زحمة

كبير محرري الرياضة في “إندبندنت”: محمد صلاح الذي “وخز الفقاعة”

هذا الموسم صار العالم الأوسع  يتعرف  على  صلاح ليس فقط كلاعب بل كظاهرة الثقافية.

المصدر: Independent – Jonathan Liew

ترجمة: ماري مراد

في النهاية، يصل معظم متابعي كرة القدم إلى سن يفهمون فيه، على مضض، ما يفهمه بالفطرة مشجعو الرياضات الأخرى: معظم الناس ليس لديهم الاهتمام الهوسي والشغف اليومي مدى الحياة بما يشجعونه. وخلال معظم الأسابيع العادية، فإن هوس كرة القدم- شأنه شأن أي نوع آخر من الهوس- يوجد إلى حد كبير داخل فقاعة، لا يسكنها إلا “المؤمنين بها”.

  على الرغم من ذلك، يحدث أحيانا أن تقع ” وخزة” لهذه الفقاعة. وحتى إذا كنا مدركين، على بعض المستويات المخلخلة والمشوشة، أن محمد صلاح مهم بطريقة لا يتمتع بها سوى عدد قليل جدا من لاعبي كرة القدم هذه الأيام، كان هناك إحساس مذهل بشكل مبهم لرؤيته في القائمة الرئيسية لـ” O’Clock News” الذي يُعرض على ” BBC” الليلة الماضية، جنبا إلى جنب مع قصص التحقيق في برج جرينفيل، والزواج الملكي، والعقوبات الأمريكية على إيران- تعلمون، أخبار حقيقية.

نعم، هذه فيونا بروس الحقيقية تتحدث عن محمد صلاح الحقيقي، وبالمناسبة، تنطق اسم عائلته بإجادة مع الضغط على المقطع الثاني، ولكن بشق الأنفس.

كانت القصة من مدينة نجريج مسقط رأس صلاح في مصر، وحتى بدون مشاهدتها يمكنك تصويرها. يتم فحص جميع المجازات المعتادة: المرأة التي تمشي في الشارع مع سلة على رأسها، شاحنة بيكسل دايهاتسو التي تحمل صور صلاح، والأطفال الذين يركلون الكرة على أرض ملعب محاط بسياج. تقول المراسلة: “من هذه المدينة الهادئة، وحّد محمد صلاح المصريين من جميع الخلفيات، وربح قلوبهم بنجاحه في الملعب وخارجه”.

nagrig-salah.jpg

ربما لاحظت الكثير من هذه الأشياء خلال الأسابيع الأخيرة. منذ نهاية العام الماضي وبداية العام الجديد، عندما أصبح واضحًا أن موسم صلاح الأول لليفربول سيكون نوعًا من حملة مبدعة ومثيرة للإعجاب سيتم تذكرها لسنوات مقبلة، أصبح العالم الأوسع يتعرف تدريجيًا على صلاح ليس كمجرد لاعب كرة قدم، ولكن كنوع من ظاهرة ثقافية، وخبرة بشرية مشتركة، تمثل فيها الأهداف والأوسمة جزءا صغيرا.

اقرأ ايضاً :   الجارديان: تيلرسون كان كارثة لواشنطن وبومبيو ربما يكون أسوأ

في الأسبوع الماضي، وضع المتحف البريطاني في لندن حذاء صلاح الأخضر لكرة القدم كجزء من معرض مصر الحديث. وصوّت أكثر من مليون مصري لصالحه في الانتخابات الرئاسية في مارس، رغم العائق النظري لصلاح وهو عدم ترشحه. وقد تم تسمية الشوارع ومركز للشباب على اسمه في نجريج، حيث دفع أيضا ثمن جهاز غسيل الكلى، ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي، ومدرسة، ومسجد.

وبعيدا عن ذلك، منحته المملكة العربية السعودية قطعة أرض في مكة المكرمة، اعترافًا بدوره كمصدر إلهام للمسلمين والعرب في جميع أنحاء العالم. وبطريقة ما، يلامس صلاح الأماكن التي عادة ما تصارع كرة القدم الحديثة، بثرثرتها غير المتناهية ونطاقها الشامل، للوصول إليها. كل شيء رائع بالطبع، وحسن النية بشكل كامل تقريبا، ومع ذلك – حتى في ضوء عمله المذهلة هذا الموسم – لا يزال هناك شيء ما حول صيحة صلاح الطائشة التي تبدو رواية غريبة ومثيرة للارتباك.

إليكم نظريتي: أولئك الذين يشغلون أنفسهم بكرة القدم على أساس يومي – مثل الكتّاب والمشجعين، أنصارًا ومستهلكين- يخفون اشتياقا عميقا لأن تعني كرة القدم شيئا أكبر. شيء من شأنه أن يبرر المبالغ غير الحكيمة لأموالنا ووقتنا التي قضيناه سعيا إليها: عدد الأميال التي لا حصر لها التي خضناها، والارتباطات الاجتماعية التي لا تعد ولا تحصى – وصولاً إلى مستوى حفل الزفاف- التي أعيد ترتيبها حول جدول المباريات. لا يمكن أن يكون الأمر كذلك بالنسبة إلى مجموعة من اللاعبين يرتدون تيشرتات ضيقة يركضون وراء كرة لمدة 11 شهراً من السنة. بالتأكيد كان هناك أكثر من ذلك.

المشكلة هي أنه عندما تمثل كرة القدم شيئًا أكبر، فإنها تميل إلى أن تكون انعكاسًا للطبيعة البشرية الفاسدة. الخداع والجشع. النفاق والغضب. اللامبالاة وعدم الكفاءة. العنصرية والتمييز على أساس الجنس. في الأعماق، في قلب هذه اللعبة الملوثة، نريد أن نعتقد أن هناك شيء واحد صاف يكمن فيها.

اقرأ ايضاً :   فيديو.. ميلر "تغطس" لخط النهاية في سباق العدو 400 متر

salah-kop-one-use.jpg

وهكذا، في الفجوة بين السذاجة والسخرية: أدخل محمد صلاح بناء الجسور الثقافية. توحيد الناس من مختلف الأديان والخلفيات. إصلاح النسيج الاجتماعي. توحيد شعب بأكمله من خلال الإعجاب به.

حتى مع اقترابنا من نهائي دوري الأبطال وكأس العالم، نقوم نهجنا النهائي لقمة صلاح، فإن فكرة كرة القدم هي بمثابة تأثير خيري حقيقي – ليست لعبة، أو عملا تجاريا، أو جدل حواري عبر الهاتف اللاسلكي، أو فرصة العلامة التجارية – لا تزال سريالية للغاية. كرة القدم؟ كقوة للخير، تقول؟ أنت جديد هنا، أليس كذلك؟

هناك مشكلة هنا بالطبع. لن يحدث هذا في الواقع. قد يستمر صلاح في تسجيل الأهداف بالمئات، وملء الفراغ الذي خلق على مدى السنوات القليلة المقبلة من خلال تراجع ميسي وانسحاب رونالدو، حتى تشييد مدرسة أو اثنين. لكنه لا يستطيع أن يرقى إلى مستوى توقعاتنا منه، لأن هذه التوقعات قد تم عرضها بالفعل بمستوى يفوق قدرته. صلاح سوف يكون له أخطاء. سيلعب بشكل سيئ، وربما يكون لديه مواسم سيئة. سوف يفعل أشياء غبية، لأنه إنسان.

وهو ما لا يجعل أي من الإعجاب بصلاح الحالي أقل صحة أو إخلاصا، بالطبع. طالما نعرف بالضبط ما يحدث هنا. نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا بين ليفربول وريال مدريد يجري تصوره بالفعل على أنه “المستضعف الشجاع  بطل الطبقة العاملة القاهر” ضد “إمبراطورية الشر مع لاعب أسمى ابنه كريستيانو جونيور”.

ولرؤية التبجيل والحماسة التي ألهمها صلاح خلال الأشهر الأخيرة ،   يقول أحد الأطفال في تقرير “BBC news” ، ربما حوالي 8 أو 9 أعوام، “عندما أراه يلعب، أشعر بأنني ألعب”، مضيفا: “أشعر بالامتنان لأن صلاح من بلدتنا”.

في يوم من الأيام، بلا شك، سيتعلم أن الآلهة غير خالدة، وأن الأبطال بشر، وأن كرة القدم، مثل الحياة، لا تنسجم مع أمثال متقنة من الخير والشر. لكنك تأمل آلا يحدث ذلك لفترة من الوقت.

اقرأ ايضاً :   معجزة بارالمبية: أبطال سباق 1500 متر يكسرون رقم الأًصحاء في ريو

ماري مراد

ماري مراد




الأعلى قراءة لهذا الشهر