سياسة

قصتي: من قيادي في ثورة يناير إلى لاجيء في سان فرانسيسكو

قصتي: من قيادي في ثورة يناير إلى لاجيء في سان فرانسيسكو

Priceonomics – من كتاب “مقبوض عليك بسبب التخطيط للثورة” – لأحمد صلاح وأليكس ماياسي

إعداد وترجمة: محمد الصباغ

 

في كل مرة تدخل فيها الشرطة إلى المجمع السكني الذي أقطنه، تعاودني ذكرياتي مع الشرطة المصرية حينما اعتدت علي بالضرب، وهددتني بالقتل، وأخبرتني أن موتي سيكون بلا ثمن .

كان عليّ أن أُذكِر نفسي بأنني لست في القاهرة بعد، حيث ألقى جهاز الشرطة القبض علي بتهمة ”التخطيط للثورة المصرية“. أنا الآن لاجيء أعمل بوظيفة مكتبية تمنحني ما يساوي الحد الأدني للأجور هنا  وأعيش في مجمع سكني بسان فرانسيسكو، وتحديداً في ضاحية قاسية هي تندرلوين، حيث اعتدنا أن تأتي الشرطة للتحقيق فيما تلتقطه الكاميرات المنتشرة من عمليات سرقة وطعن بشكل منتظم.

عندما رأيت الشرطة، تذكرت العقد الذي حاربت فيه من أجل تحرير بلدي مصر من الدولة البوليسية. كنت ناشطًا ديمقراطيًا منذ 2004، وحينها وقفت في وسط القاهرة مع 300 متظاهر رافعين لافتات تطالب بالقضاء على الفساد وإنهاء حكم حسني مبارك، الديكتاتور الذي حكم مصر لثلاثة عقود.

كنت في قيادة الحركات الاحتجاجية لأربعة سنوات، ونجوت من إضراب عن الطعام، والتعذيب والسجن، ودرّبت نشطاء على قيادة المسيرات في يوم الثورة. وتُوج كل ذلك عندما أتى أفضل أيام حياتي: الحادي عشر من فبراير سنة 2011، عندما تنحى حسني مبارك وبدأ المصريون في الغناء وأطلقوا الألعاب النارية في الشوارع.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، عشت بمنفى اختياري في سان فرانسيسكو. هربت من محاولات القتل التي تعرضت لها وعناوين الصحف التي صورتني كخائن. وجدت هنا الأمان وألم التشرد والفقدان كل هذا معًا. كل ما أردته هو أن نكون نحن المصريين أحرارًا. والآن، في كل يوم، أعاني من أجل الحصول على مال كاف لشراء قطعة بيتزا. وهدفي الأكبر هو ألا أصبح مشردًا يوما ما.

تابعت ما يحدث في مصر من انهيار انجازات ثورتنا. شاهدت سياسيين ورجال أعمال فاسدين يغادرون السجون ويعودون إلى السلطة. ورأيت الشرطة تسجن وتهاجم أصدقائي وزملائي من النشطاء بما فيهم خطيبتي.

كان والدي سياسياً ومنذ سن التاسعة ذهبت معه إلى الاجتماعات الحزبية وجلست بجواره أثناء لقائه بكبار العائلات القوية. تلقيت أقبح الدروس في كيف يُصنع ديكتاتور ديمقراطية زائفة. ترشح والدي للانتخابات البرلمانية 3 مرات وفشل فيها جميعًا ضد أعضاء من الحزب الوطني الذي كان أحد أسباب فساد حياتنا. وفي عام 1993، حيث كان عمري 24 عاماً، أخبرني والدي المريض، 64 عاماً، بشعوره بالإحباط، وأنه أضاع عمره في السياسة ونصحني بعدم فعل الشئ ذاته ووعدته بالفعل. ثم مات بعد أسبوعين.

كان بمقدوري أن أعمل في القاهرة كمترجم أو مدرس وأحظى بحياة هادئة. عاش المصريون في المقابر وكان راتب الأطباء أقل من 60 دولارًا شهرياً خلال عام 2003، لكنني لم أستطع القيام بشئ. فقد وعدت والدي بأن أتجنب السياسة. لكن حياتي تغيّرت مع غزو الولايات المتحدة للعراق.

انضممت للتظاهرات في مارس 2003 بميدان التحرير ضد الغزو، ورأيت مشهداً مهيباً، فقد احتل آلاف المتظاهرين الميدان. لم أر أي تواجد للشرطة، ومع الشعارات واللافتات والميدان الممتلئ شعرت كأنني حر لأول مرة في حياتي.

لم يستمر ذلك طويلاً، فقد هاجمتنا قوات الشرطة عند محاولتنا الخروج بمسيرة من الميدان، وهربت دون أي أضرار لكنني كنت قد رأيت أجساداً تنزف، وفقد بعض المتظاهرون وعيهم.

 

كانت الرسالة واضحة، لا تتحدى الحكومة.

في الأعوام من 2005 إلى 2012 كرّست حياتي للعمل كناشط، وعملت فقط كمدرس للغة العربية لدفع الفواتير. مكنني ذلك من لعب دور قيادي في ثلاثة من أهم الحركات المعارضة المصرية: كنت من بين سبعة في الهيكل الإداري لحركة كفاية، والمنسق العام لحركة شباب من أجل التغيير التي تحالفت مع كفاية، وفي 2008، شاركت في تأسيس حركة 6 إبريل مع المهندس المصري أحمد ماهر.

 

ما يجعل عمل النشطاء صعب هو أنهم مثاليين في عالم غير مثالي. يدعون إلى السلمية ضد ممارسات حكومة تمتلك دبابات وسجون سرية وموارد لا حدود لها.

في بعض الأحيان شعرت أن لعملي أهمية ويتم تقديره، وبالطبع حفّزني ذلك. تفاوضت على اتفاقيات بين النشطاء والجماعات السياسية كالإخوان المسلمين. ونظمت مظاهرات وجادلت المأجورين الحكوميين على القنوات الفضائية. قابلت سفراء وأعضاء بالكونجرس، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. وأحد تلك الاجتماعات أصبح سيئ السمعة عندما نشر موقع ويكيليكس عن لقائي بالسفيرة الأمريكية بالقاهرة.

 

الأمران اللذان أبقياني مستمراً في هذا العمل رغم الخطورة التي تحيط به هما أبي وخطيبتي. فعندما أصاب بالإحباط أتذكر مثابرة أبي خلال عقود من الأزمات. أما خطيبتي، ماهيتاب الجيلاني، والتي التقيت بها عام 2005، وأعلنت خطوبتنا في العام التالي، فقد كانت هي من تشجعني على المحاولة مهما تراجعت عزيمتي. ومع النداءات التي كانت تدعو إلى التظاهر عام 2011 من جانب النشطاء، شعرت بتشكك عميق فيما يخص نجاح كل ذلك.

تجرّأ النشطاء في مصر على الحديث عن الثورة فقط لأنهم تابعوا هرب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011 من بلاده. تابع المصريون الثورة التونسية على الهواء، وأحدث هذا صدعًا كبير في الإحساس بأن الإطاحة بالمستبدين العرب أمرًا مستحيلًا.

التقيت بثمانين ناشطاً للوصول إلى خطة. كنا من أحزاب وجماعات معارضة مختلفة، وقضى أغلبنا عقد كامل في اجتماعات مثل هذه. انتهى اجتماعنا بإحباط واتفقنا على لا شئ سوى حقيقة أننا لا نمتلك عدد كاف من النشطاء للخروج في مظاهرة ضخمة. نادراً ما ذكرنا فيسبوك وتويتر. قد يفاجئ ذلك القراء الذين تابعوا وسائل الإعلام تصف الثورة المصرية ب”ثورة الفيسبوك“.

لكن كنا نشعر أنه لا يمكنك تنظيم ثورة إلكترونية، على الأقل في مصر.

 

لكن وائل غنيم استخدم صفحة كلنا خالد سعيد على الفيسبوك لدعم المظاهرات التي أشعلت الثورة المصرية.

هنا أدركت لماذا نسب الخارج الثورة لأشخاص مثل وائل غنيم. منشورات الفيسبوك مرئية أكثر من الاجتماعات السرية، والمصريون الذي يتحدثون الإنجليزية وظهروا على سي إن إن لديهم هواتف ذكية.

لكن فكرة أن النشطاء نظموا الثورة من على الإنترنت سخيفة. رأيت إحصائيات تشير إلى أن 25% من المصريين في 2011 هم من كان لديهم إنترنت، وأن 10% استخدموا الخدمة مرة واحدة على الأقل. ما أعرفه هو أنني لا يمكن أن اعتمد على نشطاء يتفقدون بريدهم الإلكتروني مرة أسبوعياً!

تنظيم المظاهرات عبر الإنترنت يضمن الوصول إلى عدد كبير من الصحفيين والأشخاص، لكن أيضاً يعتبر رسالة إلى الشرطة بما تخطط له. واكتشفت في الأسبوع الذي سبق 25 يناير، يوم ثورتنا المخطط لها، أننا في حاجة إلى خطة جديدة.

وبعد اجتماع محبط مع النشطاء الديمقراطيين، قررت انتهاج مسار آخر لمعرفة كيف نجعل المصريين ينزلون إلى الشوارع. قضيت ساعات وتقمّصت دور صحفي لمقابلة المصريين. بدأت بسؤالهم عما إذا كانوا يخططون للمشاركة في 25 يناير. كانت إجابتهم: ”أي مظاهرات؟“

كان الشعور أفضل حينما سألتهم عن رأيهم في حسني مبارك. بعضهم تحدث كالدعايا الإعلانية عن ”رئيسنا القوي الحكيم.“ لكن كثيرون اتفقوا معي. فقالت فتاة شابة: ”هذه أكثر الحكومات فساداً في تاريخ مصر.“

مع هؤلاء الأشخاص أفصحت عن كوني ناشطاً يخطط للتظاهر. سألت: ”هل ستنضم إلينا؟“ وكانت الإجابة: ”لا.“ ونظروا نحوي كأحمق. لكن ما علق بذهني هو أن الكثير منهم قالوا أنهم سينزلون إلى الشارع في ظروف معينة، فصرّح أحدهم: ”لو جاء يوم الثورة وكان حدثاً حقيقياً، سأواجه أي شئ.“

في اليوم التالي جائتني فكرة: لن نعلن عن مكان واحد للتظاهرات. لو تجمعنا في ميدان واحد، سنبدو كمجموعة صغيرة (مثل الحمقى الأغبياء، كما قالها شخص تحدّثت معه في الشارع) وستنتظرنا قوات الأمن في مكان تجمعها وتلقي القبض علينا. لكن بدلاً من ذلك، من الممكن أن نقوم بمظاهرات في كل ضاحية، وعلى أرصفة الشوارع مما سيعطي إيحاء للناس بأن الأمر ضخم ويقنع المصريين بأن يوم الثورة قد جاء.

أقنعت ماهيتاب والنشطاء من أصدقائي بالخطة وعملت على تدريب الأشخاص لاتباع تلك الخطة في الخامس والعشرين من يناير. أوصلني أعضاء من كفاية وحركة شباب من أجل التغيير والسادس من إبريل بالنشطاء والأشخاص المهتمين بالسياسة في القاهرة والإسكندرية والسويس.

قدمتني ماهيتاب إلى غرفة مليئة بالأشخاص وتقوم بضغط زر تسجيل أتحدث فيه عن الثورة وأوضِّح خطة التظاهرات في 25 يناير.

حاولت إخفاء حقيقة أنني لم أعلم ما إذا كنا سننجح أم لا. لكن فاق النجاح كل التوقعات. وكما خططنا، سرنا في ضواحي القاهرة لساعات، لنحث من في الشارع على الانضمام. ومع وصولنا إلى الشوارع الرئيسية ملأناها. ومع وصولنا إلى ميدان التحرير، كانت الأعداد كافية لمواجهة الشرطة.

 

قد يتعجب البعض من تأكيدي على التقائنا بالناس في الشوارع بشكل شخصي ومطالبتنا لهم بالتظاهر. أن استخدام الإنترنت لم يكن السبب الرئيسي في نجاحنا. وأنا أتفهم تعجبهم ذلك. لقد أبقينا تلك الخطط سرية، بينما الصحفيين يمكنهم بسهولة الوصول إلى صفحات الفيسبوك والحديث عن دورهم في حشد الناس.

وفي 25 يناير، لم يتوجه المتظاهرون مباشرة إلى ميدان التحرير. بدلاً من ذلك كونوا عشرات المسيرات في ضواحي مختلفة.

تسرّبت خططنا وفي 27 يناير، نشرت ذا أتلانتيك، دليل قام بإعداده نشطاء الشارع. حذّر الدليل المصريون من ”توزيع الخطة عبر البريد الإلكتروني.“ لأن ”تويتر وفيسبوك مراقبين.“ احتلت المسيرات المكونة من آلاف المصريين الميادين الرئيسية في القاهرة والإسكندرية والسويس ومدن أخرى.

قضيت أخطر أسبوعين في حياتي بميدان التحرير، وأحببت كل دقيقة فيهما. فبعد عشر سنوات من العمل كناشط سياسي، أخيراً جاء يوم الثورة.

لكن بعد الإطاحة بمبارك، أتى المجلس العسكري. لم يكن المجلس مهتماً بالتغيير لأنه في النهاية جزءًا من نظام فاسد. فاستمرت تظاهراتنا، مطالبين برحيل الجنرالات ونقل السلطة إلى المدنيين، لكننا أمام هذه المطالب واجهنا أقسى عملية قمع.

 

وبعد تسريبات ويكيليكس في 2011 التي كان بها معلومات عن لقائي بدبلوماسيين أمريكيين، كنت هدفا للقوى الأمنية ووسائل الإعلام. وصفتني صحف بارزة بالخائن الذي يتلقى تمويل من السي آي ايه لهدم مصر. ثم نجوت من محاولة قتل حين قام بعض الرجال يرتدون زيًا مدنيًا بخنقي وحملي إلى خارج ميدان التحرير رافعين سكاكين لطعني. أنقذني حينها مجموعة من النشطاء جاؤوا مع ماهيتاب واستطاعوا تخليصي من أيديهم.

بعد عام من الإطاحة بمبارك، بدأت تقبل فكرة أن علي الرحيل من مصر. كانت تأشيرتي سارية منذ زيارتي إلى أمريكا للقاء السياسيين، فرحلت إلى واشنطن. وكان آخر يوم لي في مصر هو 25 يناير 2012.

عند وصولي وماهيتاب –التي عادت بعد ذلك إلى مصر- إلى واشنطن استقبلونا كالأبطال. ونظّم أصدقاء مصريون لقاءات لي مع صحفيين ومسؤولين بالخارجية وأعضاء بالكونجرس. ألقيت محاضرات حول الثورة بعدة جامعات وفي مخيمات مجموعة ”احتلوا وول ستريت“.

تحولت الأسابيع إلى شهور، وتسبّبت آلاف الساعات من البعد عن الوطن في أزمة كبيرة لي. كنت أنتظر تحسن الأمور في مصر، لكن الأمر لم يحدث. شعرت أن منفاي خارج مصر سيكون دائماً، فتقدمت بطلب لجوء.

كان ذلك يعني أن علي مواجهة فكرة نفاد أموالي، فقانونياً لم يكن مسموح لي بالعمل حتى النظر في طلب لجوئي. وفي أحدى المرات ربحت بعض الأموال من تعليم العربية لبعض الأشخاص.

أطلعني أعضاء بالكونجرس سابقاً أن طلب اللجوء سيتم قبوله خلال 40 يوماً لأنني خاطرت بحياتي بلقاء أعضاء الكونجرس عام 2009. وبدلاً من ذلك استغرق عاما كاملا.

 

أحمد الثاني من اليسار، وماهيتاب في الصورة

بعد قبول طلب اللجوء، وجدت عملًا منذ عام. كان عملًا مكتبيًا صعبا لكنه يضمن لي الحد الأدنى للأجور.

الآن أعيش في سان فرانسيسكو منذ 3 سنوات، ولا أستطيع حتى الشكوى. لدي مكان للسكن، وأحب المدينة. لكن لا أعرف كيف أعيش حراً بينما يعاني المصريين.

لا أستطيع المساعدة، وأشعر بالمرارة لأنني فقدت كل شئ. عملت بجد وعانيت في مصر، وأجبرت على الرحيل وشاهدت الحكومة تُدمّر سمعتي. أشعر بالفخر لدوري الكبير في التاريخ، لكن الشعب الذي أثني علي في يوم من الأيام قد نسيني.

بين الحين والآخر، أفكر في والدي، وفي كل الرجال والنساء الذين يشبهونه. الأشخاص الذين يحاربون بقوة من أجل الحرية، لكن تفشل جهودهم في نهاية المطاف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق