سياسة

ما قد تتعلمه مصر من تقرير تعذيب الـ”سي آي ايه”

تكتب البريطانية نادين مروشي   في “ميدل إيست آي” عن تاريخ التعاون المصري الأمريكي في تعذيب السجناء، وتنصح الحكومة المصرية بالتعلم من نتائج تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي عن عمليات التعذيب التي تمت تحت عنوان  “تقنية الاستجواب المحسنة”.

 

نادين مروشي – ميدل إيست آي

ترجمة – محمود مصطفى

قيدوا يديه، وهو ابن الثامنة عشر، خلف ظهره،  وعصبوا عينيه وأخذه مسئولو أمن مصريون للاستجواب. خلال الاستحواب ضربوه وصعقوه بالكهرباء في ظهره ويديه وخصيتيه لحوالي أربعة ساعات إلى أن “اعترف” بجرائم ينكرها الآن.

هذه ليست قصة من برنامج وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “سي آي ايه” للترحيل الاستثنائي الذي لعبت فيه مصر دوراً هاماً، ولكنها قصة حدثت في مصر هذا العام في الخامس والعشرين من يناير. وطلباً للدقة هي قصة محمود حسين الطالب الذي اعتقل لارتدائه “تي شيرت” حملة “وطن بلا تعذيب” ووشاحاً يحمل شعار ثورة 25 يناير 2011.

محمود أمضى في السجن ما يقرب من العام إلى الآن بتهم تتضمن الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة،  ولم تبدأ محاكمته حتى الآن.

إذا كان لتقرير الهيئة التي تراقب المخابرات الأمريكية، لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ، الذي صدر هذا الأسبوع أن يعلمّ مصر والعالم شيئاً ، فهو أن التعذيب أسلوب فاشل ومضلل للحصول على المعلومات الدقيقة.

يرى مديرو الـ”سي آي ايه” السابقون، وهم موضوع التقرير شديد الحساسية، أن أساليب تعذيبهم، أو “تقنيات الاستجواب المحسنة” كما يسمونها، تجمع معلومات هامة حول جماعات مثل القاعدة وبالتالي تمنع المخابرات حدوث هجمات مماثلة لـ11 سبتمبر، أكبر هجوم على أرض أمريكية في التاريخ الأمريكي، أو هكذا يرون.

قد يكون هذا صحيحاً (وإن كان التقرير يقوّض بشدة أية مزاعم كهذه)، لكن بعد صدور التقرير أصبح من الواجب الإقرار بأنه بسبب برنامج “تقنيات الاستجواب المحسنة” هذا ظهرت تهديدات أكثر وحشية ومن بينها صعود الدولة الإسلامية.

أحد الأمثلة على ذلك هو علي محمد عبد العزيز الفخيري أو “الشيخ الليبي” وهو مواطن ليبي تعرض للاعتقال في باكستان خلال الأشهر القليلة التي تلت هجمات 11 سبتمبر 2011. بعد استجواب الـ”سي آي اي” تم ترحيل الليبي استثنائياً لمصر في يناير 2002.

الاستجواب في مصر تضمن وضعه في صندوق صغير، 50 سم × 50سم، لحوالي 17 ساعة ولكمه وضربه حتى باح بقصة عن ثلاثة من أعضاء القاعدة ذهبوا إلى العراق ليفهموا  المزيد عن الأسلحة النووية.

في 2003 اعتمد وزير الخارجية وقتها كولين باول على هذه المعلومة المفبركة في خطابه إلى الأمم المتحدة لتبرير الحرب على العراق. بنيت الحرب على كذبة أكره عليها معتقل تحت التعذيب. وكان من تبعات هذه الحرب ظهور جماعات مثل الدولة الإسلامية.

مصر “هي الدولة التي تم ترحيل أكبر عدد من المشتبه بهم إليها”، قالت هيومان رايتس ووتش في تقريرها عام 2005 حول مصير الإسلاميين المرحلين.

لعبت خمس وثلاثون دولة أخرى دوراً في البرنامج؛ بعضها استضافت على أراضيها سجونا سرية للمخابرات الأمريكية،  فيما لعبت دولاً أخرى أدواراً تسهيلية بحسب تقرير “عولمة التعذيب” الذي جمعته منظمة “مؤسسات المجتمع المفتوح” والتي يمولها الملياردير المستثمر والمفكر جورج سوروس لدعم محاسبة الحكومات.

تقرير مجلس الشيوخ فصّل أسماء الدول الأجنبية التي شاركت في عمليات ترحيل الـ”سي آي ايه” للمشتبه بهم، لم تستضف مصر سجونا سرية للـ”سي آي ايه” لكنها احتجزت وعذبت أفراداً تعرضوا لترحيل استثنائي، ونقلت هؤلاء الأفراد لدول أخرى، كما سمحت باستخدام مجالها الجوي ومطاراتها في رحلات الطيران الخاصة بعمليات الترحيل التي تقوم بها الـ”سي آي ايه”، وقامت السلطات المصرية بالاستجوابات بنفسها ورفضت طلبات عملاء المخابرات الأمريكية باستجواب المشتبه بهم.

جذور الترحيل

كل شيء بدأ عام 1995 في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون،  عندما تواصلت الولايات المتحدة مع مصر بشأن أن تكون شريكاً في برنامج الترحيل الاستثنائي وقبلت مصر الدعوة لأنها أرادت أن تصل إلى مشتبهي القاعدة المصريين وفي الوقت ذاته استخدام المصادر الأمريكية لتعقب والقبض على ونقل المشتبه به في مختلف أنحاء العالم.

كان ذلك في الوقت الذي تحارب فيه مصر ما دعته  “تمردا إسلاميا” في الداخل حيث كانت تنظيمات مثل الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي تشن عدداً من الهجمات على مسئولين حكوميين كبار ، وكانت اغتالت    اغتيال الرئيس السابق أنور السادات عام 1981  ثم حاولت  اغتيال وزير الداخلية الأسبق  حسن الألفي عام 1993 والرئيس السابق حسني مبارك عام 1995 ونفذت كذلك هجمات متكررة على السياح والأقباط وتوجت الهجمات بمذبحة الأقصر عام 1997 عندما فتح مسلحون النار وقتلوا 58 سائحاً وأربعة مصريين.

غضت الحكومات الأجنبية الطرف تماماً عما كان يحدث للمحتجزين في مصر، وسلمت السويد مواطنين مصريين هم أحمد عجيزة ومحمد الزيري إلى عملاء “سي آي ايه” في 2001 رحلوهم إلى مصر بعد ذلك بالرغم من احتمال تعرضهم للتعذيب.

المواطنان المصريان كانا قد تقدما بطلب للجوء إلى السويد ومع ذلك تعرض عجيزة للصعق بالكهرباء حينما كان في محبسه بمصر وأجبر الزيري على الكذب بينما كان على سرير مكهرب. هناك أيضاً مزاعم بأن مسئولين أستراليين شهدوا إساءة معاملة ممدوح حبيب المواطن الأسترالي بعد ترحيله إلى مصر ولم يتدخلوا لصالحه.

بين عامي 2001 و2005 نقلت الولايات المتحدة من 60 إلى 70 شخص إلى مصر في إطار “الحرب على الإرهاب” وفقاً لما أقر به رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف. وكان سجن طرة بالقاهرة هو أحد الأماكن التي استخدمت لاحتجاز الأشخاص الذين تم ترحيلهم استثنائياً، واليوم يستضيف السجن آلاف المعتقلين السياسيين ومن بينهم المدون علاء عبد الفتاح وأعضاء بجماعة الإخوان المسلمين وعشرات من الصحفيين من بينهم صحفيو الجزيرة الثلاثة.

في مايو الماضي كشفت منظمة العفو الدولية أن عشرات من المدنيين المصريين  تعرضوا للاختفاء القسري واحتجزوا لأشهر في معتقل عسكري حيث تعرضوا للتعذيب وأنواع أخرى من سوء المعاملة بهدف جعلهم يعترفون بارتكاب جرائم.

أحد السجناء السابقين هناك قال “خلعوا ملابسي وصعقوني في كل أنحاء جسدي وفي خصيتي خلال التحقيقات وضربوني بالعصي والأحذية العسكرية. قيدوني من الخلف وعلقوني على أحد الأبواب لثلاثين دقيقة وكانوا يغمون عيني دائماً خلال التحقيقات وفي إحدى المرات حرقوا لحيتي بولاعة.”

في نهاية المطاف أطلق سراح هذا المعتقل   بعد 76 يوماً من دون أن يعرض على قاضي أو نيابة.

تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي واضح في إدانته لتقنيات الاستجواب المحسنة أو لاستخدام التعذيب وهو ما تضمن كذلك الإيهام بالإغراق والتغذية الشرجية القسرية والحرمان من النوم. في 6700 صفحة، 525 منها فقط رفعت عنها السرية، كان الاستنتاج الأول للتقرير هو أن استخدام المخابرات الأمريكية لهذه التقنيات “لم يكن أسلوباً فعالاً لتحصيل المعلومات أو الحصول على تعاون من المعتقلين.”

 بينما مصر في خضم حربها الخاصة على الإرهاب ضد جماعة الإخوان المسلمين (التي اعتبرتها جماعة إرهابية) وكذلك المتمردين في سيناء الذين تعهدوا مؤخراً بالولاء للدولة الإسلامية، وآلاف آخرين تعتبر مصر أنهم يشكلون تهديداً لها،  قد يفيدها  أن تلتفت إلى نتائج تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي.

*نادين مروشي: صحفية فلسطينية بريطانية عملت لصالح وكالة بلومبيرج الإخبارية والإصدار الإنجليزي من المصري اليوم وتعمل الآن كصحفية حرة وتكتب لصحف “ذا ناشونال” في الإمارات ومدونة “لندن ريفيو أوف بوكس”، كما نشرت لها تقارير في الفاينانشيال تايمز ومطبوعات دولية أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق