سياسة

لوفيغارو: أطفال أوروبا يجاهدون في سوريا

 

 loff

 

تحقيق لوفيغارو الفرنسية عن أطفال ومراهقي أوروبا الذين يتوافدون على سوريا من أجل الجهاد

عن لوفيغارو – كلودي باران-  ترجمة منة حسام الدين

 

“أتوسل إليكم أن تتركونا وشأننا”، تنتهي المكالمة قبل أن تبدأ, عبارة هي القاسم المشترك بين آباء وأمهات الاطفال الذين غادروا للانضمام إلى الجبهة السورية، إنها استغاثة صماء تفتقد للأمل؛ مشاعر تُقتل في  كثير من الاحيان  بتواضع وكرامة، هم في النهاية آباء وأمهات يشعرون بالخوف على حياة اطفالهم.

لمحاورة الأهالي عليك بالكثير من الاصرار، لإقناعهم بأن وسائل الإعلام ستمنحهم مساحة بيضاء للتنفيس عن الغضب، ولذرف الدموع، ولإرسال النداءات إلى أطفالهم.

كسر صمت وعزلة الأهالي أمر ضروري، منحهم الفرصة للحديث خطوة أساسية، أبناؤهم  مازالوا مراهقين، أو اقتربوا بالكاد من البلوغ، أعمارهم بين  14، 15، 18 أو حتى 20عاما ، العمر الذي يبدأ فيه الطفل بالمغازلة، بتدخين أول سيجارة، بالخروج مع الأصدقاء، بالحصول على عمل مدفوع الأجر، لكن بالطبع ليس أجرًا  مقابل الدم والحرب والموت.

بعض الآباء يخشى أن يؤدي تسليط الإعلام الضوء على أطفالهم  المتواجدين على الجبهة السورية، في أن ينقطع الاتصال بهم،  سواء عن طريق الرسائل النصية، أو المكالمات الهاتفية، أو المحادثات عبر “سكايب”؛ هم يخشون أن يعرضوهم للخطر. لكن: أليسوا  بالفعل في خطر ؟

“بلى”، هكذا تجيب “ميريام”  الفرنسية ذات الأصل التونسي، والحريصة على أن تجعل معركتها معروفة بين أكبر عدد من الناس، ترد بالإيجاب على سؤال “أليسوا  بالفعل في خطر؟”

حوالي 10 % من المجاهدين نساء

“قبل كل شيء أنا فرنسية وفخورة ببلدي”، تقول “ميريام”  (25 عامًا) التي تحيا  كفتاة متعلمة، وجميلة، ومحبة حتى ذلك التاريخ المشؤوم، عندما تغيرّ كل شيء :” في 14 اكتوبر 2013، غادر والد طفلتي آسيا، مصطحباً إياها بين ذراعيه  حتى ينضم للجبهة السورية”.

تزوجت ميريام عام 2011 من شاب يبلغ من العمر 23 عامًا وينتمي لنفس أصولها التونسية، في أبريل 2012 انجبت طفلة جميلة، لكن بعد أسابيع قليلة، تغيّر سلوك  زوجها بالكامل وبدأ بالتقرب إلى الحركة الاصولية “فرسان العزة” – التي تم تفكيكها في مارس 2012 بناءً على طلب وزير الداخلية الفرنسي كلود غيان – فمنع الموسيقى،0وألعاب ابنته، كما  رفض أن تصبح ابنته يوماً ما “متعلمة”.

ـ هاجس الجهاد

بعد التغيرات التي لحقت بشخصية الزوج،  حصلت ميريام على الطلاق، وعادت  للعيش في منزل أهلها، ولم تسمح لطليقها أن يرى  ابنته إلا تحت رقابتها، لكن ذات يوم، جاء طليقها لاصطحاب ابنتهما للتسوق، حينها كانت آسيا تبلغ من العمر 18 شهراً، منذ ذلك اليوم، لم ترَ ميريام ابنتها ثانيةً.

“آخر اتصال هاتفي بيني وبينه كان منذ شهر، خلال تلك المكالمة سمعتُ آسيا تستنجد بي وتقول أمي! أمي! في الوقت الذي كان يحثني هو فيه على الانضمام إلى القتال لصالح جبهة النصرة، المنظمة الإرهابية القريبة من تنظيم القاعدة. كان يكرر على مسامعي مراراً: يجب أن تأتي إلى سوريا، إنها المكان الوحيد الآمن لعائلتنا، الخطر الآن في فرنسا، حيث سنصبح منبوذين”. آسيا كادت حينها أن تبلغ 21 شهراً، تقول الأم المكلومة:”آسيا هي أصغر رهينة اختطفتها القاعدة”.

تدفع فرنسا ثمناً باهظاً لنزوح هؤلاء الجهاديين المحبين للحرب، وكذلك تفعل بلجيكا، حيث يعتبر حي “فيلفورد” من أهم مراكز التجنيد للجهاد في سوريا، تتحدث وسائل الإعلام المحلية عن “نزيف حاد” واصفة المغادرة المتزايدة لشباب  تلك المدينة البلجيكية.

تتذكر “سميرة” شوارع “فيلفورد” المزدحمة بالشباب الموهوب والسعيد،  لكن وفقاً للسلطات المحلية،  تحولت شوارع “فيلفورد” إلى موطن للشباب الذين يريدون الذهاب إلى “الجبهة” في سوريا.

وفقاً لمواطني ذلك الحي، تزداد أعداد هؤلاء الشباب إلى المئات، يتجمع عشرات الشبان في مجموعات، ويتجهون إلى تركيا التي تعتبر المنطقة اللازمة للعبور إلى الدولة المجاورة.

تبدو رشيقة في ثوبها الأسود، “سميرة” السيدة الأربعينية التي تمضي وقتها مابين عملها كمعلمة، والبقاء بداخل شقتها بوسط “بروكسل” حيث تهتم بمفردها بتربية أطفالها الأربعة، تلك السيدة البلجيكية ذات الأصول المغربية ، شديدة الصلة بمسألة مغادرة الشباب الاوروبي للجهاد في سوريا، تقول:” عندما غادرت ابنتي، توقفت حياتي”.

قصة مؤثرة كصاحبتها، تحكي “سمية” عن ابنتها الكبرى نورا التي اتجهت للتطرف عند عمر الخامسة عشر :”شعرت ابنتي دائماً بأنها عديمة الفائدة، كانت حزينة باستمرار، “نورا” كانت تريد تغيير العالم ومساعدة الآخرين”.

في الوقت الذي كانت تمارس فيه العائلة الدين الإسلامي كثقافة أكثر من كونه معتقداً، كانت الفتاة الصغيرة تكثر من الصلوات، فتصلي خمس مرات يوميا، تقول “سميرة” : “بعد ذلك بعامين، وفي اليوم الذي كنت ذاهبة فيه لإحضار شهادتها من مدرستها الكاثوليكية حيث أمضت جميع سنوات الدراسة حتى الثانوية العامة، رأيتها ترتدي النقاب، وصارت ترتدي القفازات دائماً، فأصبحنا لا نرى منها سوى عينيها”، تفاصيل تسردها “سميرة” وهي تبكي.

وعلى الرغم من عدم موافقة الأم على اختيارات ابنتها، إلا أن نورا، وعندما كانت في الثامنة عشر، تزوجت من شاب من “فيلفورد” يكبرها ببضع سنوات، غادر بعد أن تزوجها للانضمام إلى الجبهة السورية، صباح يوم 20 مايو 2013 كان سرير نورا خالياً.

على طاولة جانب سرير نورا، كانت هناك رسالة :” أمي..غمست ريشة قلمي في دموعي حتى أكتب إليك تلك الكلمة الصغيرة. الله يراقبني من أعلى، وأنت تنظرين  إليّ من أسفل، اقبلي اختياراتي، إني احبك في الله، أحبك حد الجنون لكني أحب الله قبل كل شيء. عندما لا اكون هنا، أتمنى ان تقولي انك فخورة بابنتك”.

غادرت نورا للحاق بزوجها الذي وصل إلى والدتها نبأ موته في إحدى المعارك بعد اصابته بطلق ناري في الرأس، بعد سبعة أيام فقط من وصوله إلى سوريا، ومنذ شهرين فقط، ليس لدى “سميرة” سوى أخبار نادرة عن ابنتها، فلا يصل إليها سوى عبارة متكررة وهي “أنا  بخير”.

قلق أوروبي متزايد من ظاهرة تطرف الشباب وسفره إلى “الجهاد

الإرهاب الإلكتروني

اليوم،  10% من الجهاديين هم من النساء، يؤكد كريستيان جان، عضو معهد الدراسات المتقدمة للدفاع الوطني لشؤون الحوار بين الأديان والثقافات ، وهو المسيحي الكاثوليكي الذي اعتنق الإسلام. ولكونه متخصص في الإسلام الراديكالي، يقول إن مرحلة المراهقة هي فترة مناسبة ليشعر الشباب بازمة الهوية.

وفقاً لكريستيان، يعتبر حماس الشباب أرضية خصبة لكل الحركات الطائفية التي تبحث عن أياد صغيرة، وطيّعة، يمكن أن تنصاع لخوض الحرب، فضلاً عن نشطاء زهيدي الثمن يريدون صراعا مسلحا.

ويستخدم الشباب مصطلحات خاصة بهم في الجهاد، كالإرهاب الإلكتروني، والنسخة 2.0 من الحرب، ومقهى الجهاد الإلكتروني، لكن ماذا تفعل النساء او بالاحرى الفتيات الصغيرات على الأراضي السورية؟ يجيب كريستيان قائلاً:” جهاد المناكحة”.

تغادر الفتيات إلى سوريا من أجل تلبية الاحتياجات الجسدية للمجاهدين المقاتلين على أمل أن تصبح تلك الفتاة حاملاً باحد أبطال تلك الحرب، إنه نوع آخر من الجهاد الذي صدّق عليه  بعض الشيوخ السلفيين الذين يعتبرون تلك الممارسات وسيلة مشروعة للمشاركة في النزاع المسلح.

الزيجات تتم بنقرة على الزر عبر “سكايب”، بلغت “أصغر عروس جهاد” من العمر 15 عاماً، منذ عدة أيام ذهب شقيقها “فؤاد” لاصطحابها من على الحدود السورية- التركية  أملا في إعادتها إلى مدينة “أفينيون” بفرنسا، لكن محاولته باءت بالفشل، فشقيقته كانت تقيم في قرية “أطمة” إحدى المناطق التي يسيطر عليها أشد  الجماعات تطرفا، لذا قرر محامي العائلة “مو غيونون” المطالبة بالتحقيق في “اختطاف طفلة واعتبارها ضحية للاتجار بالبشر”.

فيرونيك، ياسمين، دومينيك،  فؤاد، فرنسوا، لويزا، وغيرهم ( تم تغيير بعض الأسماء، لأن سجلات أطفالهم مازالت قيد التحقيق) مازالوا يتمنون عودة ابنهم، أختهم، ابنتهم، احد اقاربهم،  الذين غادروا إلى سوريا.

قصصهم جميعاً متشابهة بشكل يثير القلق، فمهما اختلفت أسمائهم، سام، إيزابيل، إدريس، نورا، جوجوان، او نيكولا، كلهم تحولوا متطرفين في لمحة بصر، فالتأثير عليهم لم يختلف، سواء كانوا ذوي أصول مسلمة أو مسيحيين او حتى ملحدين، ينتمون لعائلات ميسورة الحال أو أخرى متواضعة، يعانون من مشكلات دراسية او  متميزين في دراستهم، كلهم تم توجيههم عن طريق صديقة أو صديقة من عمرهم، في اتجاه شكل زائف من تقديم المساعدة للشعب السوري ضحية فظائع نظام بشار الأسد.

 انعدام الآفاق الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن البطالة ومشكلات الهوية، عدم المساواة والتمييز، هتخلق المناخ المواتي للتطرف.

 عالم حقيقي غائب

مازال جذب هؤلاء الشباب يتم عن طريق الانترنت، إنها اداة دعاية فعالة للغاية، وقادرة على تحويل الفتيان إلى إنتحاريين، فعن طريق العالم الافتراضي يتم اصطياد هؤلاء الشباب، من خلال بث أشرطة مصورة لعنف لايمكن احتماله، من خلف حسابات الكترونية على موقع “فيسبوك” يتم انشاؤها لتمجيد المجاهدين ولنشر صور المقاتلين وهم يحملون الأسلحة الثقيلة، وكان الإسلام الراديكالي هو الحصن الوحيد للدفاع عن الإسلام ضد النظام العالمي.

“قديماً كانت عملية التطرف تأخذ وقتاً طويلاً”، يقول القاضي الفرنسي لمكافحة الإرهاب، مارك ترافيديك :” قديما كان التطرف يتم تناقله عن طريق الاجتماعات أو الموعظة” ، ذلك ما كان يحدث في مسجدي بيكر ستريت وفينسبري بارك بلندن، لكن اليوم هناك طرق سهلة للوصول إلى خطابات إسلامية “مبسطة” عن طريق المواقع الإسلامية”.

ويضيف ترافيديك:” خطاب الجهاديين أصبح موجهاً للوصول إلى عدد أكبر من الناس، ذوو قدرات فكرية بسيطة وأقل نخبوية، ولاقناع الناس في ظل غياب الحجج الدينية القوية، يعتمد ذلك الخطاب على صدمة الصور، فيعرضون صور الضحايا المسلمين من جانب، وصورا تظهر “روعة الجهاد” من جانب آخر، وكان لكل هذا أثر  سريع على شبابنا”.

“تلك الصور تخاطب مشاعرهم أكثر من عقولهم،  يتركون  أسرهم بتبريرات يعلمها لهم المجاهدون المتدربون: إجازة في دبي أو بعثة إنسانية إلى إحدى دول الشرق الأوسط، وكأنه صباح يوم دراسي سيتهربون فيه من المدرسة، الحقيبة على ظهورهم، يغادرون دون أي كلمة”.

المواقع المتطرفة تستخدم “قوة الصورة” للتأثير على المراهقين

مقالات ذات صلة

إغلاق