سياسة

لماذا استحقت “الرباعية التونسية” نوبل للسلام

بوليتكو: من هم الرباعية وكيف حققوا حلم الأكاديميين

بوليتكو – سارة فيير – ترجمة: محمد الصباغ

 

لا يوجد من يخطف الأبصار بين الفائزين بجائزة نوبل للسلام  هذا العام.  فخارج تونس ومجتمعها الصغير لا  يعرف معظم الناس شيئاً عن الرباعية التونسية للحوار الوطني،  ليست اللجنة بالساحرة مقارنة مع البابا فرانسيس، وإدوارد سنودن، وأنجيلا ميركل الذين كانوا بعين الاعتبار. وجعل ذلك من الاختيار رائعاً.

في صيف 2013 وبعد عامين من مسار التحول الديمقراطي، كانت تونس تعاني من سلسلة اغتيالات لشخصيات سياسية بارزة، ومن هجمات جهادية ضد المواقع العسكرية ومظاهرات ضخمة  تدعو إلى إسقاط الحكومة التي جاءت بعد الانتفاضة. أصبح المجتمع التونسي في حالة استقطاب متزايد –وهو التطور الذي شهدته بنفسي عام 2012 عندما عشت هناك كطالبة دراسات عليا- مع قيام مسؤولين رسميين بإلقاء خطابات مبالغ فيها بشكل كبير، وقلت ثقة المواطنين في عملية التحول. ولمنع انهيار الدولة في مرحلة نموها بينما الديمقراطية  لا تزال هشّة، قامت الأطراف التالية (الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، والاتحاد التونسي العام للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس) بتشكيل ”الرباعية“ من أجل التوسط من أجل توافق بين الأحزاب السياسية.

و كانت اللجنة المسؤولة عن جائزة نوبل حريصة على توضيح أن جائزة هذا العام لم تذهب إلى منظمة واحدة من بين من شكلوا الرباعية بل إلى اللجنة كاملة. كما أن هناك رسالة مؤثرة في قرار أوسلو بمنح الجائزة الرفيعة إلى مجموعة من المنظمات المكونة من آلاف الأفراد، بدلاً من منحها إلى فرد أو منظمة وحيدة.

ولطالما أكدت  الأدبيات الأكاديمية على الارتباط الكبير بين قوة الديمقراطية في الدولة وصلابة المجتمع المدني فيها. احتلت المنظمات الأربعة اللاتي كونّت اللجنة تلك المكانة المقدسة بين الدولة والأسرة ويبدو أن ذلك أعطاها المصداقية التي تحتاجها من أجل قيادة حوار وطني. يتسائل البعض ما إذا كانت الدول العربية التي استمتعت بربيعها المختصر-ثم خضع لاحقاً لسلسلة من الاختلافات السياسية غير قابلة للحل- ستتبع خطوات تونس لو امتلكت منظمات مجتمع مدني قوية بدرجة كافية لدعم منظمات قد تتقدم من أجل تسوية. في تونس على أي حال، أصبحت النظرية الأكاديمية واقعاً عملياً، ومن المحتمل أن يدرس محاضرو الديمقراطية دور الرباعية في تونس لسنوات قادمة.

وبالرغم من أن الجائزة مقسمة بالتساوي بين المنظمات، إلا أنه من المهم تسليط الضوء على كل عضو فيها. فالدول الأقل حرية تحتاج مثل تلك المنظمات من أجل بناء –لو كانوا يأملون-  مسار التحّلي عن الاستبداد إلى  صالح الديمقراطية.

الرابطة التونسية لحقوق الإنسان: هي أقدم منظمة حقوقية في العالم العربي (تتباهي تونس بالكثير من أوائل الأشياء الإقليمية)، تم تأسيسها في منتصف السبعينيات بواسطة مجموعة من الليبراليين الذين انشقوا عن الحزب الحاكم الاستبدادي بقيادة الرئيس –حينها- الحبيب بو رقيبة. وبعد منح الدولة للرابطة اعترافاً رسمياً عام 1977، قضى محاموها، وأطباؤها وأستاذة الجامعات بها، وصحفييها عقوداً يحققون في انتهاكات النظام لحقوق الإنسان. كما أجرت ونشرت دراسات حول عدة قضايا بداية من التعذيب إلى حرية التعبير مروراً بالمسائل الدستورية. كما دافعت عن ضحايا الحكومة –من بينهم بعض الإسلاميين الذين سجنوا خلال عهد من خلف بورقيبة، زين العابدين بن علي، والذي فقد سيطرته وسلطته خلال اضطرابات عام 2011.

ولتوسيع حقوق العمال، عادة ما عمل نشطاء الرابطة يداً بيد مع أعضاء الاتحاد التونسي للشغل (المعروف باختصاره الفرنسي UGTT). وهو أقدم أعضاء الرباعية، فتم تأسيسه عام 1946 بواسطة الكثير من نفس الأفراد الذين ضمنوا الاستقلال عن فرنسا بعد عقد لاحق. وأضفى على الاتحاد شرعية هائلة دوره في النضال من أجل الاستقلال، وخلال عصر بورقيبة وبن علي، ظلّ الاتحاد هو الحركة الوحيدة المستقلة واسعة الشعبية التي قدرت على حشد أعداد ضخمة- وهو حقيقة أدخلت به إلى الصراع المميت أحياناً مع النظام. يكفي أن نذكر أن الاتحاد التونسي للشغل (UGTT) كان دائماً أكبر من مجرد اتحاد عمال، ويفتخر بوجود حوالي 800 ألف عضو أغلبهم من القطاع لعام، وهو حجم ضخم بالنسبة إلى عدد سكان تونس الذي يقل عن 11 مليون مواطن بقليل.

ثالث أعضاء الرباعية هو أول اتحاد للقطاع الخاص بالبلاد، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، المعروف باختصاره من الكلمات الفرنسية ب (UTICA). تأسس عام 1947، ويمثل حوالي 150 ألف من أصحاب الأعمال في القطاعات غير الزراعية (باستثناء السياحة والبنوك). ويمثل مجتمع أصحاب الأعمال عند التفاوض مع الحكومة وعمل على تطوير الشراكات مع الشركات الأجنبية، وكل ذلك بهدف تحسين مناخ الاستثمار داخل تونس مع معاناة الدولة لانعاش الاقتصاد.

الضلع الرابع هو الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، وهي منظمة مستقلة تدافع عن محامي الدولة منذ السبعينيات. ربما من غير المدهش أن يكون المحامين هم أوائل من استهدفوا بالقمع خلال فترات حكم بورقيبة وبن علي، ومنذ انتفاضة 2011 كانت الهيئة التي ينتمي غليها كل المحامين، لها دوراً محورياً في جهود تأسيس نظام قضائي مستقل وتوفير الحماية القانونية لآلاف من التونسيين يمتهنون المحاماة.

تلك هي المنظمات لأربعة اللاتي اتحدت سوياً عام 2013 من اجل إيجاد طريق سياسي مسدود. كان هدف الرباعية منذ تأسيسها هو الضغط على البرلمانيين الإسلاميين وغير الإسلاميين من أجل الوصول إلى حل توافقي يكسر حالة الجمود ويعيد العملية السياسية إلى المسار الصحيح. لم يكن عملاً تجميلياً. لقرابة ثلاثة أشهر، أشرفت الرباعية على ما كان لكثيرين عملية مرهقة وفوضوية ومحبطة. وف أكثر من مناسبة، تعطل الحوار. لكن بسبب وساطة الرباعية، وافقت الحكومة التي تهيمن عليها حركة النهضة الإسلامية، والتي جاءت في أعقاب انتفاضة 2011، على تقديم استقالتها وتسليم السيطرة إلى حكومة تصريف أعمال. وبالتالي تم إقرار دستور جديد –الأكثر تقدمية في العالم العربي- وتم تحديد موعد الانتخابات مباشرة واستطاعت الدولة تجنب الفوضى.

وعقب الحوار الوطني التونسي مال المعلقون إلى نسب نجاح المحادثات إلى المشاركين السياسين البارزين، بدلاً من منظمي الحوار. قيل ،بشكل غير معقول، إن النهضة ومؤسسها راشد الغنوشي أظهرا رحابة صدره أخيراً بقبوله الكثير من مطالب المعارضة وسمح بحكومة تكنوقراط غير منتخبة بأن تمتلك زمام الأمور في بدايات عام 2014. أما العلمانيون كالباجي قايد السبسي، حالياً قائداً لحزب نداء تونس و رئيساً لتونس، تم الإشادة بهم لابتعادهم عن الإصرار على حلّ البرلمان والرضوخ لتفضيل الإسلاميين للسلطة التشريعية الأكثر فاعلية. في الأشهر الأخيرة، كانت هناك شائعات بأن جائزة نوبل قد يتم منحها للغنوشي والسبسي معاً، تقديراً لتفهمهم ،لو حتى على مضض، وقدرتهم على العمل معاً.

أنا سعيدة لأن لجنة نوبل اختارت خلاف ذلك. جدلياً، القادة الحقيقيين في هذه اللحظة الحاسمة لم يكونوا السياسيين، بالرغم من أنه لا يجب التقليل من دورهم. كانت العوامل الاكثر أهمية سياسية هي يقظة المواطنون التونسيون من منظمات المجتمع المدني، عادة ما تكون أسمائهم  إلا في ضاحيتهم. عندما عشت في تونس عام 2012، رايت هؤلاء المواطنون يحضرون ورشاً لا حصر لها –ينظمها مؤسسات مجتمع مدني ينتمون أو ال ينتمون إليها- ويناقشون المسودات الأخيرة للدستور للنظر فيها بالبرلمان. وبعد عامين، رأيتهم ينتشرون حول البلاد من أجل العمل في لجان الاقتراع وضمان أن الانتخابات البرلمانية تسير بطريقة سلسلة وعادلة ونزيهة. من المناسب فقط أن أوسلو تعرفت على المنظمات التي يمارس من خلالها شعب تونس سلطاته.

سيعطي قرار لجنة نوبل للتونسيين دفعة نفسية هم في أشد الحاجة إليها، من أجل استمرارهم في الخروج من المستنقع إلى المراحل القادمة من التحول والتغلب على التحديات والعقبات الاقتصادية والأمنية. كما زادت الجائزة من تصريحات الدعم من حلفاء تونس الغربيين. تونس تقف على النقيض من المسارات الرهيبة التي تحدث في المنطقة: شاهد المذابح في سوريا الأسد، والإرهاب المتمدد المعروف بالدولة الإسلامية، القمع في مصر، الفوضى في ليبيا، والحرب بالوكالة في اليمن، والنظام المتحجر في الجزائر، فقط لتخرج ببعض الامثلة. هي الدولة الوحيدة من بين دول الربيع العربي التي تعرفت على مسارها للدمقراطية وإن كان وعراً (وينبغي ذكر أن المغرب بدأت في عملية إصلاح تدريجية). خلال سفري عبر دول شمال إفريقيا ومحادثاتي مع المراقبين للعالم العربي على الجانب الآخر من الاطلنطي، فعادة ما يتم الإشادة بتونس ثم تنبذ لأنها ”صغيرة جداً“ لنهتم بها أكثر من بقية المنطقة. لكن تلك لدولة الصغير تنفذ بعض الأفكار العظمة.

انجازات الفائزين بجائزة نوبل للسلام عام 2015 شاهدة على أحياناً كثيرة من الجحود، والفوضى الدائمة ونادراً العمل الساحر، الذي يجب أن يتجه إلى بناء وتعزيز الديمقراطية الصحيحة.

سارة فيير – زميلة بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ومراقبة للانتخابات التونسية الرئاسية عام 2014.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق