سياسة

ماكس فيشر: لهذا يسحب بوتين قواته من سوريا

Vox: لماذا تنسحب روسيا من سوريا الآن؟

 Vox- ماكس فيشر – ترجمة: محمد الصباغ

يوم الإثنين، في نفس توقيت استئناف محادثات السلام حول سوريا في جنيف، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن مفاجأة: سيبدأ على الفور في سحب القوات الروسية الرئيسية من سوريا، بعد حوالي 6 أشهر من أول تدخل لهم في الحرب.

يجب أن ننتظر ونرى درجة وفاء بوتين بكلمته. كانت روسيا قد أرسلت قوات كبيرة إلى أوكرانيا، ونفت ذلك، وتدخلها في سوريا استهدف بشكل كبير المعارضة التي لا تنتمي لداعش بالرغم من مزاعم استهداف المتطرفين فقط. لذلك يجب الشك والحذر.

ويبقى هناك سببا حقيقيا قد يجعل بوتين صادقاً- وأن الانسحاب قد يكون خطوة إيجابية نحو إنهاء الصراع السوري الذي أصبح أسوأ حرب في القرن الحادي والعشرين.

لنكن واضحين، حتى لو نفذ بوتين الانسحاب، سأظل مندهشاً لو وصلت الأزمة السورية إلى اتفاق سلام على الورق هذا العام، وسأكون صراحة في حالة ذهول لو انتهت الحرب السورية فعلياً قبل عام 2020. لكن لو اسحبت قوات بوتين من سوريا، سيصبح العالم أكثر قرباً من ذلك الهدف.

ماذا أراد بوتين في سوريا وكيف حقق ذلك؟

 

لهجة بوتين حول الشأن السوري كانت أشبه بالحرب ضد النازية، أهدافه كانت دائماً ضيقة للغاية:

1 – منع الرئيس السوري بشار الأسد من الانهيار.

2 – الفوز بنفوذ سياسي لروسيا قبل محادثات السلام.

هناك اتجاه غريب في واشنطن للتعامل مع روسيا كقوة عظمى استعادت نفسها وتسعى بطريقة مرعبة إلى الهيمنة العالمية، لكن في موسكو، القوة الروسية يدركون أنها أبعد من أي حدود. عادة ما تسعى للحفاظ على القليل المتبقي من النفوذ السياسي الروسي، ويبدو أن هذا هو الوضع في سوريا.

تمتلك روسيا قواعد عسكرية في دولة واحدة فقط من خارج دول الاتحاد السوفيتي السابق، وتلك الدولة هي سوريا. عسكرياً وسياسياً، سوريا هي موطئ القدم للنفوذ في الشرق الأوسط، وعلى البحر المتوسط. لذا عندما بدا أن الرئيس السوري بشار الأسد على وشك السقوط،  دعمته روسيا باستماتة.

نجح بوتين في ذلك. التدخل الروسي، إلى جانب تدخلاً إيرانياً أقوى، ساعد الأسد في استعادة مناطق كافية ليبقى على قيد الحياة- بالرغم من أنها ليست مناطق كافية لجعل الأسد يأمل في انتصار صريح.

إذاً، روسيا ساعدت في تحويل مسار الحرب، بالرغم من ذلك لا يعني شيئاً مقارنة بالأمور منذ بداية الحرب السورية وميل الكفة نحو تقدم المعارضة تارة ونحو تقدم قوات الأسد تارة أخرى. سوريا في طريق مسدود، وبتدخلات قوية من الخارج، مما يعني أن الطرفين باستمرار يصعدان ضد بعضيهما.

بدا التدخل الروسي مختلفا بشكل درامي، لأنها في النهاية روسيا. لكن الدول الأخرى –من بينها دول كالسعودية وتركيا الذين دعموا المعارضة- كانت تتدخل في سوريا لسنوات، وتدفع زخم الحرب بطريقة أو بأخرى.

وهنا يمكن القول بأن لا تدخل من أي دولة (من بينهم الولايات المتحدة) كان قادراً على حل المشكلة الرئيسية في الحرب السورية: إنها طريق مسدود، مما يعني أن القتال سيستمر لسنوات وسيلحق الضرر بالجميع، حتى الوصول إلى اتفاق سلام.

نأتي هنا لهدف بوتين الثاني من التدخل في سوريا: لعب دور كاف في الحرب لتفوز روسيا بمقعد على طاولة المفاوضات وبالتالي ضمان أن موسكو لديها فرصة في الضغط للوصول إلى مصالحها في أي اتفاق سلام.

قبل التدخل الروسي مباشرة، كانت هناك إشارة قوية إلى أن روسيا تخسر نفوذها بالحكومة السورية، والتي هيمن عليها بشكل أكبر الوجود الإيراني في دمشق. وأشارت بعض التقارير إلى أن الأسد طالب بتدخل روسي لمواجهة زيادة النفوذ الإيراني. في حين أن إيران وروسيا حلفاء شكلياً، إلا إنهم يتنافسون من أجل النفوذ الإقليمي.

لكن حالياً، لا يمكن لأحد –في دمشق كان أو جنيف- يمكنه إنكار أن روسيا لاعب رئيسي في الحرب السورية بالوكالة. يجب أن تشارك في محادثات السلام. روسيا تمتلك مقعدها على الطاولة، والتي من خلاله يمكنها أن تضمن وجود قواعدها العسكرية في سوريا وعلاقاتها رفيعة المستوى مع الجيش السوري.

لماذا تنسحب روسيا الآن؟

 

التوقيت هنا يدل على شئ: محادثات السلام على وشك البدء مرة أخرى. ولأول مرة تقريباً، تبدو محادثات السلام حول سوريا –حسناً، لا أستطيع أن أوصفها بالمبشرة أو حتى القابلة للتطبيق على وجه الخصوص، لكن على أدنى المستويات ستكون التقديرات بالفشل أقل.

ذلك لأن سوريا مرت مؤخراً بهدنة، وبالرغم من وجود انتهاكات، ووقف إطلاق النار كان هشّاً وقد ينهار في أي لحظة، لكن العنف تراجع بشكل كبير. أنقذ ذلك الكثير من الأرواح، وسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي لم يكن من السهل الوصول إليها، وجعل مفاوضات السلام تبدو حقيقية بدرجة ما.

بالنسبة لموسكو، هذا وقت جيد للتراجع. وصلت روسيا إلى أهدافها الحالية، وبالتالي ستفوز بالقليل مع الاستمرار في القتال. الوضع العام مرض لبوتين، يقبله ويستخدمه كأساس للمفاوضات.

أظهرت روسيا مرة أخرى أن لديها تأثيرا محدود جداً على نظام بشار الأسد، والذي أثبت بأنه متهور، فعادة يُصعّد القتال في لحظات ليس من الحكمة فعل ذلك فيها. لو أرادت روسيا تجميد الوضع الراهن في سوريا فعليها إقناع الأسد بالتفاوض بنية سليمة وعدم خرق اتفاق وقف إطلاق النار.

قام بوتين بما هو أكثر من إخبار الأسد في النهاية بمحاولة تجربة السلام: كان عليه أن يجبره. بإبعاد روسيا لعدد بارز من قواتها في سوريا، يصبح الأسد أضعف، وتكون المفاوضات بالنسبة له أكثر جاذبية. لو لم تكن مقتنعاً بأن الأسد قد يجبر حليفه الوحيد، ضع في اعتبارك أن التقارير أشارت إلى أن الأسد علم بقرار بوتين في نفس يوم إعلانه.

أعقل استراتيجيات بوتين، وفقاً لما أشار إليه قليل من الخبراء، قد تكون عملية سحب قواته وبالتالي يشعر الأسد بأن الضغط يمارس عليه من أجل الدخول في مفاوضات السلام، وأيضاً بإبقاء عدد كاف من القوات الروسية في سوريا من أجل ردع القوات المعادية للأسد (المدعومة من السعودية والولايات المتحدة) وإبعاد فكرة التصعيد، كما يعتبر ذلك تهديداً ضمنياً بعودة التدخل الروسي. ويبدو أن هذا بالفعل ما يقوم به بوتين.

لو كان هذا التحليل صحيحاً، فيشير ذلك إلى أن روسيا مستعدة للتفاوض بشكل جدي، و أن موسكو تعتقد أيضاً أنه على الأقل يمكن لبشار أن يفعل نفس الشئ. لا يعني ذلك أن اتفاق السلام يلوح في الأفق، وأن الأطراف يمكنها أن تجد شروطاً توافقية، أو أن بوتين أو الأسد على وشك أن يكونا شريكانافي السلام. لكن حتى احتمالية قبول التفاوض والتسوية هي إشارة جيدة.

تكلفة المغامرة الروسية تخطت فوائدها

 

يبدو أن الرئيس فلاديمير بوتين على وشك إعلان إنهاء المهمة في سوريا. لقد وصل إلى أهدافه الفورية في سوريا، حتى لو لم يعلن ذلك. لكنه انتصار سطحي، ومعه كانت هناك انتكاسات حقيقية.

فشل بوتين في هدفيه المعلنين في سوريا: وهو انتصار جيش الأسد وقيادة تحالف إقليمي ضد المتطرفين السوريين.

مثل هذا التحالف الإقليمي، الذي طالب به بوتين العالم الماضي في أول كلمة له بالجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عقد من الزمن، لن يضمن فقط المصالح الروسية في سوريا بل أيضاً قد ينهي العزلة الروسية المفروضة من الغرب –وهي المشكلة التي تكلف روسيا الكثير، وهو الأمر الأكثر أهمية لبوتين، أكثر من أي شئ قد يحدث في سوريا.

إلى الآن لا يستطيع الأسد الفوز في سوريا، وروسيا لازالت معزولة غربياً، وبالتالي لم ينجز خطته الكبرى، والتي فيها سيقبل الغرب بالمساعدة في سوريا ويسامحونه على جرائمه في أوكرانيا.

انسحاب بوتين من سوريا حالياً (مرة أخرى، لو حدث) ليس علامة على الهزيمة أكثر منه إشارة إلى النصر.

ربما أيضاً لم تشهد سوريا انتصاراً داخلياً سياسياً كما أمل بوتين. في عام 2014، تدخل في أوكرانيا، وأثبت ذلك شعبية بوتين الكبيرة بين الروسيين- شئ لم يجعل بوتين أفضل في تلك اللحظة فقط، بل ربما ساعد نظامه في البقاء وسط التراجع الاقتصادي الخانق.

لكن الابتهاج الروسي بشأن أوكرانيا حتماً سيتلاشى، في حين يبقى الاقتصاد الروسي متراجعاً، لذلك لو أراد بوتين أن يشعر بالأمان على حكمه فهو في حاجة إلى الوصول لانتصار سياسي آخر. سوريا لم تكن أبداً هذا الانتصار. كان الدعم الشعبي في البداية منخفض، ثم تحسن بعد ذلك، لكن لم يصل إلى شعبية أوكرانيا. عادة وسائل الإعلام الحكومية الروسية تصور الحرب في أوكرانيا على أنها انتصاراً، ونهاية:

كتب نوح سنايدر على حسابه بتويتر: ”أشاهد الإعلام المحلي الروسي بعد أوامر بوتين بالانسحاب، تشعر بأن الحرب في سوريا انتهت، وكل ما يمكن عمله بعد ذلك سيكون في جنيف.“

مع كل مشاكلها، أعادت روسيا ،على أفضل تقدير، الوضع الراهن إلى ما كان عليه عام 2014: عندما لم يكن حليفها بشار الأسد يكسب أو يخسر في المحنة السورية. عندما كانت روسيا تشهد تراجعاً اقتصادياً ونفوذ يتراجع، و تواجه عزلة وعقوبات من الغرب، وعندما كان لدى بوتين حرب خارجية واحدة ليقلق بشأنها. هذا هو الأساس الذي حاربت روسيا بقوة من أجل إعادته. ويبدو أن ذلك ما حصلت عليه هناك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق