رياضة

كيف صنعنا “الجيل الذهبي الثاني” في كرة اليد .. انطباعات لاعب سابق

شريف حسن*

مصر تفوز بكأس العالم للناشئين لأول مرة في تاريخها، بهذه الجملة نشر أمس خبر فوز المنتخب المصري، لكن كتوضيح صغير في البداية: تلك البطولة بطولة حديثة، بدأت في عام 2005، وتقام مثل بطولات كأس العالم للكبار والشباب كل عامين، أي أننا  فزنا بالنسخة الثامنة، وحققنا في أول بطولة المركز السادس، وحققنا في مرتين المركز الخامس عام 2007 و2011.

 ظهرت مصر على الساحة الدولية لكرة اليد بداية من التسعينيات، وتحديدا كأس العالم للشباب 1993، تحت إشراف وقيادة كابتن جمال شمس رحمه الله،  وظهور كل نجوم الجيل الذهبي لكرة اليد، أشرف وحازم عواض وجوهر نبيل وشريف مؤمن ومروان رجب ومجدي أبو المجد وعمر الجيوشي وحمادة النقيب وأيمن صلاح وحمادة الروبي،  ومن هنا انطلقت كرة اليد، فحقق الجيل التالي المركز الثالث في كأس العالم للشباب 1999، وظهر النجم حسين زكي في تلك البطولة، حسين زكي الذي سيصبح واحدا من أهم لاعبي كرة اليد المصرية في تاريخها، وواحدا من أفضل اللاعبين في العالم في بداية الألفينات.

 

 تلك الصحوة في كرة اليد، جعلت الجميع يتابعها بشغف، جعلتني أنا شخصيا أحب كرة اليد وابدأ في ممارستها وأنا 9 سنوات ولمدة 11 عاما، في تلك السنوات حاول هذا الجيل الشاب أن يحقق إنجازا في بطولة العالم للكبار، واستمرت المحاولات وكان الوصول للمركز السادس والسابع هو أقصى ما تم الوصول إليه، حتى كأس العالم 2001  حين وصلت مصر للمركز الرابع، بعد خسارتها في نصف النهائي أمام فرنسا صاحبة الأرض في مباراة تم مجاملة صاحب الأرض من الحكام في العديد من المواقف، وكان حمادة الروبي في عز تألقه وخبرته، مما دفع لاعبي فرنسا التصويب في وجهه في محاولة لإضعافه، أتذكر أني قابلت الروبي في نادي الزمالك بعد رجوعهم من فرنسا وكانت عينه مازلت عليها أثار الكرة.

الوصول للمركز الرابع هو الإنجاز الأكبر لمصر في كأس العالم للكبار، ثم بدأت كرة اليد في الهبوط تدريجيا بعد إعتزال أغلب جيل 93، وظهرت فجوة كبيرة، جعلت مصر تقف في المراكز المتأخرة، لم نصل إلى العشرة الكبار خلال 18 سنة حتى استطعنا هذا العام  الدخول في الثماني الكبار، ورجعت مصر مرة ثانية على الساحة الدولية للكبار.

نتيجة بحث الصور عن حمادة الروبي كأس العالم 2001
حمادة النقيب من أساطير حراسة المرمى في التسعينيات وأوائل الألفينات

 خلال مرحلة “الألفينات” كان الاتحاد المصري يحاول جاهدا  تطوير كرة اليد لما يخدم مصلحة المنتخب المصري، كنا نعاني دائما من الفارق الجسماني خاصة أمام أبطال العالم مثل السويد وفرنسا ويوغسلافيا، فبدأ الإتحاد المصري في عمل مشروع العمالقة، بالبحث في مدارس مصر عن طلاب فارعي الطول، تم عمل معسكرات متخصصة وتحت إشراف نخبة من أهم مدربي كرة اليد في مصر، لتعليمهم كرة اليد وتجهيزهم ثم توزيعهم على أندية مصر بشكل إجباري، رغم فشل التجربة، لأنه اتضح إن ليس كل شخص صالحا لممارسة كرة اليد إذا لم يكن يملك الموهبة وحب اللعبة، وفشل مشروع العمالقة ولم يستفد منه المنتخب الأول في شيء، لم تكن تلك هي الخطوة الوحيدة في محاولات الإتحاد لتقديم أجيال مميزة للمنتخب الأول أو معالجة القصور.

فعلى سبيل المثال عندما بدأ يقل أصحاب اليد اليسرى في أندية مصر، تم تفعيل قانون في الأجيال الصغيرة بحتسب الهدف الذي يحرزه لاعب اليد اليسري بهدفين،  لتحفيز الأندية للاهتمام والبحث عن أصحاب اليد اليسرى، وأيضا لتحفيز الأندية على البحث عن لاعبين طوال القامة، فكان أي لاعب يسجل هدف من خارج التسع أمتار يحسب بهدفين، بشرط أن يكون بعد التصويب مازال خارج التسع أمتار، في محاولة لتقديم لاعبين يستطيعون التسجيل من الخارج أمام المنتخبات الأوروبية المهيمنة على البطولات الكبرى، أو تفعيل قانون في الناشئين باللعب مدة زمنية محددة بشكل “المان تو مان” على كل لاعب أن يدافع على لاعب بشكل محدد، ويجب على المدافعين الخروج من التسعة أمتار للدفاع، كانت محاولة لتحسين الدفاع بشكل فردي، كلها كانت قوانين خاصة بالاتحاد المصري ينفذها في بطولاته الخاصة، وكلها كانت أمال أن تصب نتيجتها في صالح المنتخب الأول.

رغم فشل أغلب تلك المحاولات إلا إننا الآن أمام جيلين قادمين بقوة، جيل نهاية التسعينات، وهو جيل مواليد 98، والذي حصد المركز الثالث قبل أقل من شهرين، وجيل 2000 الحاصل على الميدالية الذهبية، هذه الأجيال لم تأتي من فراغ، في كل نادي يوجد مدربين على أحسن مستوى، يعمل مدربي الأندية بشكل كبير ومكثف في تطوير لاعبيها رغم الإمكانيات المحدودة في بعض الأندية، بجانب دور الاتحاد في تكوين المنتخبات وعمل معسكرات لهم على أحسن مستوى داخل مصر وخارجها، والنقطة الأهم وهي الاستفادة من الجيل الذهبي لكرة اليد، سنجد في الجهاز الفني للشباب هاني الفخراني وهو من الجيل حسين زكي، وسنجد جهاز الفني لفريق الناشئين ثلاثة من نجوم كرة اليد على تاريخها، مجدي أبو المجد وحمادة الروبي وحسين زكي، بكل ما يملكون من خبرة وفهم لكرة اليد، خاصة كرة اليد الحديثة.

الفريق الأول لكرة اليد في كأس العالم الأخير، كان يلعب كرة يد قديمة، رغم وجود مدربين على أحسن مستوى، إلا إن اللاعبين مازالوا تحت تأثير أسلوب كرة اليد القديمة، يوجد صعوبة في التأقلم مع كرة اليد الجديدة، والتي تعتمد على السرعة بشكل أساسي والقوة وتقليل  المهارات، المهارة هنا في التحرك السريع بين الهجوم والدفاع وصناعة هجمة مرتدة في كل هجمة، والاستفادة من تعديلات الاتحاد الدولي، في السماح بنزول لاعب مكان حارس المرمى، في السابق كان يجب على اللاعب أن يرتدي زيا مخالفا وكأنه حارس مرمى، الآن أصبح الأمر سهلا يمكنك سحب حارس المرمى ونزول لاعب بشكل سهل وبسيط، مما أتاح الفرصة لتعويض طرد الدقيقتين لأي لاعب في الفرقة، وأيضا كما فعل مدرب ألمانيا في مباراة أمس، بأنه سحب الحارس وأضاف لاعب في الهجوم رغم اكتمال لاعبيه، وذلك لفك و خلخلة دفاع منتخب بمصر وهي مخاطرة بالطبع ولكنها أصبحت مخاطرة محسوبة ومدروسة ويتم التدريب عليها، والرجوع بسرعة من الدفاع للهجوم بشكل مرتب ومدروس ومدرب عليه، كل تلك الأمور كانت غائبة عن منتخب الكبار.

لكن الأمر اختلف تماما مع المنتخبين الآخرين، الشباب والناشئين، نحن نشاهد كرة يد حديثة، هجمات سريعة وحركة اللاعبين بشكل سليم، قدرة على اتخاذ قرار بتكملة الهجمة أم الهدوء وبناء هجمة بشكل مرتب، الرجوع من الهجوم للدفاع بشكل مثالي، مع التفكير في وقف الهجمة المرتدة بشكل قانوني، بصناعة فاول مع اللاعب الذي يمسك الكورة أو تعطيله حتى يعود الدفاع أماكنه، وجود حراس مرمى على أحسن مستوى، نحن دائما نملك حراس ضمن أفضل خمس حراس على العالم، بداية من أيمن صلاح ثم حمادة الروبي ثم النقيب ثم كريم هنداوي ثم الآن أمامنا جيل من الحراس سيكمل المثيرة وعلى رأسهم عبد الرحمن حميد وعبد الرحمن طه،

عبد الرحمن حميد أحسن حارس في بطولة العالم للناشئين وأحمد هشام أحسن لاعبي في البطولة، رغم تصعيدهم ومشاركتهم قبل البطولة مع منتخب الشباب بجانب حسن وليد وياسر سيف، إلا أنهم استطاعوا تقديم أحسن مستويات في البطولتين، في بطولة الناشئين بإستثناء مباراة فرنسا في المجموعات، كانت كل المباريات تبدو سهلة، يوجد فرق واضح في المستوى بين المنتخب وأي منتخب آخر، من بداية المباراة توسع الفارق لثلاث أهداف، ويظل الفريق المنافس في محاولة اللحاق بك، وكأن الأيه انقلبت، كما كنا نشاهد في الماضي منتخبنا يقدم أداء جيد ويحاول طوال المباراة اللحاق بالفرقة الأخرى وإدراك التعادل، هنا كان يحدث العكس، وهو أمر يوضح ما وصلنا إليه من مستوى، وإضافة على كل ذلك، اللاعيب المصري دائما يتمتع بمهارة فائقة، كانت هي العنصر المميز لنا طوال السنوات السابقة، الآن أصبحنا نمتلك المهارة بجانب الأجسام القوية واللعب بالطرق الحديثة والسريعة.

نتيجة بحث الصور عن عبد الرحمن حميد لاعب كره اليد
عبد الرحمن حميد أفضل حارس مرمى في كأس العالم للناشئين

في النهاية يجب الحفاظ على هذه الجيل، الجيل الذي يمكنه صناعة الإنجاز الأكبر وحصد بطولة كأس العالم للكبار، وهو أمر يحتاج عمل شاق طوال السنوات القادمة، خاصة أنك ستضيف كأس العالم القادمة 2021 في مصر، يجب تسهيل والإسراع في احتراف أغلب لاعبي المنتخبين، ومنع سفرهم للخليج لللعب هناك، وسفر المدربين المصريين للحصول على تدريبات في الخارج، والعمل بكل جدية في الحفاظ على هذا الجيل، حتى لا تتكرر مشاكل جيل 93، ونسقط في فخ الأداء المشرف فقط دون الحصول على ميدالية في كأس العالم للكبار.

ــــــــــــ

شريف حسن: كاتب مصري ولاعب كرة يد سابق*

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق