إعلامسياسة

كيف يفسد “فيسبوك” الديمقراطية؟

فوكس: فيسبوك يضر بالديمقراطية وعلى زوكربيرج التحرك

Vox – Timothy B. Lee
إعداد وترجمة: محمد الصباغ

منذ جيل مضى، كان للصحف والبرامج الإخبارية التلفزيونية تأثير كبير على ما يقرأه ويشاهده الناس. تجذب القصص الإخبارية على الصفحات الأولى الانتباه، في حين لا يسمع الناس أبدًا بالقصص التي تختار وسائل الإعلام الرئيسية تجاهلها.

في عصر الإنترنت الحديث، الأمور مختلفة جدًا. لا يتلقى الأشخاص الأخبار من الذهاب إلى الصفحة الرئيسية لسي إن إن أو نيويورك تايمز. يفتحون تطبيقات المواقع الإلكترونية -في الأغلب فيسبوك- ويقرؤون الأخبار التي تظهر إليهم.

النتيجة كارثية على إدراك الجمهور للشؤون الحالية. أصبح المحررون تحت ضغط متزايد لكتابة مواد تغري القارئ بالضغط على الخبر وقراءته، وفي ذلك إرضاء لأسوأ دوافع القراء. وتكون القصص الخبرية من نوعية “أروع من أن تتحقق منها” أكثر جاذبية من القصص المتوازنة والدقيقة. زاد ذلك من سوء الاستقطاب السياسي في البلاد وقلل من جودة الخطاب الديمقراطي.

المشكلة الأساسية هنا هو أن قيادة فيسبوك في حالة إنكار لما وصلت إليه المؤسسة. وقال زوكربرج عبر السنوات الماضية: “نحن شركة تقنية، وليست إعلامية.” في عقل المدير التنفيذي للشركة، فيسبوك هو مجرد “منصة”، ووسيلة محايدة تساعد المستخدمين في مشاركة المعلومات بين شخص وآخر.

لكن هذا خطأ. يحدد فيسبوك مليارات القرارات التحريرية يوميًا. ووفي الأغلب قرارات سيئة- تثير مشاعر الأشخاص وتجعلهم متحيزين. حقيقة أن القرارات يتم اتخاذها بواسطة خوارزميات وليس بتحرير بشري، لا يجعل الفيسبوك يتحمل مسئولية أقل فيما يتعلق بالأثار الضارة على المستخدمين والمجتمع بشكل أوسع.

من السهل الخلط بين جميع وسائل التواصل الاجتماعي، لكن هناك فارق جوهري بين فيسبوك وتويتر، منصتا التواصل الاجتماعي الأكثر استخدامًا من أجل العثور على الأخبار.

حتى وقت قريب، كان تويتر بالفعل منصة محايدة. كل مستخدم لتويتر يختار قائمة بالأشخاص التي يريد متابعتها. عندما تدخل إلى الموقع تجد قائمة بالتغريدات الأخيرة بواسطة هؤلاء الأشخاص في تسلسل زمني. لذا يمكن لتويتر أن يجادل بأنه ليس مسئولا عن القصص الخبرية التي يراها المستخدمون. ابتعد الموقع عن هذا النهج في العام الماضي تقريبًا، لكن الجزء الأكبر من المستخدمين إلى الآن هم من يحددون اختيارهم وليس تويتر.

فيسبوك الأكثر انتشارًا مقارنة بتويتر، مختلف. فترتيب الأخبار على صفحة الأخبارالشخصية التيتظهر للمستخدمين يتم اختيارها بواسطة خوارزمية يمتلكها فيسبوك. ويكون في حسبان الخوارزمية عدة عوامل مختلفة، مثل مدى قربك من كاتب المنشور، وكم عدد المرات التي تم إعادة نشر هذه المادة أو كم الإعجابات التي جمعتها، ونوع المادة المنشورة (إعلان زواج أو أطفال سيظهر في القمة)، وما إلى ذلك. ثم تختار المنشور الذي تعتقد أنك ستعجب بها أكثر- سواء نشرت منذ 3 دقائق أو 3 أيام- وتجعلها في مقدمة صفحة الأخبار الرئيسية لحسابك.

من السهل أن تعتقد أن خوارزمية هي الحل البديل لأحكام البشر الفوضوية غير الدقيقة، لكن أشار ويل أوريموس من مجلة “slate” في بداية العام إلى خطأ هذه الفرضية: “التقنية الذكية خلف فيسبوك هي بشرية بالأساس. يقرر البشر البيانات التي يتم إدخالها، وما يمكن فعله بهذه البيانات، وما يريدون الخروج به في النهاية. وعندما تخطئ الخوارزمية، البشر هم الملامون.”

لم يتحدث فيسبوك للعامة عن كيفية عمل الخوارزمية. لكننا نعرف أن أحد أهم أولويات الشركة للأخبار هو “التفاعل”. تحاول الشركة اختيار المواد المنشورة التي من المرجح أن يقرأها الأشخاص، ويعجبون بها، ويعيدون نشرها مع أصدقائهم. وما يأملون فيه هو جذب الأفراد للدخول مرارًا وتكرارًا على الموقع.

قد يكون ذلك معقولًا لو كان فيسبوك فقط طريقة تجد بها صور لطيفة لأطفال أصدقائك. لكن الأمر مزعج في طريقة اختيار الأخبار التي يقرأها الناس. يستخدم فيسبوك بشكل أساسي نفس المعايير التي تستخدمها مطبوعة صغيرة بسوبر ماركت: أعط للناس العناوين الاكثر جذبًا دون الاهتمام بما إذا كانت المقالات محايدة، ودقيقة أو مهمة.

منذ أسبوعين، نشر موقع ويكيليكس رسائل إلكترونية تعود إلى عام 2008 بين مسئولين في الديمقراطي ناقشوا كيفية اختيار عينة مناسبة (oversampling) من الأصوات المائلة نحو الديمقراطيين مثل اللاتينيين والشباب، لاستطلاعات الرأي الديمقراطية الداخلية. واعتبر بعض المدونين المتعصبين ذلك دليلًا على أن استطلاعات الرأي العامة في سباق الانتخابات لعام 2016 كان يتم التلاعب بها لصالح هيلاري كلينتون، وانتشرت القصة بسرعة الصاروخ عبر فيسبوك.

قال مسئولو الحملة ذوو الخبرة، إنه لم تكن هناك قصة أو خبر على الإطلاق. وأن كلمة (oversampling) هي تقنية للقياس من أجل الوصول إلى معلومات أكثر حول مجموعات معينة. وليست طريقة مشينة للتلاعب بنتائج الاستطلاعات النهائية. تعود الرسائل الإلكترونية إلى عام 2008، وليس 2016. وكانت مناقشة حول استطلاعات خاصة بالديمقراطيين يستخدمونها في شئونهم الداخلية، لذا لا معنى لأن يتلاعبوا بنتائج تخصهم داخليا.

خوارزمية فيسبوك لا تصع في حسبانها ما إذا كان الخبر دقيقًا أم لا. لو أحدث كثير من التفاعل، سيصبح على رأس القائمة. وعادة قصة تثير المشاعر لكنها ليست دقيقة تهيج المشاعر وتسبب مزيد من التفاعل مقارنة بقصة خبرية توضح بدقة أنه لا يوجد شئ مشين قد حدث.

وأظهرت مقالة على موقع بازفيد مدى كارثية أحكام فيسبوك التحريرية. فوفقًا للموقع، مجموعة من الشباب ي مقدونيا صنعوا اكثر من 140 موقعًا إخباريًا مؤيدا لترامب.

ونقل بازفيد “معظم المنشور على هذه المواقع تم تجميعها أو مسروقة بالكامل من مواقع يمينية هامشية في الولايات المتحدة. يرى المقدونيون القصص الإخبارية في كل مكان، يكتبون عناوين مثيرة، ثم ينشرونها على موقعهم.”

كما ذكل تقرير باز فيد أيضًا: “عديد من الشباب والمراهقين الذين زاروا هذه المواقع قالوا إنهم عرفوا بأن أفضل طريق لكسب الزيارات على الموقع هو جعل قصصهم السياسية تنتشر عبر فيسبوك.. وأفضل شئ للانتشار عبر فيسبوك هو بنشر محتوى مثير وعادة كاذب يلبي رغبات داعموا ترامب.”

تم تغذية الأنضار من الحزبين الديمقراطي والجمهوري بشكل ثابت بقصص إخبارية حول الأخطاء التي يرتكبها مرشح المعسكر الآخر. بعض هذه القصص حقيقية. فيما البعض الآخر مبالغ فيه أو مصطنع كليًا. لكن طالما لا يجد القراء المتمرسون طريقة جيدة للتمييز بين هذه الأخبار، وبشكل مجمل تلقوا صورة مشوهة عن الانتخابات، يقتنع ملايين المصوتين على الجانبين إن المرشح الآخر يمثل تهديد وجودي للدولة.

لنكن واضحين، أعتقد أن القصص غير الدقيقة والمهيجة للمشاعر تعتبر مشكلة أكبر بالنسبة لليمين مقارنة باليسار في الانتخابات العامة لعام 2016. يمثل دونالد ترامب بالفعل خروجًا دراميًا عن العادات الديمقراطية، في حين هيلاري كلينتون بها بعض العيوب لكنها سياسية تقليدية إلى حد ما.

لكن لا يفترض الليبراليون أن جانبهم في مأمن من الازمة. فالحملة المبدئية للديمقراطيين لم تختلف عما يفعله أنصار ترامب الآن.

كان هناك بعض القصص المختلقة عن ترامب، لكن في الأغلب لم يصطنع الليبراليون الكثير من الاشياء عن ترامب لأن كلماته بالفعل وأفعاله مشينة بالشكل الكافي.

هناك الكثير من  الأشياء التي من الممكن أن يقوم بها فيسبوك لتحسين جودة القصص الخبرية التي يقرأها المستخدمين بشكل عام. لكن علىهم أولا الاعتراف أنهم شركة إعلامية في البداية ، تتدخل طريقة عرضهم للأخبار في ثناعة قرارات تحريرية، وعليهم أن يتحملوا المسئولية في أن تكون تلك القرارات مسئولة.

يمكن للفيسبوك أن يعيد صياغة العناوين التي تستهدف جمع الزيارات، وتستبدلهم بعناوين دقيقة تصف محتوى المقال. وعندما يجد فيسبوك أن المادة التحريرية الموجودة غير دقيقة أو مضللة، يمكنه وضع رابط لمادة أخرى تعرض وجهة نظر مختلفة.

قد يكون هناك اعتراضان واضحان على السابق. أحدهم أن ذلك يتطلب عمل جيش صغير من المحررين البشريين. وهذا أمر مقلق حقيقية، لكنه قد يكون له قيمة أيضًا لو أن المستخدمون وجدوا جودة أعلى في المواد المنشورة التي يقرؤوها.

الاعتراض الثاني المقلق هو الرقابة أو التحيز. المحافظون بشكل خاص سيهتمون بأن تميل القصة الخبرية بشكل مهاري إلى الاتجاه الليبرالي. وهنا يمكن لفيسبوك أن ينفذ بعض الضمانات، مثل ضمان أن المحافظين يتم تمثيلهم جيدا في صنع القرارات التحريرية.

الطريقة الوحيدة لمواجهة هذه المخاوف هو الشفافية. يمكن أن يزود فيسبوك المستخدمين بمعلومات أكثر عن سبب اختيار الخوارزمية لهذه الأخبار تحديدا. وبالسماح لهم بتقييم مدى دقة تلك المواد المنشورة، يمكن أن يمثل ذلك إظهار للعامة بأنهم لا يمثلون نهج بعينه ويميلون نحو أيدلوجية محددة.

رد فيسبوك

“نحن نقيم التواصل الأصلي، ونسمع باستمرار ممن يستخدمون فيسبوك أنهم يفضلون ألا يروا معلومات مضللة. في الأخبار التي تظهر عبر الصفحة الرئيسية للحسابات، نستخدم مؤشرات متنوعة تعتمد على رد فعل المجتمع من أجل تحديد أي من المواد المنشورة من المحتمل أن تحتوي على معلومات خاطئة، ونقلل انتشارها. فيما يخص المواد الأكثر رواجًا “التريند”، نتبع مؤشرات مختلفة للمساعةدة في أن تلك المواد المنشورة تعكس الأحداث في الواقع، ونتخذ خطوات إضافية لمنع المحتوى المزيف أو المضلل من الظهور.

رغم هذه الجهود نتفهم أننا في حاجة إلى القيام بالكثير، ونعرف مدى أهمية الاستمرار في تحسين قدرتنا على التوصل إلى المعلومات المضللة. نحن ملتزمون بالاستمرار في العمل على هذه القضية وتحسين خبرات منصتنا.”

مقالات ذات صلة

إغلاق