سياسة

فورين بوليسي: مستقبل داعش بعد خسارة الموصل

فورين بوليسي: هل يمكن أن يخسر داعش الموصل دون أن يخسر كل شيء؟


سيث جونز- فورين بوليسي
ترجمة: فاطمة لطفي

الموصل هي أول مدينة عراقية رئيسية أخضعتها الدولة الإسلامية لسيطرتها خلال حربها الخاطفة في صيف 2014، وخسارة الموصل يمكن أن تكون ضربة ثقيلة للتنظيم الذي يزعم أنه سيؤسس خلافة إسلامية عربية في منطقة الشرق الأوسط. لكن حركات التمرد في الماضي تذكر أن من المبكر جدًا استبعاد تنظيم الدولة الإسلامية. ما زال هناك متسع من الوقت له لتتبع خطوات الحركات المتمردة الناجحة الأخرى.

هذا العام تحديدًا لم يكن رفيقًا بتنظيم أبو بكر البغدادي. ووفقًا لتقديرات حكومة الولايات المتحدة، خسرت الدولة الإسلامية تقريبًا 50% من الأراضي التي سيطرت عليها يومًا في العراق. وفي سوريا المجاورة، خسر داعش تقريبًا ربع الأراضي التي سيطر عليها من قبل، وتم طرده من مناطق رئيسية بمحاذاة الحدود السورية التركية، مثل منبج وجرابلس. ما زال التنظيم يحتفظ ببعض المناطق في العراق وسوريا، وتحديدًا بجانب نهر الفرات، لكن الأراضي التي يسيطر عليها تنحسر وتتضاءل، وإيراداته المالية  في خطر، وفرق التنظيم من المقاتلين الأجانب في تناقص وتعاني من انخفاض الروح المعنوية.

لكن الدولة الإسلامية ليست أول جماعة متمردة تواجه هزائم كهذه. منذ الحرب العالمية الثانية، كان يوجد تقريبًا 200 حركة تمرد حول العالم. ومعًا، قدموا لمحات تاريخية مفيدة لرؤية ما ينتظر الدولة الإسلامية بعد ذلك. والأكثر من ذلك، فهي تظهر أن مسار الحركات المتمردة نادرًا ما يتحرك في اتجاه واحد.

حظ الجماعات المتمردة غالبًا ما ما يزيد وينخفض اعتمادًا على قدرتهم في إنشاء ملاجئ وملاذات لهم، وتكييف استراتيجيتها، والاستفادة من التظلمات المحلية بناءً على السابقات التاريخية، هناك العديد من السبل التي من المحتمل أن تسلكها الدولة الإسلامية للنجاة.

أولًا، الجماعات المتمردة التي خسرت أراضٍ بشكل عام بحاجة للعثور على ملاذات تسمح لهم بالراحة قليلًا، وإعادة تجهيز قواتها المنهكة، ووضع خطط لعمليات مستقبلية. في بعض الحالات، تكون هذه الملاجئ خارج البلاد.

في أفغانستان، هربت قيادة حركة طالبان والعديد من مقاتليها إلى باكستان المجاورة بعد هزيمتهم في عام 2011 على يد الولايات المتحدة والقوات الأفغانية. وبعدها بعدة سنوات، استخدمت طالبان الملاجئ الآمنة لها في باكستان لاستئناف الحرب في أفغانستان، حيث تظل تشكل تهديدًا جوهريًا للدولة الأفغانية حتى يومنا هذا. وعلى نحو مشابه، عانى فيدل كاسترو وفريقه من المتمردين الشيوعيين من هزيمة موهنة للعزيمة  في يوليو من عام 1953 ضد الحكومة الكوبية في مدينة سانتياجو دي كوبا. لكن أعاد كاسترو تنظيم نفسه وفريقه في النهاية في المكسيك، ودبر خطواته التالية بأمان نسبيًا، وأطاح في النهاية بحكومة فولجنسيو باتيستا في عام 1959.

في بعض الأحيان تكون الملاذات المناسبة متاحة داخل البلاد. في الصومال، خسرت حركة الشباب  تقريبًا كل الأراضي التي تسيطر عليها مرة واحدة في أعقاب عمليات عسكرية شنتها مفوضية الاتحاد الإفريقي، والحكومة الصومالية والميليشيات العشائرية المتحالفة، وقوات الولايات المتحدة من عام 2011 إلى 2015. لكن حركة الشباب وجدت ملاذا في نهر جوبا في جنوب الصومال بين العشائر المتحالفة، وشنت منذ ذلك الحين هجمات إرهابية عنيفة في الصومال والدول المجاورة مثل كينيا.

ويبدو بالفعل أن زعماء الدولة الإسلامية يقدرون أهمية الملاذات. عندما خسر داعش بالفعل أراضيه في العراق، مثل رمادي والفلوجة، اختفى مقاتلو التنظيم داخل المناطق الصحراوية والزراعية الكثيفة حول المراكز الحضارية. وانطلاقًا من هذه المناطق “المعزولة”، تمكنت الدولة الإسلامية من تكرار النموذج التي تفوقت خلاله  لعقد مضى تحت اسم “تنظيم القاعدة في العراق” عبر الحفاظ على وجودها من خلال النشاط الإجرامي، تخزين مخابئ للأسلحة لأجل عمليات التوسعة، وتنفيذ جرائم القتل العنيفة والحملات التخويف المروعة. يمكن لمقاتلي داعش أيضًا الاستفادة من الأراضي التي يسيطر عليها في سوريا، والتي تمتد من شمال مدينة الرقة والجنوب الشرقي على طول نهر الفرات إلى الحدود العراقية السورية. هذا الملاذ كان أساسيا لنهوض الدولة الإسلامية من جديد في عام 2014.

ثانيًا، تبنت الجماعات المتمردة التي واجهت خصوما أقوياء بشكل عام استراتيجية وتكتيك حرب العصابات بدلًا من محاولة  شن حملات اعتيادية وقتال أعدائهم في معارك منظمة. استراتيجية حرب العصابات أو الفدائيين تشمل استخدام المصادر العسكرية والسياسية لحشد السكان المحليين، وشن هجمات خاطفة والانسحاب بدلًا من مواجهة العدو مباشرة في ساحة المعركة، وتقويض إرادة الحكومة في القتال. حرب العصابات تكتيك جاذب للجماعات التي هي أضعف بشكل ملحوظ من القوات الأمنية التابعة للحكومة.

اليوم، الدولة الإسلامية تواجه تحالفًا قويًا من الخصوم يتضمن قوات البيشمركة الكردية، قوات الأمن العراقية، الميليشيات السنية، ميليشيات الشيعة، والولايات المتحدة، وغيرها من قوى التحالف العسكرية. إذا كان لدعش أي أمل في النجاة من خسارة لموصل، فمن المحتمل أن يغيّر زعماؤه التنظيم إلى حملة معارك حرب عصابات كلاسيكية تشمل الكمائن، الهجمات، التدمير، الاغتيالات المستهدفة، والهجمات الانتحارية.  شنت الدولة الإسلامية معارك تقليدية ناجحة في عام 2014 عندما تدفق مقاتلوها عبر الحدود إلى داخل محافظة الأنبار في طوابير ضخمة من العربات الآلية وأخرى مصفحة، والانضمام إلى المشاركين الذين كانوا ناشطين بالفعل في الفلوجة ورمادي. جرت الاشتباكات في أغلب الأحيان في شكل معارك منظمة، قتال خنادق، وحصار للمدينة. لكن لم تعد الدولة الإسلامية تواجه مثل هذه المعادلة، مما يجعل حرب قتال حرب العصابات خيارها الوحيد القابل للتطبيق.

ثالثًا، أكد المنظّرون المتمردون الكلاسيكيون، مثل ماو تسي تونغ، الزعيم الصيني والفيلسوف المتمرد، على أهمية الاستفادة السياسية من المظالم”، كتب ماو: “دون هدف سياسي، ستفشل حرب العصابات، والذي يحدث بالتأكيد عندما لا تتزامن الأهداف السياسية لها مع تطلعات الشعب”. تحتاج هذه الجماعات لسبب يمكن لزعمائها الذين تمتعون بالشعبية استخدامه في المساعدة في حشد الشعوب.

المتمردون الناجحون استفادوا بفاعلية من التظلمات المحلية. في فيتنام مثلًا، استغلت فيت كونج، الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام الكراهية للحكومة التي كان ينظر إليها بأنها فاسدة واستبدادية تجاه المزارعين القرويين، ومتحالفة مع قوات الولايات المتحدة الإمبريالية.

وربما أكثر العناصر ضعفًا وعرضة لاستغلاله في القتال الحالي في العراق ضد الدولة الإسلامية هو الفشل في معالجة شكاوي الميليشيات السنية. ابتداءً من حوالي عام 2010، شنت حكومة نوري المالكي حملة مستهدفة لترسيخ قبضته على السلطة على حساب السنة. استبدل الجنود الأكراد والسنة العرب بآخرين شيعة لديهم ولاء لكن يفتقرون للكفاءة، واستخدم المحاكم والقوات الأمنية للتضييق وملاحقة السياسيين السنة العرب، وقمعت قواته الأمنية احتجاجات السنة بعنف. في الوقت الذي كان المالكي يتحالف فيه أكثر مع إيران.

هذه المظالم لا تزال مستمرة في ظل خليفة المالكي، حيدر العبادي، وما لم يتم معالجة ما يتعرض له السنة العرب في العراق فمن المحتمل أن تكون البيئة مناسبة لنجاة، وربما انبعاث الدولة الإسلامية من جديد.

سخرت الدولة الإسلامية مرارًا من المبادئ التاريخية للحركات المتمردة، وقتلت وأخافت الأهالي بدلًا من حشدهم. لكن إذا استطاعت الدولة الإسلامية أن تتكيف يمكن لسقوط الموصل أن يكون ببساطة بداية لحقبة جديدة من صراع الأجيال.

مقالات ذات صلة

إغلاق