كم فرانكو وراء انفصال كتالونيا؟ .. صراعات من زمن الأندلس

حين اغتال الديكتاتور رئيس نادي برشلونة  وحين كانت كتالونيا الجزء الأسباني الوحيد الذي لم ينضم لحكم الأندلس


كتبت- مي عبد الغني

تشغل كتالونيا الرآي العام العالمي بسبب إعلان مواطني الإقليم الباسكالي الانفصال عن إسبانيا، من جانب واحد، إثر استفتاء أكتوبر الأخير الذي رفضته الحكومة الإسبانية وأشعل الحرب بينهم. العديد من التفسيرات والنظريات التي تفسر رغبة الكتالونيين في الانفصال، إلا أن الحكاية لها رواسب قديمة، و دخان لم تنطفأ ناره بعد.

كانت كاتالونيا هي الجزء الوحيد من شبه الجزيرة الإيبيرية الذي لم ينضم لمملكة المسلمين في الأندلس، وكانت الحاجز بينهم وبين القشتاليين. الكاتالان قومية مستقلة ترى نفسها أمة لها قومية ولغة وهوية وعلم، و يعتبرون صلح البرانس 1659، بين فرنسا وإسبانيا تاريخ بداية احتلالهم من قبل الأخيرة. ويرون أن الاتحاد مع أسبانيا مسار فرضه عليهم حكم فرناندو وإيزابيلا.

فرناندو وإيزابيلا

ويرى المحللون أن النزعة القومية هي أهم محركات الانفصال، فإن شعور الكتالان بأنهم مضطهدون من قبل الأسبان نتيجة للتاريخ الطويل من الترهيب والانفصال والانضمام للتاج الأسباني تحت أسماء عدة في عصور مختلفة، يعزز من وجود حالة استقلالية يعززها أهل الإقليم بالحفاظ على مظاهر هويتهم وتمييزها عن الأسبان حتى في المأكل والملبس و مظاهر الثقافة.

الحرب تحرق ثوب كتالونيا المستقل

كانت الثلاثينات من القرن الماضي فترة مضطربة في أوروبا كلها راج فيها نجم الفاشية؛ ففي ألمانيا اكتسح هتلر الانتخابات و حصدت خطاباته الملتهبة دعم الملايين، واستبد موسوليني بإيطاليا، وفي إسبانيا قام صديقهم الجنرال فرانكو بالانقلاب على السلطة الحاكمة  في الثامن عشر من يوليو عام 1936. دعم هتلر وموسوليني انقلاب فرانكو ما أشعل الحرب الأهلية الأسبانية.

اقرأ ايضاً :   فيديو: برهامي إلى السيسي: "نحاججك عند الله" ..وفشلت في إقناع أولادي بالتصويت


مظاهرات كاتالونيا أثناء الحرب الأهلية ضد انقلاب فرانكو

“قاوموا قاوموا ..  خاربوا بأي سلاح ألقوا بالماء المغلي على الخونة اهجموا على العدو بسكاكين المطابخ ومناجل القمح .. اقلعوا عيونهم.. دافعوا عن الأرض .. من الأفضل أن تموتوا واقفين لا أن تعيشوا راكعين .. لن يمروا”  من أدبيات الحرب الأهلية. 

وفي مارس 1939 دخل جيش الوطنيين بقيادة فرانكو مدينة أراجون بمساندة طائرات هتلر. وضيق دعم موسوليني البري الخناق على الجمهوريين. ومن قاعدة مايوركا استمر الإيطاليون بقصف المدن الأسبانية بشكل مروع قتل خلاله 600 ألف مدني في بضعة أيام من أوائل إبريل، الأمر الذي أثار استنكر العالم كله ، ودفع بابا الفاتيكان إلى المطالبة بإيقاف القصف.

استمرت  الحرب ثلاث سنوات وحصدت أرواح نصف مليون من الإسبان، وانتصر فرانكو فيها وبدأ حكماً ديكتاتورياً في البلاد.

فرانشيسكو فرانكو بصحبة هتلر

فرانكو  الذي لا يحب الكتالان

فرانشيسكو فرانكو اسم يعرفه الأسبان جيداً، ولا يحبونه، لكن أكثرهم كراهةً له هم الكتالونيين.

وبعد حصار الكازار في توليدو إحدى أهم مراحل الحرب الأهلية، أعلن فرانكو إلغاء الحكم الذاتي لكتالونيا ورفض استقلالها.

وكانت أولى قراراته إلغاء اللغة الكتالونية والعلم الكتالوني والنشيد الوطني، وأصدر مرسوماً بقتل أي مواطن كتالوني يضبط وهو يتحدث بلغته بدلاً من الأسبانية على الفور!

حتى الكرة اللعبة الشعبية لم تسلم من سوداوية فرانكو. كان فريق ريال مدريد هو النادي الملكي منذ عهد “ألفونسو الثالث عشر” 1939، وبرشلونة هو الفريق الشعبي لإقليم كتالونيا والمنافس الأبرز للريال.

الكلاسيكو الملطخ بالدماء 

قام فرانكو بدعم إضافي للريال واعتبره الابن المدلل له. قام بقتل “جوسيب سينول” رئيس نادي برشلونة لانخراطه في الحركة الفدائية المقاومة للانقلاب، ثم عين ” إنريكي بينيرو” أحد الموالين له، ومن غير الكاتالان، رئيساً للنادي. و قبل أن يبدأ النجم  “ألفريدو ديستفانو” اللعب لصالح البرسا بعد توقيع عقوده، اختطف لفترة، ثم ظهر وأُعلن أنه سيلعب لصالح الريال، بعد تدخل الديكتاتورية الخفي.

اقرأ ايضاً :   حبس نقيب الصحفيين والبلشي وعبد الرحيم عامين

وفي مبارة الكلاسيكو التاريخية عام 1943 في منتصف نهائي كأس العالم للأندية، انتصرت برشلونة بثلاثية، تلتها أحداث شغب ضخمة بعد المباراة. و في مباراة الإياب على ملعب الريال، هدد الجمهور المدريدي فريق برشلونة الكتالاني، وكانت المباراة فضيحة دولية ، طرد فيها الحكم المتحيز لاعب برشلونة وانتصر الريال ب 11 هدف مقابل هدف واحد لفريق برشلونة الذي فضل عدم الانسحاب والاستمرار في المباراة.

ا

جريدة المارسا الأسبانية صبيحة فوز الريال الملطخ

ورفع برشلونة شعار ” أكثر من مجرد نادي” على ناديه: مقاومة لمحاولة فرانكو محو الهوية الكتالونية، اعتبر الكتالان فريق برشلونة كامتداد لإعلان هويتهم لا مجرد ممثل للكرة.

” إنها عيون الرجال الذين يركضون ويصرخون ، عيون المتعبين والحزانى والمجانين. عيون الرجال الين يحبون ويكرهون. عيون الجرحى المخضبة بالدماء وعيون الموتى المشرعة”

مستقلون ولكن

أعيد العمل بقانون الحكم الذاتي في كتالونيا عام ١٩٧٩، وبعد المحاولة الفاشلة للانقلاب العسكري في فبراير عام 1981، أقرت الحكومة الإسبانية، وبموافقة الملك خوان كارلوس على وجود ١٧ إقليمًا.

احتفال مواطني كاتالونيا بالحكم الذاتي

بعد سقوط فرانكو، صوت الكتالان، ضمن الاستفتاء الشعبي العام، لصالح الدستور الجديد الذي نص على  «وحدة الأمة الإسبانية التي لا تنفصم»، لكنهأيضاً ضمن حق «الحكم الذاتي للقوميات والأقليات والأقاليم التي تتكون منها إسبانيا»، وكانت نتيجة الاستفتاء 90 %. وفي عام 1979 عادت كتالونيا للحكم الذاتي للإقليم وشكلت قوة أمن خاصة بها، لكنها تركت للحكومة الأسبانية الموحدة مسؤولية التعليم والصحة والثقافة والسياسة.

كما استعادت معالم هويتها بالاعتراف باللغة الكتالونية كلغة رسمية إلى جانب الأسبانية، ورفعوا علم الإقليم جوار علم الدولة.

 

نحن أمة نحن من نقرر

أرادت الأقاليم المستقلة ومن بينها “كتالونيا” توسيع صلاحيات الحكم الذاتي فقامت  الحكومة باستفتاء على قانون الحكم الذاتي عام 2006.

صدر تعديل القانون متضمناً عبارة ” كتالونيا أمة .. ” فاعترض عليه حزب الشعب المعارض وطعن عليه أمام المحكمة الدستورية الأسبانية التي أقرت بحذفه عام 2010.

اقرأ ايضاً :   مصدر أمني: حجب 21 موقعا إلكترونيا داخل مصر

لم يقبل الكتالونيون هذا التعديل، وبدؤوا تظاهرات ضخمة تحت شعارات ” نحن أمة نحن من نقرر” .

أنشوطة جديدة تخنق الاستقلال

 أقام  أرتور مارس رئيس الحكومة الكتالوني استفتاء رمزي، في نوفمبر 2012،  شارك فيه 37 % من المواطنين وجاءت نتيجته لصالح الاستقلال، و أعلن على إثره  إجراء إنتخابات مبكرة لتقرير مسأله انفصال الإقليم عن أسبانيا. وبعد عدة محاولات آخرى لإقامة استفتاء شعبي، عرقلت المحكمة الدستورية الأسبانية الإستفتاء بحجة مخالفته للدستور.

وفي السادس من سبتمبر 2017 صدر قرار البرلمان الكتالوني بالاستقلال، الأمر الذي أعلنت بعده حكومة مدريد المركزية السيطرة على جهاز الشرطة الكتالوني لمنعهم من الاستقلال.

و في الشمال تتأهب أخوات كتالونيا لنتيجة استقلالها. فإن الأندلس الذي يخصنا وعاصمته قرطبة مازال على صراع مع الحكومة المركزية بشأن الحكم الذاتي إذ تحتفظ ذاكرته التاريخية بجرائم القشتاليين الدموية ومحاكم تفتيشهم، وتتزايد فيه الدعاوى الانفصالية. بينما أزمة الباسكال الحدودية وحركة إيتا الانفصالية- التي اتسخ صراعها مع أسبانيا بالكثير من الدماء- لم تنتهي، وترقب محاولات كتالونيا بعين الأهمية.

مازال مصير الاستقلال مجهولاً، فقد أعلن كارلوس بيغمونت حاكم كتالونيا أنه لاتواصل بينه وبين مدريد، و في القصر الملكي خرج فيليب السادس يصف ما فعله الكتالان بأنهم ” وضعوا أنفسهم تحت طائلة الخروج عن القانون”. وفي الشوارع خرج الآلاف من المتظاهرين مارست ضدهم الشرطة الأسبانية انتهاكات عديدة أدت إلى جرح واعتقال الكثيرين.

مي عبدالغني

مي عبدالغني