ثقافة و فنسياسةمنوعات

لماذا “تفرعن” الفراعنة؟

دراسة جديدة تشرح: لماذا ظهر الحكم الفرعوني الاستبدادي من بين مجتمعات بدائية تميل للمساواة؟

Canopic Coffinette

ستيفاني باباس – لايف ساينس

إعداد وترجمة – محمود مصطفى

عاش حكام مصر القديمة في بذخ هائل، مزينين أنفسهم بالذهب والعطور وآخذين كنوزهم معهم إلى قبورهم، لكن كيف نشأ  نظام هرمي استبدادي كهذا من   بين مجتمعات  بدائية أميل للمساواة؟

الأسباب كان جزء منها تكنولوجي وجزء منها جغرافي. ففي عالم كانت تتطور فيه الزراعة بينما الصحراء تحيط بالجميع، كان للخروج عن طوع الفرعون كلفة باهظة.

“بشكل أساسي لم يكن هناك مكان آخر يمكن الذهاب إليه” تقول الدراسة التي وضعها سيمون باورز الباحث في علوم البيئة والتطور في جامعة لوزان في سويسرا.

من المساواة إلى النظام الهرمي

مصر القديمة هي مجرد مثال واحد لمجتمع انتقل من المساواة إلى الهرمية، فخلال العصر الحجري الحديث الذي بدأ قبل حوالي 10 آلاف عام بدأت الزراعة في الحلول محل الصيد وجمع الثمار كالوسيلة الرئيسية للحصول على الغذاء.

وفي الوقت نفسه، بدأت المجتمعات التي كان يتمتع فيها الكل بالمساواة بدرجة أو بأخرى في الإنقسام إلى طبقات وبدأ الزعماء في الظهور وفي كثير من الحالات تمتع هؤلاء الزعماء بسلطة مطلقة.

وضع الكثير من الباحثين نظريات ترى أن الزراعة سمحت للناس بتخزين الغذاء والموارد وبموجب هذه القدرة استطاعوا استمالة الآخرين، لكن أحداً لم يستطع أن يفسر بشكل مقنع كيف حدث التحول من عدم وجود زعماء إلى وجودهم.

وقال باورز لـ”لايف ساينس” إنه إذا كان الكل في مجتمع الصيد وجمع الثمار تمتع بالمساواة بدرجة أو بأخرى، لماذا سيسمحون لفرد بأن يسيطر؟

لمعرفة السبب، صنع باورز نموذج حاسوبي ملأه بأفراد لهم تفضيلاتهم الخاصة بشأن المساواة والهرمية . في النموذج، كما في الحياة، كلما ازدادت الموارد التي يمتلكها الفرد كلما تنامت سلالته. وفي المحاكاة تحصل الشعوب في بعض الأحيان على زعيم متطوع إلا أن الجيل التالي من السكان قد يختار أن ينفصل عن هذا الزعيم وهو ما يكلف جزءاً من الموارد.

تجارب المحاكاة كشفت أن الزعامة التطوعية تظهر عندما يقدم الزعيم لاتباعه مزايا كافية في البداية، يقول باورز، إذا أعطى الزعماء لشعوبهم امتيازاً في إنتاج الغذاء فسيتبعونهم.

من الزعماء إلى الطغاة

لكن الزعامة تتحول إلى طغيان عندما يظهر عاملان: الأول هو نمو الكثافة السكانية والتي تأتي بشكل طبيعي من مجتمع زراعي منظم.

“بشكل أساسي يصبح من الصعب على الأفراد أن يتوقفوا عن اتباع الزعيم”، يقول باورز، “كلما نمت الكثافة السكانية كلما تناقصت مساحة الأرض الحرة المتاحة.”

ويقود هذا إلى العامل الثاني، فمع مزايا الزعامة، يحصل الرعية على موارد أكثر وبالتالي يصبحون قادرين على إنجاب أطفال. هؤلاء الأطفال سيزيدون الحجم والكثافة السكانية وهو ما سيقود إلى أرض حرة أقل وفرص أقل في الخروج عن طوع الزعيم.

ومع ذلك، إذا كانت كلفة مغادرة الجماعة منخفضة، ربما بسبب وجود مدينة قريبة مرحبة يمكن الانضمام إليها أو أرض مفتوحة يمكن الارتحال إليها، لا يستطيع الطغيان أن يظهر.

يغادر الناس ببساطة عندما يصبح الزعيم قوياً أكثر مما ينبغي، وعندما تكون الكلفة عالية: إما لأسباب جغرافية مثل الصحراء المصرية أو لأسباب عملية مثل الحاجة لمصدر ري، يضطر الناس إلى تحمل قدر أكبر من اساءة استخدام السلطة من قبل زعمائهم.

“في جماعات الصيد وجمع الثمار، إذا حاول فرد التصرف بطريقة استبدادية ستنهض باقي المجموعة ليلاً وتغادر ببساطة ولكن في وجود الزراعة يصبح هذا الخيار أقل إمكانية في الحدوث” يقول باورز.

وتفسر النتائج الاختلافات بين الأنظمة الهرمية حول العالم في العصر الحجري، فعلى سبيل المثال فإن “بيرو” كانت موطناً لمجتمعات عديدة نشأت مبكراً وتطورت  فيها الوديان الزراعية الخصبة. ولترك هذه الوديان كان على الناس أن ينتقلوا عبر الجبال وهي مهمة صعبة وخطرة.

وعلى النقيض، ظل وادي نهر الأمازون أكثر ميلاً للمساواة حتى بعد ظهور الزراعة، على الأرجح بسبب سهولة التنقل والعثور على أرض مناسبة.

بعض قوانين العصر الحجري هذه لا زالت باقية حتى يومنا هذا. في المجتمعات الديمقراطية، يقول باورز، من الأسهل التخلص من زعيم ولذلك نادراً ما يحقق الزعماء الاستبداد وفي المجتمعات الغير ديمقراطية يستطيع الزعماء التصرف بطرق أكثر استبدادية بدون خوف على مناصبهم.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق