سياسةمجتمع

“لوس أنجلوس تايمز: مسيحيّو مصر “مع السيسي أفضل..ولكن

“لوس أنجلوس تايمز: مسيحيّو مصر “مع السيسي أفضل..ولكن

لوس أنجلوس تايمز – كريستين تشيك – ترجمة: محمد الصباغ

 

على أطراف القرية، حيث يلتقي اللون الأخضر من وادي النيل بشكل غريب مع الصحراء، يقوم مؤخراً أبناء كنيسة القديس جورج القبطية الكاثوليكية ببناء سور.

كان عبارة عن بناء بسيط من الحجارة يحيط بأرض مملوكة للكنيسة. وقال الأب أيوب يوسف إنه يأمل في بناء مركز لغسيل الكلى وبالتالي لا يضطر أهل القرية إلى السفر من أجل العلاج.

لكن خلال الشهر الماضي، قامت السلطات المحلية بهدم المبنى، تاركة بقايا الحجارة على الأرض. وقال يوسف إن السلطات استجابت لشكاوى بعض الغاضبين من أهالي القرية، ولم يظهروا حتى التصريح القانوني بالإزالة.

ويقول يوسف، الذي يرتدي الزي الأسود ويمتلك لحية بيضاء كثة، كان انتهاكاً للقانون ولرعايا الكنيسة. ويضيف: ”ما نطالب به هو تطبيق القانون. لا نريد مزايا للمسيحيين. لا نقول إن المسلمين يضطهدوننا. فقط طبقوا القانون.“

إلى الآن، بالنسبة للمسيحيين المصريين، هو حلم بعيد المنال.

التمييز ضد المسيحيين، الذين يمثلون 10% من سكان مصر، ليس بالأمر الجديد. لكن الهجمات ضدهم زادت بعد انتفاضة 2011 والإطاحة بحكومة الرئيس حسني مبارك المستبدة، ثم استبداله بأول رئيس منتخب ديمقراطياً وهو الإسلامي محمد مرسي. ووصل العنف إلى أقصاه مع الإطاحة بمرسي عام 2013.

شارك الكثير من المسيحيين في الانتفاضة ضد مرسي. لذا عندما هاجمت قوات الأمن اعتصام ملئ بمؤيدي مرسي، وقتلوا أكثر من ألف شخص، استهدف الإسلاميون المسيحيين انتقاماً. وهوجمت وأحرقت عشرات الكنائس والمنازل.

ومع وجود نسبة كبيرة من المسيحيين فيها كانت المنيا، المحافظة التي توجد بها مدينة دلجا، نقطة للعنف.

سيطر مؤيدو الرئيس الذي أطيح به مؤخراً، على ”دلجا“، وطلبوا من العائلات المسيحية دفع أموال مقابل حمايتهم. وبعد قتل القوات الأمنية للمتظاهرين في القاهرة، أحرق سكان دلجا الغاضبين الكنائس، وهاجموا 20 منزلاً لمسيحيين وقتلوا مواطناً مسيحياً وسحبوا جثته في الشوارع. واستغرق الأمر 73 يوماً حتى استعادت القوات الأمنية السيطرة على البلدة.

بعد مرور عامين، تبدو أحوال المسيحيين في مصر أفضل. يرى كثيرون عبدالفتاح السيسي، الجنرال الذي قاد الانقلاب ضد مرسي ثم تم انتخابه رئيساً، كمدافع عنهم وأرسل إليهم لتخليصهم من حكم الإسلاميين.

تراجعت الهجمات وعمليات الاختطاف بهدف الحصول على فدية، بعدما كانت شائعة في السنوات من بعد 2011. ولأول مرة في التاريخ، أسعدت قلوب الكثير من المسيحيين، حضر السيسي قداس عيد الميلاد بالكاتدرائية الأرثوذوكسية بالقاهرة في يناير 2015، ومرة أخرى هذا العام. كما أمر الجيش بإعادة بناء الكنائس التي تعرض لعمليات حرق في عام 2013، بالرغم من التقدم البطئ في هذا الشأن.

يقول طبيب الأطفال، مدحت عطا مرقص، 54 عاماً، الذي تم اختطافه للمطالبة بفدية عام 2012: ”وهبنا الله السيسي.“ بعد إطلاق سراحه عاش في خوف ولم يخرج من منزله ليلاً، وبقي بعيداً عن عيادته الريفية، أما الآن فيقول إن حياته عادت إلى طبيعتها.

ويضيف: ”معجزة. قدوم السيسي وإنقاذنا من السوء الذي حدث. لقد أنقذ البلاد من الدمار.“

لكن على الرغم من التقدم الذي لا يمكن إنكاره، لكن مازلت أكبر إقلية دينية في مصر تعاني من الظلم والتمييز.

فالحصول على تصريح لبناء كنيسة أو حتى تجديدها، يتطلب موافقة رئاسية- ولا يواجه المسلمون تلك العقبة البيروقراطية الرهيبة. كما أن المحاكمات بسبب الإزدراء ،عادة ما تستهدف المسيحيين، في تزايد. بالإضافة إلى أن الهجوم على الإقليات الدينية مازال من ينفذوه لا يواجهون أي عقاب. كما لا يوجد تمثيل للمسيحيين في مؤسسات الدولة العليا إلا نادراً.

كما لا تتعامل السلطات عادة مع الحوادث الطائفية وفقاً للقانون، لكن من خلال جلسات صلح تقليدية، والتي عادة تنتهي –حتى لو كان المسيحيين هم الضحايا- بدفع الأقباط لغرامات أو إجبارهم على الرحيل من القرى.

ويقول إسحاق إبراهيم من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إنه حتى مع شعور المسيحيين بالأمان بشكل أكبر تحت حكم السيسي، لكن الواقع لم يختلف.

ويضيف إبراهيم: ”لا تواجه الدولة المشكلة من الجذور. أعداد الحوادث الطائفية تراجعت، لكن رؤية الدولة لم تتغير.“

في دلجا، مازالت كنيسة القديس جورج كالأطلال، ويشعر المسيحيين بعدم الاستقرار.

أما الجيش، الذي قال عنه المواطنين إنه وصل إلى البلدة منذ عودة الأمن للسيطرة على الأمور في سبتمبر 2013، غادر في الشهر الماضي- في نفس اليوم الذي قامت فيه السلطات المحلية بهدم السور حول أرض الكنيسة. ومنذ مغادرتهم، قال الأهالي المسيحيين إنهم بدأوا في سماع تهديدات في الشوارع.

يقول أحدهم: ”حماتكم قد ذهبوا. سترون ما سيحدث لكم.“

كانت نورا شحاته رزق، تبيع كراسات وأقلام بكنيسة القديس جورج لجمع أموال للعمل الخيري. قالت إنها تشعر بالتوتر منذ مغادرة عربات الجيش لشوارع القرية.

لا تترك ابنتها تسير في الشوارع وحدها مرة أخرى، ومع ذكريات ما حدث في 2013، تشعر بالقلق مما قد يحدث الآن. وقالت: ”محاسبة من ارتكب الجرائم السابقة سيساعد في الأمر.“

وأضافت: ”الحل في عقاب كل من ارتكب شيئاً، وبالتالي سيمنع ذلك الآخرين من فعل نفس الأمر.“

من الشائع في مصر إلى الآن أن يفلت منفذي الهجمات على الإقليات الدينية من العقاب، وبدلاً من التعامل مع الحوادث الطائفية كجرائم، تعتمد السلطات عادة على مجالس الصلح المحلية، مما يمنع عن الضحايا حقوقهم ومطالبهم بالعدالة.

وفي قضية أخيرة، أدين مدرس من إحدى قرى المنيا بازدراء الأديان بسبب صنعه لفيديو قصير يظهر تلاميذه وهم يسخرون من مسلحي الدولة الإسلامية. حكم عليه بالسجن لثلاث سنوات، وتم إجباره وعائلته على الرحيل من القرية بعد مجلس صلح.

كما أدين التلاميذ الأربعة أيضاً بازدراء الأديان وحكم على ثلاثة منهم الأسبوع الماضي بالسجن لمدة خمس سنوات وهي أقصى عقوبة. فيما أودع الرابع بدار للأحداث.

ويقول مينا ثابت، مدير برنامج الإقليات بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، إن السيسي قدم تغييرات ظاهرية ليضمن دعم المسيحيين، دون مواجهة المشاكل الأعمق.

ويضيف ثابت: ”المسيحيين مجموعة مهمشة ويمكن أن يرضوا بأشياء قليلة لأنهم لا يمتلكون أي شئ. لكن الحل ليس في بناء بعض الكنائس المدمرة. الحل الحقيقي هو بالسماح للمسيحيين بحرية ممارسة دينهم.“

ويقول يوسف إن الكثير من المسيحيين لا يلومون السيسي على مشاكلهم، وجزء من السبب في ذلك هو رؤيتهم للسلطات الأقل منه –مثل ضباط الشرطة والمسؤولين الأمنيين والقضاة- كمسؤولين عن السماح او التحريض على التمييز.

بالإضافة إلى أن المسيحيين ”لا بديل لديهم. ماذا يمكنهم أن يفعلوا؟ الخوف في أعماقهم مثل الدماء التي في شرايينهم.“

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق