اقتصادترجمات

كيف تجعل الفقر يبدو أفضل؟ فقط أعِدْ تعريفه!

ظاهرة جديدة اسمها “هايكو لينك إن” تحوّل الفقر إلى قصائد شعر

ينتشر الترويج للربح السريع على الإنترنت بديلا للوظائف

قدّمت الكاتبة الأمريكية-العربية أروى مهدوي، في مقالة بصحيفة “جارديان” البريطانية، رؤية ساخرة بشأن الكسب السريع وادّخار مبالغ عظمى، والذي بدأت الصحف العالمية تروّج له كطريق مأمون وبسيط للتغلب على الفقر دون ربطه بأرض الواقع، ولجوئها إلى ما أسمته “إعادة تعريف الفقر” وتصوير مظاهره كأمور حياتية عادية.

وإليكم نص المقال:

أنصتوا إليّ جيدًا، فسأكشف لكم سر النجاح المالي، حيث استخلصتُ طريقة مأمونة لجمع الكثير من المال حتى إن كنتم تتقاضون القليل جدًا منه. لا تتضمن هذه الطريقة “التوقف عن تناول خبز الأفوكادو”، كما نصح مليونير بريطاني، أو حياكة ملابسكم بأنفسكم أو العمل بعدة وظائف؛ إنها وسيلة بلا مجهود.

هل أنتم مستعدون للمفاجأة؟ حسنٌ، إذا أردتم أن تشتروا منزلًا في سن الثانية والعشرين أو تتمكّنوا من التقاعد في الثانية والثلاثين أو أن لا تكونوا فقراء ببساطة فعليكم التأكد أن لكم أقرباء أثرياء، وإذا فشلتم في ذلك فحاولوا أن تضمنوا إرثًا كبيرًا من أحد أجدادكم. هكذا، كما قلتُ، الأمر في غاية السهولة! لا أدري لمَ لا يحاول الناس فعل ذلك؟!

أرجوكم لا تعتقدوا بأنني أخطئ التوضيح؛ إنني أشير إلى ذلك لأنه يستحق الإشارة! فهناك قصة وعظية تتضمن أرقامًا بالآلاف دائمًا وتُنشر يوميًا؛ إنها أطروحة متعجرفة تحمل عناوين مثل “ادّخرتُ 100 ألف دولار أمريكي من مرتبي الذي يبلغ 30 ألف دولار سنويًا فقط” أو “التوفير الشديد سمح لي بالتقاعد في سن الثانية والثلاثين” أو “كيف ادّخرنا 30 ألف جنيه إسترليني في ثلاث سنوات بينما ندفع أقساط التمويل العقاري”!

عادةً ما نجد طنينًا اقتصاديًا فارغًا من بضع فقرات، ينشر نصيحته الحكيمة حول العمل الجاد وترشيد الاستهلاك، متضمنًا إشارة إلى إرث ما أو ملاحظة بأن الأهالي تركوا أصحاب التجربة المنشورة يعيشون في منزل بلا إيجار لعدة أعوام. تحاول المقالة التشتيت عن هذه المعلومة، وبالتالي -وبدلًا من اعتبار هذا الطنين موضحًا لأثر تناقل الثروة بين الأجيال- ينتقل المقال إلى الحديث عن أنواع رخيصة من مستحضرات لجميلة صنعتها عائلة ما فأحدثت تلك النقلة النوعية في أرصدتهم المالية!

انتشار مثل هذه المقالات في كل مكان يحبطني ويذهلني في الوقت نفسه. في وقت ما كنا ندعو مؤلفي هذه المقالات من “صفوة المجتمع”، لكن يبدو اليوم أن الانتماء إلى الصفوة لا علاقة له بحجم الأموال التي تملكها أو كيف اكتسبتها. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والنائب البريطاني بوريس جونسون، وعضو البرلمان الأوروبي نايجل فاراج، جميعهم يهاجمون بشراسة وبجدية “مجتمعات الصفوة العالمية”. لقد أعادوا تعريف “الصفوة” بحيث يشير المصطلح إلى توجهك السياسي وليس إلى وضعك المادي.

وكما أعيد تعريف التميز المادي فقد أعيد تعريف الفقر، فظهرت طريقة جديدة للتعبير عن “البطالة” بمصطلحات “العمل للحساب الشخصي”، كما أصبح “العمل الحر” و”ريادة الأعمال” ضمن المرادفات “المنظفة” للتعبير عن الوضع الحالي لطبقة “البريكاريا”، أي الطبقات الاجتماعية الهشة اقتصاديًا وائتمانيًا.

وفقًا لدراسة لمكتب الإحصائيات القومية في بريطانيا، أصبح “النمو السريع لعمل الأشخاص لحسابهم سمة صريحة في سوق العمل البريطانية خلال السنوات الأخيرة”، إذ ارتفع العدد من 3.3 ملايين شخص في 2001 إلى 4.8 ملايين شخص في 2017. أيضًا لاحظت صحيفة “تيلجراف” البريطانية سمة جديدة في سوق العمل البريطانية، وهي العمل بجدّ أكبر للحصول على أجر أقل، موضحةً أن “الأشخاص الذين يعملون لحسابهم الشخصي عادةً ما يعملون لوقت أقل تبعًا لظروف المرض، بما يقلّل معدل الغياب من العمل لدواعي المرض في الوظائف ببريطانيا.

في الماضي، لم يكن العمل بأكثر من وظيفة شيئًا ملهمًا؛ لكن، في عالم الاقتصاد المزعج اليوم، أصبح “موضة شائعة”. يشجعك من حولك على أن يكون لك “نشاط جانبي” أو أكثر، وحتى الأطفال يتم تشجعيهم على الإنفاق على أنفسهم.

في العام الماضي أطلقت شركة “بوير ميديا” الألمانية مجلة أمريكية يحمل عنوانها علامة الدولار، بعنوان “الرائدة المراهِقة Teen Boss”، لتستهدف الفتيات من سن الثامنة حتى الخامسة عشرة من المهتمات بريادة الأعمال، ويغطي غلافها ذو الألوان المبهجة عناوين مثل “كيف تربحين أموالًا على الإنترنت في الحال؟” و”كيف تبنين علامتكِ التجارية بأن تكوني أنتِ؟” و”كيف تحققين ربحًا سريعًا في هذه العطلة الشتوية؟”. لم يبدُ عمل الأطفال من قبل شيئًا رائعًا كما يصوّرونه!

وبينما يبدو أننا نزداد جديةً ونشاطًا في العمل، فلا تبدو الإنتاجية مساوية للتقدم في عدد العاملين. فالفقر بين الأطفال يزداد سوءًا، وأكثر من ثلثي الأطفال الفقراء في بريطانيا ينحدرون من أسر يعمل بها أحد الأبوين على الأقل. الوضع يزداد صعوبة على حزب المحافظين البريطاني في اعتماد على حجة أن العمل هو الطريق الأفضل للتخلص من الفقر!

مجرد دكان: كيف أنتج تطبيق “لينكد إن” صيغة أدبية جديدة

اليوم، في القرن الحادي والعشرين العظيم، هناك شكل جديد من التعبير الشعري يُسمى “شعر الدكاكين في لينكد إن”. إذا كنت تصفحت شبكتك الاحترافية على التطبيق خلال الشهور الأخيرة، فلعلك مرت بمثل شعر الدكاكين هذا، المعروف أيضًا بـ”لينكد إن هايكو” نسبةً إلى نمط شعري ياباني منتظم الشكل.

عادةً ما يصيغ مثل هذا الشعر شخص يتضمن مسماه الوظيفي كلمة “المعلم Guru” أو “المؤثر Influencer” أو “المبشر Evangelist”، ويتكون من حكاية مبتذلة تبدو كحكاية ملهمة، وتُحكى في عدة فقرات من سطر واحد، مثل: “فشلت موظفة مُحتملة في مقابلة العمل/ومع ذلك وظّفتُها بالشركة/لماذا؟/لأنني رأيتُ فيها شيئًا لا يمكن قياسه/وانتصرت رؤيتي في النهاية…”، وهكذا يروي نحو 20 عبارة بنفس الشكل وينتهي بنتيجة يهنئ نفسه عليها!

ما الذي يجعل هذا الشيء التافه كهذا يشتهر؟ إنه لنفس السبب الذي يشتهر بواسطته كل شيء في عالم اليوم: أي الطريقة الحسابية في التعامل مع الأمور. في العام الماضي، اكتشف أحد “عباقرة” مواقع التواصل أن الكتابة بهذه الطريقة تنجح بشدة على “لينكد إن”، وبالتالي وُلد هذا النوع الجديد من “الأدب” حتى برغم لعبة الاحتمالية في أي عملية حسابية غير مباشرة!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق