سياسة

فورين بوليسي: فتيات الدبابات في الصومال.. ضد أمراء الحرب

فورين بوليسي: فتيات الدبابات في الصومال.. قتال للمرأة وضد “الشباب”

فورين بوليسي- كرليستينا جولدبوم

إعداد وترجمة: محمد الصباغ

الساعة التاسعة والنصف صباحًا بقاعدة العمليات أرابيسكا في جانب مقفر من الصومال، والكولونيل جولييت أويمانا تبدأ في اختبارات قيادة لدبابتها. هي وبقية المجموعة الثامنة عشرة الأوغندية القتالية في منطقة شبيلي السفلى منذ أسبوع، والتي تمزقها الحرب لكن المجموعة القتالية كانت بالفعل على درجة حذر كبيرة.

سيطر مسلحو الشباب على ثلاث قواعد عمليات مشابهة في العام الأخير، وقتلوا أكثر من مئة جندي. كما هاجموا أيضًا عشرات القواعد الأخرى، من بينهم واحدة تبعد ميلًا واحدًا عن موقعهم في أرابيسكا. لكن هذا الصباح كان هادئًا- ولذلك بدأت أويمانا تدريب قيادة دبابة من طراز T-55. جلست فوق مقعد معدني قبل أن تندفع الآلة للأمام، منفثة الدخان من الجنازير الضخمة التي تدور وسط الرمال بعمق كبير وسط تهديد بابتلاع المركبة بكاملها.

أويمانا واحدة من بين حوالي 500 سيدة في كتيبة أوغندية من قوات الاتحاد الإفريقي أو أميسوم (AMISOM)، القوات الإفريقية القوية التي يبلغ قوامها حوالي 17 ألفا ومهمتها قتال مجموعة الشباب وإنقاذ دولة القرن الإفريقي حتى يمكن الترسيخ لعملية سياسية. يخدمن  كسائقات وبالمدفعية وفنيات بوحدة المشاة الآلية -أدوار كانت ممنوعة على النساء في العسكرية الأمريكية حتى العام الماضي. لكن في الصومال، النساء بقوات حفظ السلام يخدمون في هذه المواقع منذ سنين.

المثير للإعجاب ليس فقط لأن الشباب من بين أخطر المجموعات الإرهابية في المنطقة، لكن أيضًا لأن الصومال بشكل عام بالنسبة للمرأة، أحد أخطر الأماكن العالم، وفقًا لإحصائيات وتصنيفات متنوعة.

لكن حقيقة أن قوات أميسوم بها كثير من النساء في أدوار قتالية ليست خطأ غير مقصود أو نتيجة يأس أو إحباط. هي مناورة استراتيجية. فالنساء في قوات حفظ السلام لديهن مهمة لا يقال عنها شيء لكنها واضحة: منع زملائهم الرجال من ارتكاب جرائم عنف جنسي ضد المدنيين ولدعم المبادرات الضعيفة للمساواة بين الجنسين في الصومال.

بعد جولة صعبة ووعرة حول حواجز القاعدة، طالبت الكولونيل ليهي تشيبيت، مسؤولة المدفعية على دبابة أويمانا منها أن تبطل المحرك.

لثلاثة عقود تقريبًا كانت الصومال هي المثال العالمي للدولة الفاشلة. بعد انهيار نظام الديكتاتور سياد بري عام 1991، سقطت الدولة في قبضة مزيج من أمراء الحرب المحليين الذين تسبب قتالهم العشائري الدموي في تدمير البنى التحتية والمحاصيل وقادوا البلاد إلى أحد أسوأ المجاعات التي عرفها العالم. ومن بين الفوضى خرجت جماعة الشباب الإرهابية، التي أعلنت ولاءها لتنظيم القاعدة واستولت على مساحات كبيرة من الدولة، من بينها أجزاء في العاصمة مقديشيو.

بدأت قوات حفظ السلام الإفريقية بعثتها في الصومال منذ عام 2007 بوصاية من مجلس الأمن أيضًا، لحماية البنية التحتية الصومالية والمسؤولين الحكوميين بجانب إيصال المساعدات الإنسانية. منذ ذلك الوقت، ازداد تواجد البعثة جغرافيًا وحجمًا ومن حيث المهام أيضًا. فمهمتهم الآن مترتبطة أكثر بمكافحة التمرد أكثر من حفظ السلام. طردت القوات جماعة الشباب من معظم المناطق الحضرية إلى مناطق ذات كثافة سكانية منخفضة مثل شبيلي السفلى، حيث دخل الطرفان في لعبة قد وفأر مميتة.

إرسال مقاتلات لقوات حفظ السلام كان استراتيجية من الأمم المتحدة لمواجهة العنف الجنسي منذ عام 2000. فالنساء يمكنهن الحديث بأريحية أكثر مع مسؤولات وليس ذكور، لذا إلحاق النساء بأصحاب القبعات الزرقاء يمكنه أن يسهل الأمور على النساء اللاتي يردن الإبلاغ عن عنف جنسي، وبالتالي تعزيز قدرات البعثات مثل أميسوم في التحقيق بمثل هذه الحالات.

مسؤولة المدفعية على الدبابة ستيلا روز
جولييت أويمانا
ليهي تشيبليت

تقول ماري شوبيل، أستاذة متخصصة في دراسات حل النزاعات بجامعة جنوب شرق نوفا بفلوريدا والتي دربت قوات حفظ السلام الأوغندية في الصومال: “هناك فكرة أن النساء لديهن تأثير حضاري، ربما يشعر بعض الرجال بالحرج أمام زميلاتهم عندما يتورطن في حالات كهذه. لكن طالما النساء في مركز قيادة ولديهن القدرة على فعل شيء، أنا واثقة من صنعهن الفارق.”

منذ تطبيق استراتيجية الأمم المتحدة، نسبة المرأة في قوات حفظ السلام تتراوح بين 3 إلى 4%. ووفقًا لبابلو كاستيو دياز، محلل أمني بالأمم المتحدة للمرأة، الوكالة المهتمة بالمساواة بين الجنسين: “كثير منهم في مواقع دعم، مثل وظائف الدعم الديني، حتى لو تم تدريبهن ليكن أكثر اتصالا بالسكان أو مهمات الحماية.”

نسبة السيدات في الكتيبة الأوغندية بقوات حفظ السلام الإفريقية ترتفع بقليل عن النسبة بقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بشكل عام فتصل إلى 6.6%. وتقبع أوغندا باستمرار في قاع مؤشر المساواة بين الجنسين الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية. لكن مع أكثر من 30% من هؤلاء النساء يخدمن في مواقع قتالية، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة في المستقبل.

بدأت أعداد النساء اللاتي يتدربن ويخدمن في مراكز قتالية في الارتفاع فقط بالآونة الأخيرة، مما يعني أن هناك عقدا أو أكثر من الانتظار حتى يصلن إلى مراكز القوة. وحتى مع تواجد ضباط نساء أكثر، يخشى الكثيرون أن ذلك لن يغير الثقافة شديدة الذكورية التي تسيطر على أغلب العسكريين في معظم قوات حفظ السلام.

ويقول شوبيل “الثقافة العسكرية لا تغيرها النساء، بل هي من تغير النساء. ذكورية جدا ومرتبطة بالنوع، ولن تتغير بسهولة. لذا لكي تنجحي كامرأة وترتقين إلى المناصب العليا، عليك تبني شخصية أو أن تتعاملي بطريقة ذكورية.”

مامونا كاهيندو
جولييت أويمانا

قد يكون حديثه صحيحًا في أماكن مثل أرابيسكا، قاعدة العمليات النائية حيث أيومانا وتشيبيت تعملان بجانب عدد قليل من النساء. لكن القاعدة العسكرية الرئيسية الأوغندية لقوات حفظ السلام في مقديشيو، حيث هناك عدد أكبر من المقاتلات، حفرت المرأة لنفسها مكانا حيث الأنوثة صارت أمرًا مألوفًا.

على الرغم من أن معظم المناطق خارج العاصمة تبقى خطيرة فإن الهدوء النسبي في مقديشيو سمح بحوار وطني حول قواعد المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة التي كان من المستحيل حدوثه في ذروة الحرب. ناقش البرلمان وصنع مسودة -لم تقر بعد- لمشروع قانون يجرم العنف الجنسي لأول مرة، ودعمت القيادة الوطنية، المجموعة التي ستشرف على الانتخابات العامة القادمة، كوتة للمرأة بنسبة 30% من البرلمان.

وتقول تانيا شوبرا، تعمل بمكتب الأمم المتحدة للمرأة في الصومال: “يمكن دائمًا القول إن الصراعات فرصة لتغيير القواعد المتعلقة بالنوع الاجتماعي. في بعض المناطق اندمجت المرأة الصومالية اقتصاديًا لأن الأزواج يقاتلون أو قتلوا، وتتساءل النساء الآن عما إذا كن سيعدن مرة أخرى إلى البقاء في المنزل ويتخلين عن هذا الدور.”

ويرى الكثيرون أن للمقاتلات في قوات حفظ السلام تأثيرا كبيرا على المرأة في البلاد، وتقول المقاتلة الأوغندية ميرسي روهيندا “عندما نقول إن لنا قائدا سيأتي لمقابلتك، يتوقع المحليون أن يروا رجلًا ويتفاجأون عند رؤية امرأة. ربما بسبب ثقافتهم يعتقدون أن السيدات لا يستطعن القيادة. لكن أعتقد أن الأمر بدأ يتغير، على الأقل يرون أن المرأة يمكن أن تتولى مناصب قيادية، ونحاول مساعدتهم في مواجهة المشاكل.”

وهناك دليل من أماكن أخرى على أن عمل المرأة في قوات حفظ السلام له تأثير كبير، على سبيل المثال في ليبيريا، تم تكوين وحدة شرطة كاملة نسائية من الهند برعاية الأمم المتحدة، وألهم ذلك المرأة الليبيرية وجعلها تحاول الالتحاق بقوات الشرطة وارتفعت نسبة الإناث في الجهاز من 13% إلى 21% خلال 5 سنوات بعد توظيف الوحدة الهندية في عام 2007.

وتقول ليلى محمود عبدالله، الناشطة في حقوق المرأة: “أنشات المرأة هذه الدولة. كانت وسيطًا للسلام في أوقات الحرب.” والآن تمتلك المرأة القرصة للقتال من أجل السلام في الجبهات الأمامية والمساعدة في بناء ثقافة الرخاء والمساواة بين الجنسين في القوات المسلحة.

وتضيف “لو كنا نريد السلام في النهاية. سنكون في حاجة إلى قيادة نسائية.”

سكوفيا ناجون.. من المقاتلات الأوغنديات

مقالات ذات صلة

إغلاق