعم حلول البنيبة التحتية لنقل البيانات.”

وفي مكان بعيد في الموقع يوجد قسم “الخدمات الأمنية” ويتضمن بعض “المنجزات”:

– أول تنفيذ لحلول أمنية متكاملة في القطاع البنكي

– أول تنفيذ لحلول أمنية متكاملة في القطاع العام

– أول تنفيذ لحلول أمنية متكاملة قطاع البترول والغاز الطبيعي

يبدو هذا مبهراً، لماذا يخفون هذه النقاط المضيئة؟ بعض الغرائب الأخرى: هناك قائمة بالعملاء تضم 16 وزارة من بينها وزارة الداخلية إضافة إلى مجلس الوزراء ومجلس الشورى والشرطة العسكرية. هناك قائمة بالشركاء تظهر فيها، نعم أنت محق، “بلو كوت.”

ذكرت منظمة “مراسلون بلا حدود” “بلو كوت” كأحد أعداء الإنترنت حول العالم وقالت إنها “معروفة بمعداتها للرقابة على الإنترنت.” تجد أثر “بلو كوت” عند أي حكومة تقمع الحقوق. بحث مشروع “ستيزين لاب”، وهو مشروع في جامعة تورونتو الكندية حول الإنترنت وحقوق الإنسان، عن آثار “بلو كوت” في العامين الماضيين ووجد تقريره المفصل الآتي:

“61 من منتجات “بلو كوت” متعلقة بالشبكات العامة أو الحكومية في بلدان ذات سجل مقلق في حقوق الإنسان والمراقبة والرقابة. وجدنا هذه المنتجات في المواقع التالية:

– جهاز بلو كوت بروكسي إس جي: في مصر والكويت وقطر والسعودية والإمارات.

– جهاز باكيت شيبر: أفغانستان والبحرين والصين والهند وإندونيسيا والعراق وكينيا والكويت ولبنان وماليزيا ونيجيريا وقطر وروسيا والسعودية وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايلاند وتركيا وفينزويلا.

خريطة من “سيتيزين لاب” تقتفي أثر “بلو كوت”

ولـ”بلو كوت” تاريخ طويل في الشرق الأوسط. قبل إسقاط ديكتاتورية بن علي في تونس في 2011، استخدمت حكومته تكنولوجيا فحص حزم البيانات لتعقب المعارضين. في 2011 وبحسب “سيتيزين لاب” أقرت “بلو كوت” تحت ضغوط بأن 13 من أجهزتها لفحص حزم البيانات كانت في سوريا بالمخالفة لحظر الذي فرضته الولايات المتحدة وادعت أنها تم “شحنها عبر موزع من دبي وكان يقصد أن تصل لوزارة الاتصالات العراقية.” (وبالمثل عثر على أجهزة “بلو كوت” في إيران والسودان وكلاهما أيضاً تحت الحظر الأمريكي.)

في 2013 أجابت “بلو كوت” على التساؤلات الملحة ل”مراسلون بلا حدود” وحلفائها، مصرة على أن “منتجاتها كانت تباع بما يتفق والقوانين الحاكمة لبيع التكنولوجيا الخاصة بها.” وقالت إن كل عمليات البيع تمت عبر طرف ثالث.”

هناك سبب واحد فقط لكون كل مبيعات “بلو كوت” “تمرر عبر طرف ثالث” وهو أن ذلك يسمح للشركة بالتعامل مع حكومات وضيعة وتبقي أيديها نظيفة في الوقت ذاته.

كل العلامات تشير إلى أن “بلو كوت” لها علاقة مثمرة بمصر لسنوات. في عهد مبارك، في عام 2009، أوردت “ديلي نيوز إيجيبت” تصريحات للمدير التنفيذي للشركة جريج كلارك يقول فيها “تدهور الأمن كالعادة خوفاً من المجهول، من التكنولوجيا الجديدة ومن فقد السيطرة. وأدى هذا الخوف إلى تصلب أعاق النمو في الصناعة.”

في تلك الأيام، كانت الديكتاتورية في القاهرة مشغولة بتعلّم وشراء  بشكل أساسي تكنولوجيا فحص حزم البيانات على ما يبدو من شركة “ناروس”، شركة أمن عسكري إسرائيلية اشترتها بوينج في 2010 ونقلت مقرها إلى الولايات المتحدة، (مدير مخابرات مبارك، عمر سليمان، كان معروفاً بعلاقاته الوثيقة بإسرائيل) لكن القاهرة لم تجلب معدات جيدة ولا حتى عرفت كيف تستخدمها.

مدير المخابرات العامة المصرية السابق عمر سليمان

ردة فعل مبارك على المعارضة الإنترنتية ظل قمعياً وعنيفاً، والأمر له دلالة أنه في مواجهة ثورة يغذيها “تويتر: و”فيسبوك” في 2011، رد مبارك ليس باعتقال مستخدمي تويتر ولا بتعطيل برامج معينة ولكن بوقف الإنترنت كلية.

منذ الربيع العربي، والجنرالات في القاهرة يبحثون عن رد محدد ومتكامل، ومن الواضح أنه من هنا دخلت “بلو كوت” ولكن ما قصة شريكتها المصرية الغامضة؟

هناك أمر آخر غريب، في النسخة المخبأة من موقع “سي إيجيبت” هناك منشور دعائي قابل للتحميل يصف الشركة بأنها “مملوكة ومؤسسة بالكامل من مجموعة من التقنيين المصريين يستثمرون بشكل أساسي في خبرتهم الطويلة والمتعمقة في مناحي الكمبيوتر والإتصالات.”

في الوقت نفسه، عثرت على شركة كمبيوتر مصرية أخرى، لها اسم يليق بروايات جورج أورويل، تدعى “مايند وير”. الشركة لها منشورها الدعائي الخاص الذي يقول “مايند وير تم تأسيسها من مجموعة من التقنيين المصريين يستثمرون خبرتهم الطويلة والمتعمقة المهنية والأكاديمية في مناحي الكمبيوتر والأمن وتكنولوجيا الإتصالات.”

هذه الدعاية المتشابهة المبالغ فيها تبدو كما لو كتبها نفس الأشخاص، لماذا لدى “سي إيجيبت” هذا التوأم الغريب؟

مايند وير اسم معروف في المنطقة، وتبدو الشركة المصرية فرع لشركة متعددة الجنسيات مقرها الإمارات. تبيع “مايند وير” أيضاً منتجات أمنية ولكنها لا تعلن عن ذلك كثيراً. على سبيل المثال ظهرت “مايند وير” فجأة كـ”شراكة” على موقع شركة أمن إماراتية هي “إي إم دبليو” أو “إيست ميتس ويست” (والتي تعني الشرق يلتقي الغرب).

“إي إم دبليو” هي استشاري لحلف الناتو في الدفاع عن إمبراطورية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط (تقدم إي إم دبليو دعما لاحتياجات الاتصالات للجنود الأمريكيين الذين يخدمون من أفغانستان إلى عمان.) إي إم دبليو هي موزع آخر لتكنولوجيا “بلو كوت” الأمنية، ووقعت بلو كوت مع إي إم دبليو صفقة في 2009 حيث “دعمت قنواتها في الشرق الأوسط.”

“مايند وير إيجيبت” والتي تأسست في 2009، شيء مختلف. الشركة ليس مقرها القاهرة ولكن الإسكندرية وقائمة العملاء غير مبهرة فمعظمها مدارس ومستشفيات مصرية وليست أماكن لديها أموال طائلة. من الصعب معرفة كيف تحقق الشركة أرباحها، فما يبدو هو أن الشركة جاثمة في انتظار شيء ما يحث.

دعني أقل لك ما أظنه يحدث، “سي إيجيبت” و”مايند وير إيجيبت” هما واجهتان أسسهما شركاء للمؤسسة العسكرية ووزارة الداخلية. يؤسس ضباط الوزارة أو غيرهم من الشخصيات الهامة مثل هذه الشركات الزائفة عن طريق أفراد العائلة على سبيل المثال أو زملائهم المتقاعدين. هي ليست بالضبط شركات زائفة، فهي تقوم ببعض التسويق الفعلي مستغلة صلاتها الحكومية. ومقر “مايند وير” الرئيسي في الإمارات سعيد بتبني هؤلاء المصريين كفرع رمزي لأنهم يستطيعون فتح الأبواب في الوزارات.

لكن الاستفادة الحقيقية تأتي عند صفقات الأمن التي تكلف ملايين الدولارات، مثل مناقصة وزارة الداخلية، عندها تكون لهذه الشركات قيمة مضاعفة.

بناءاً على الوصف التوأمي المثير للشك للشركتين، أنا أراهن أن نفس الأشخاص الذين يديرون “سي إيجيبت” هم من أسسوا الفرع المصري من “مايند وير”. وأشتبه كذلك في كون أيام “سي إيجيبت” كموزع لـ”بلو كوت” معدودة بسبب أن هذا تم اكتشافه.

فائدة “سي إيجيبت” انتهت ويمكنك أن تحس أن الستارة أوشكت على الإنسدال على المسرح. سيتم نقل حساب “بلو كوت” والتكنولوجيا وطاقم التدريب إلى واجهة أخرى، مثل “مايند وير.”

هل يمكنني إثبات ذللك؟ لا. أنا من الطراز الأكاديمي شبه المتقاعد، لكن هناك صحفيون استقصائيون في مصر وغيرها يجب أن ينظروا في هذه العلاقات الآثمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق