سياسة

فورين بوليسي: ماذا كانت ستفعل واشنطن لو نجح انقلاب تركيا؟

فورين بوليسي: ماذا كانت ستفعل واشنطن لو نجح انقلاب تركيا؟

1037128363

Foreign Policy  – NICK DANFORTH

ترجمة: فاطمة لطفي

للولايات المتحدة سجل سيئ في دعم الديمقراطية في تركيا، لكن لم يفت الأوان لتغيير هذا

مع مواجهة الأزمة التي حدثت في تركيا والتي تمثلت في محاولة انقلاب على حكومة أردوغان خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، كان المسؤولون الأمريكيون حاسمين في رفضهم لمحاولات المتآمرين المنافية للديمقراطية. وبسؤال وزير الخارجية جون كيري الجمعة الماضية عن الانقلاب حيث كانت الأمور لا تزال تتكشف، قدم أولًا كيري دعما مبهما لـ”الاستقرار والسلام والاستمرارية”. لكن بعد فترة وجيزة، ورغم أنه ليس واضحًا بعد من هو الفائز الحقيقي، أطلق الرئيس أوباما دعوة واضحة لكل الأطراف لدعم الحكومة المنتخبة في تركيا. وبعد فشل الانقلاب، ذهب كيري لأبعد من ذلك، وحذر الرئيس رجب طيب أردوغان من أن حملته القمعية التي شنها بعد محاولة الانقلاب قد تشكل خطرًا على مسار الديمقراطية في تركيا. وحذر نظيره التركي قائلًا: “حلف الناتو يشترط احترام الديمقراطية”.

كان رد أوباما سريعا وجديرا بالإعجاب، وتعليقات كيري في حلف الناتو حادة أكثر مما توقعه المراقبون. لكن أفعال أمريكا السابقة ستنافي تصريحاتها اليوم. نظرة للوراء على علاقة الولايات المتحدة مع تركيا على مدى نصف القرن الماضي يمكنها أن توضح أن الديمقراطية قطعًا ليست اشتراطًا في عضوية حلف الناتو. ومهما قال أوباما ليلة الجمعة، يشير التاريخ إلى أنه بحلول صباح السبت، كانت واشنطن ستجد طريقة للتعاون مع من كان الفائز في أنقرة. ومع استمرارية وجود أردوغان المنتقم في سدة الحكم فإن الفترة المتوترة في علاقات أمريكا وتركيا قادمة بكل تأكيد. لكن التاريخ منح الرئيس التركي سببا كافيا للخوف من واشنطن.

بدأ التحالف بين أمريكا وتركيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما مدّتها واشنطن بدعم عسكري واقتصادي للوقاية من خطر الاجتياح السوفييتي. لم تكن تركيا ديمقراطية في هذا الوقت، لكن رجل أمريكا حينها لم يكن قلقًا طالما بقي الرئيس التركي “رجلا قويا على المسار الصحيح”. وبالحديث عن محادثات عام 1948، سأل مسؤول أمريكي مرة رئيس جهاز الأمن الوطني عما إذا كان يظن أن سلوك البلاد غير الديمقراطي قد يعرض استمرار دعم الولايات المتحدة لتركيا للخطر. كان رد المسؤول التركي وهو يضحك أنه طالما أن المساعدات لا تزال قائمة، فأمريكا مقتنعة تمامًا أن تركيا ديمقراطية”.

عقدت تركيا أول انتخابات لها عام 1950، في خطوة فاجأت المسؤولين في الولايات المتحدة بشكل لا يقل عن الانقلابات المتعددة، تنحت الحكومة بسلمية بعد الخسارة. ترتب على ذلك انضمام تركيا لحلف الناتو في عام 1952 في لحظة بدا أن مستقبلها كدولة ديمقراطية مشرقا، وملهما بموجة من الخطابات حول الطابع الديمقراطي للتحالف في واشنطن وأنقرة عل حد سواء.

لكن سرعان ما اتخذت الأمور منعطفًا للأسوأ مع سعي الحكومة الجديدة، التي لا تختلف عن أردوغان، إلى تعزيز تفويضها الديمقراطي عبر سبل غير ديمقراطية. وفي منتصف خمسينيات القرن العشرين، وجدت صحيفة نيويورك تايمز نفسها منزعجة حول قمع حرية الصحافة في تركيا. واستنتج الدبلوماسيون في الولايات المتحدة أن تركيا بعيدة عن الديمقراطية التي نعرفها. لكن مع توسع فاشيتها خلال الخمسينيات من القرن العشرين، ظلت الحكومة التركية معارضة بحزم للشيوعية ومؤيدة لأمريكا، والذي كان كافيًا لواشنطن للتغاضي عن أخطائها الأخرى.

وضد هذه الخلفيات، العقداء الذين رأسوا أول انقلاب في 1960 كانوا قلقين حول أن يقابلوا برفض من الولايات المتحدة لأسباب سياسية وليست مبدئية. وفي محاولة لاستباق أي مشاكل، أعلنوا في بيانهم الأول بعد توليهم السلطة، كيف أنهم ملتزمون بقوة مع حلف الناتو. عندما التقى سفير الولايات المتحدة مع القائد العسكري الجديد لتركيا بعدها بفترة وجيزة، بدأ بالثناء عليه لإزالة أي عقبات قد تنشأ بينهما بسبب الانقلاب الأسرع والأكثر كفاءة ودقة في وجهة نظره.

كان لدى قادة تركيا في الانقلابات اللاحقة سبب وجيه للقلق حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستوبخهم. وبالتأكيد، هذا لم يحدث. الانقلاب الثاني عام 1971، كان أقل درامية وصيغ بعبارات معادية للشيوعية، مما جعل من احتمالية اعتراض واشنطن أقل.

انقلاب تركيا التالي بعد ذلك، كان في عام 1980، الذي حظي بتأييد واسع من الشعب التركي، جعل من رد واشنطن المتساهل مفهومًا تمامًا. أصبحت البلاد في استقطاب متصاعد، مما أدى إلى شلل سياسي ومعارك شوارع مستمرة بين الجانب اليساري واليميني. وعندما خرج الجيش لإنهاء حالة الفوضى، تنفس الصعداء المراقبون الأمريكيون القلقون وبعض الأتراك. ومع ذلك، استمرت الولايات المتحدة في دعم الجيش التركي مع تعذيبه المعارضين وشنه لحملته الوحشية لمكافحة عصيان المتمردين الأكراد.

ومثير للسخرية، إذا أخذنا بعين الاعتبار إصرار كيري حول أن عضوية حلف الناتو تشترط الديمقراطية، كيف ألزم استمرار عضوية تركيا في حلف الناتو واشنطن بتنحية اتجاهاتها نحو الديمقراطية جانبًا. طالما ظلت أنقرة ملتزمة بحلف الناتو في جزء حيوي واستراتيجي في الكرة الأرضية، فهي تلبي واحدة من المتطلبات التي تهم بشكل أكبر.

التاريخ ليس أمرا حتميا. رغم ذلك، هناك أسباب تجعلنا نأمل أن حكومة الولايات المتحدة ستتخذ موقفًا أكثر حسمًا للدفاع عن الديمقراطية في تركيا في المستقبل. بيان كيري حول الديمقراطية وحلف الناتو مشجع بالتأكيد. الاتحاد السوفييتي ليس موجودًا الآن، لكن بالتأكيد على الولايات المتحدة الاعتماد على تركيا، وعلى قاعدة إنجرليك الجوية، وفي حربها ضد الدولة الإسلامية. هذا الاعتماد جعل من الصعب معارضة أفعال أردوغان المنافية للديمقراطية قبل الانقلاب الأخير، كما سيستمر في تقييد قدرة واشنطن على انتقاد أنقرة طالما التهديد قائمًا.

ماذا على واشنطن أن تفعل إذن، خاصة بعد توقع المراقبين تصاعد حملة أردوغان القمعية ضد معارضيه الحقيقيين والمتخيلين؟ الخطوة الأولى هي في إدراك أن أي مكاسب في الحرب ضد الدولة الإسلامية هي قصيرة المدى، إذا ما قورنت بتكلفة استقرار تركيا على المدى الطويل. في سلسلة التفجيرات التي حدثت خلال العام الماضي، قامت الدولة الإسلامية ببذل قصارة جهدها لزعزعة استقرار تركيا، مدركة أن هذا سيزيد من حرية تحركها استراتيجيًا في المنطقة. وكلما زادت سياسة أردوغان في قمع خصومه السياسيين، أصبح المجتمع التركي محطمًا. وزادت فرص الدولة الإسلامية في التدخل ونشر مزيد من الفوضى.

وكحل أكثر عملية، يمكن للمشرعين الأمريكيين زيادة نفوذهم على أنقرة من خلال النظر بجدية أكبر إلى بدائل عن قاعدة إنجرليك الجوية. ومن المتوقع أن يزيد التوتر بين البلدين خلال الشهور القادمة، تحديدًا بعدما طلبت تركيا من الولايات المتحدة تسليم رجل الدين المقيم في بنسلفانيا المتهم بتدبير الانقلاب. وسيكون من الأفضل لواشنطن إعادة النظر في علاقتها بأنقرة تبعًا لشروطها الخاصة وليس تبعًا لما تريده تركيا.

ستظل تركيا، ويجب أن تظل، عضوة في حلف الناتو، حيث إن الحلف يلعب دورًا هامًا في الحفاظ على الاستقرار في العالم، وهو مستمر في ذلك. لكن هذا الاحتياج لا يتطلب، كما حدث في الماضي، غض الطرف عن الحكومات غير الديمقراطية التي تتعارض مع روح هذا التحالف.

مقالات ذات صلة

إغلاق