زحمة

فورين آفيرز: “مصر أولا”.. البحث عن طريق مستقل في عهد السيسي

فورين آفيرز: قراءة في 4 سنوات من سياسة مصر الخارجية في عهد السيسي

فورين آفيرز: تشق مصر طريقا مستقلا في سياستها الخارجية تحت قيادة السيسي

 فورين آفيرز – By and 

ترجمة سامح سمير

في نوفمبر 2017، أقدم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على خطوة اتسمت بالتهور بهدف محاصرة إيران وعزلها  من خلال إجبار رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على تقديم استقالته أثناء زيارته للرياض. وفي حين كان ولي العهد يعول في مغامرته تلك على دعم حلفائه من الدول العربية السنية، كانت هناك دولة عربية هامة أحجمت عن ذلك. فعوضًا عن مساندة داعمها الإقليمي الأهم، انضمت مصر على الفور إلى جهود الوساطة التي بذلتها فرنسا من أجل التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة، واستضافت الحريري في القاهرة، وأعلنت تأييدها لعودته إلى لبنان كرئيس للوزراء. هذا الموقف المصري، الذي ركز على “أهمية الحفاظ على استقرار لبنان وإعلاء المصلحة الوطنية اللبنانية فوق كل اعتبار”، جاء متناقضًا مع شعار “إما معنا أو علينا” الذي رفعته الرياض مؤخرًا في محاولاتها لإعادة  ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق عبر خطوط استقطاب بينها وبين طهران.

لم تكن زيارة الحريري للقاهرة، الزيارة الوحيدة لمسئول رفيع المستوى لمصر التي أثارت قلق داعميها التاريخيين. ففي الحادي عشر من ديسمبر، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة لمصر بهدف تسليط الضوء على الجهود الرامية لتعميق العلاقات بين البلدين، بما في ذلك احتمال إبرام اتفاقية بين البلدين من شأنها أن تسمح للمقاتلات الروسية باستخدام القواعد العسكرية المصرية – وذلك، رغم الشراكة العسكرية التي ربطت بين مصر وواشنطن على مدار أربعة عقود وبلغت قيمتها 50 مليار دولار.

تلك السياسة المستقلة التي تنتهجها مصر قد تتسبب في إصابة داعميها الدوليين بخيبة الأمل، لكن لا يجب مع ذلك أن تثير دهشتنا. ذلك ان رغبة مصر  في انتهاج خط سياسي مستقل كانت ملمحًا ثابتًا في سياستها الخارجية على الأقل منذ يوليو 2013، عندما أُطيح بالرئيس الإحواني محمد مرسي  بانقلاب عسكري مدعوم بتأييد شعبي واسع. وتحت القيادة الجديدة للرئيس عبد الفتاح السيسي، بدأت مصر تدريجيًا في بناء عقيدة جديدة لسياستها الخارجية تقوم على التزام أيديولوجي بمناهضة الإسلام السياسي، واحترام المباديء التقليدية، والانكفائية في اغلب الأحيان، الخاصة بالسيادة وعدم التدخل، ومحاولات ذات صبغة وطنية جسورة، لإعادة التأكيد على حق مصر في حرية التحرك والمناورة في سياستها الإقليمية. تلك السياسات مجتمعة، تمضي بمصر بعيدًا عن حلفاءها التقليديين، نحو مستقبل أكثر استقلالية وأقل يقينًا.

رؤية جديدة للعالم

هذه السياسة الخارجية الجديدة التي تنتهجها مصر تعود جذورها إلى انتفاضة 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك.

تحت قيادة الرئيس جمال عبد الناصر في منتصف القرن الماضي، تزعمت مصر العالم العربي على الصعيدين السياسي والثقافي ومثلت قوة يُحسب حسابها على الساحة الدولية. لكن، خلال فترة حكمه التي استمرت نحو 30 عامًا، قام مبارك بتحويل مصر إلى تابع مخلص للولايات المتحدة يسهل التنبؤ بمواقفه السياسية إلى حد بعيد، وحليف وثيق لشركاء الولايات المتحدة مثل المملكة العربية السعودية، لكنه تابع وحليف يفتقر إلى الديناميكية والتأثير الإقليمي.

لكن مع رحيل مبارك عن السلطة، بدأت تُثار الأسئلة حول هذا الوضع. ورغم أن الهموم المتعلقة بالسياسة الخارجية كانت تأتي في المرتبة الثانية بعد القضايا الداخلية التي أشعلت الانتفاضة، فإن المطالب التي رفعها المحتجون تضمنت فكرة أولية فضفاضة عن استعادة الكرامة الوطنية امتد نطاقها ليشمل ميدان السياسة الخارجية وظلت قائمة طوال الفترة الانتقالية العاصفة التي عاشتها مصر.

وقد شهدت الفترة المبكرة التي تلت سقوط مبارك مباشرة، نقاشات عامة في أوساط النخبة والجمهور العام على حد سواء حول كيفية استعادة مصر استقلالية قرارها وتنويع علاقاتها الخارجية. فعلى سبيل المثال، قام مرسي، أثناء فترة رئاسته التي استمرت عامًا واحدًا، بزيارات لبكين وموسكو. هذا الاتجاه في السياسة الخارجية التي انتهجته مصر بعد الإنقلاب كان في جزء منه نتاجًا للحاجات الاقتصادية، والسياسية والأمنية الملحة في الداخل، وفي مقدمتها الصراع الذي تخوضه البلاد ضد الإسلاميين وعجز الموازنة. لكن في السنوات القليلة الماضية، ومع الاستقرار السياسي والاقتصادي النسبي الذي شهدته مصر تحت حكم السيسي، بدأت تلك التوجهات الأولية المشتتة تتبلور بصورة مطردة في رؤية للعالم تتسم بالتماسك والاتساق.

العنصر الأول والأهم في هذه الرؤية هو مناهضة الإسلام السياسي. فقد كان التصدي الصارم الذي لا يلين لجماعة الإخوان المسلمين بكل أذرعها هو المبدأ الناظم لحكم السيسي ويعد الآن أبرز ملامح الحياة السياسية في مصر. ورغم أن نظام السيسي استهدف جميع أشكال التعبير والاحتجاج السياسي، إلا إنه ركز بوجه خاص على جماعة الإخوان. وفي جهودها لاستئصال الجماعة من جذورها، لجأت الحكومة إلى إجراءات قمعية واسعة النطاق، تضمنت إصدار قرار بإعلانها جماعة محظورة، وسجن عشرات الآلاف من أعضاءها والمتعاطفين معها، واستخدام العنف السافر لسحق أي إمكانية لعودتها إلى حشد وتنظيم صفوفها في المستقبل.

اقرأ ايضاً :   مفاوضات سد النهضة: إثيوبيا والسودان يقبلان استضافة مصر "اجتماع يوليو"

بيد أن الحملة التي تشنها مصر على الإخوان المسلمين لا تقتصر على الداخل فقط – فالقاهرة تنظر إلى الجماعة باعتبارها تمثل تهديدًا عالميًا، ومن ثم فقد سعت إلى إضعاف الجماعات التي تعتبرها تابعة للإخوان في ليبيا وقطاع غزة والضغط عليها. (تعد التحركات التي قامت بها مصر مؤخرًا لتحسين علاقتها بحماس، وهي ذراع فلسطينية لجماعة الإخوان، استثناءً براجماتيًا نادرًا في موقفها العدائي الثابت تجاه الإسلام السياسي.) كذلك فقد كانت مصر صارمة في معارضتها لاستخدام الجماعات الجهادية في حروب بالوكالة في أي من الصراعات التي تشهدها المنطقة. وفي مقابلة مع أحد كُتاب هذا المقال، حذر مسؤول رسمي من “المستنقع” الخطير الذي من الممكن أن تقود إليه مثل تلك المقاربات في سوريا. هذا الموقف العدائي تجاه الإسلام السياسي، قاد مصر إلى الانحياز، في صمت، لنظام الرئيس بشار الأسد وداعميه الروس – والذين يشاركون مصر رؤيتها السلبية القاتمة للإسلام السياسي السني والإيمان بإمكانية تحقيق الاستقرار عن طريق القمع الذي تمارسه الدول ذات السيادة – وذلك بدلًا من مساندة الجهود التي تقودها المملكة العربية السعودية لدعم العناصر المتمردة والإطاحة بنظام الأسد.

الملمح الثاني فيما يخص التزامات السياسة الخارجية لمصر السيسي، هو التمسك بالاستقرار النابع من سيادة الدولة. ففي حين تنتهج الدول المجاورة سياسة التدخل في شئون الدول الأخرى بهدف إعادة ترتيب المنطقة عبر تقسيمات إسلامية أو طائفية، تبرز مصر في هذا الصدد كأهم الفاعلين السياسيين الداعين إلى الحفاظ على الوضع القائم في الشرق الأوسط. وبإمكاننا أن نرى لمحات مبكرة من هذا النهج في الطريقة التي تعاملت بها مصر مع العراق في فترة صعود نجم تنظيم الدولة الإسلامية، عندما أعلن السيسي بوضوح دعمه لرئيس الوزراء الشيعي نور المالكي. وما يجعل الموقف المصري أكثر إثارة للاهتمام، هو بروز السعودية كقوة يصعب التنبؤ بسلوكها، تسعى لتغيير الأوضاع الراهنة، كما يتجلى ذلك في سياستها في لبنان، وسوريا واليمن. تلك السياسة الخارجية الساعية إلى تغيير الأوضاع القائمة، تهدف بالأساس إلى تعزيز موقف المملكة في صراعها مع إيران، بيد أن مصر رفضت أن تتبع السعودية في هذا النهج المتشدد، ولم تفعل أكثر من التعبير، بصورة شكلية، عن مشاعر معادية لإيران والتصدي للاستقطاب الطائفي الذي أدى إلى زعزعة استقرار المنطقة في السنوات الأخيرة. فمصر لم تحل التوترات طويلة الأمد بينها وبين إيران ولم تعد علاقاتها الدبلوماسية الكاملة معها. هي ببساطة ترفض أن يتم استدراجها إلى نزاع إقليمي.

ومع ذلك، فإن تمسك مصر بمبدأ سيادة الدول يأتي في المرتبة الثانية، بعد أجندتها المعادية للإسلام السياسي، في سلم أولويات سياستها الخارجية. فعندما تتضارب تلك المباديء بعضها مع بعض، فإن العداء للإسلام السياسي يطغى على كل الاعتبارات الأخرى. ويتضح هذا في كل من الأزمة الراهنة مع قطر (التي يتعرض حكامها السياديون لحصار تقوده السعودية وتؤيده مصر بسبب دعمها السابق للإسلاميين) وفي فوضى الصراع الليبي متعدد الجوانب (حيث يشن الجنرال حفتر، وهو الشريك الذي اختارته مصر لتأمين حدودها الغربية المليئة بالثغرات، حربه الوجودية الخاصة ضد الإسلاميين والذي أعلن ذات مرة أن “ليبيا في حاجة إلى سيسي جديد”).

اقرأ ايضاً :   ترامب يعتزم إصدار"حظر جديد": سنكسب المعركة

دور مصر المستحق

أما الالتزام الثالث والأخير وراء ما يتسم به الموقف المصري الجديد من حزم واستقلالية فيتمثل في انبعاث للمشاعر الوطنية يسعى إلى استعادة مصر لدورها الإقليمي المستحق بحكم تاريخها وكبريائها. ورغم أن تلك المشاعر تجنح أحيانًا إلى نزعة شوفينية متطرفة، كما يتجلى ذلك في نظريات المؤامرة المعادية لأمريكا والتشكك في الأجانب التي تحفل بها الصحف المصرية، إلا أنها تؤكد على رغبة مصر في أن يكون لها دور مؤثر في شئون المنطقة. وتمخضت أيضًا عن شكوك فجة، عمد بعض المسئولين المصريين إلى تغذيتها بطريقة انتهازية، مفادها أن القوى الخارجية لا تسعى للتأثير على مصر فحسب بل أيضًا إلى الهيمنة عليها أو زعزعة استقرراها. وهو الأمر الذي أثار استياء أكثر داعميها سخاءً، وأفضى إلى توترات دبلوماسية خطيرة في علاقاتها ليس مع الولايات المتحدة فحسب بل أيضًا مع إيطاليا، وروسيا، والسعودية، علاوة على الإمارات.

في السنوات التي أعقبت 2011، تحدث الزعماء المصريون صراحة، بمن فيهم السيسي، عن الحاجة إلى التركيز على مواجهة التحديات الداخلية، بيد أن تلك المشاعر كثيرًا ما كانت تُنحى جانبًا لصالح إحساس مصر، الثابت والمتضخم، بدورها- بما في ذلك الاعتقاد الخاطيء، لكن واسع الانتشار، بأنه ما من نزاع إقليمي كبير يمكن حله بدون القاهرة. هذا الرأي، السائد بين الجماهير والنخبة الحاكمة على حد سواء (رغم أن السيسي يتبنى موقفًا أكثر واقعية)، نابع من حجم مصر، وما تمتعت به في الماضي من مكانة مركزية وهيمنة ثقافية في الوطن العربي. بيد أن تلك المشاعر ليس لها سوى علاقة واهية بقوة مصر ونفوذها الفعليين. ففي عصرها الذهبي قبل نصف قرن، كانت مصر زعيمة العالم العربي بلا منازع، لكن منذ ذلك الحين بدأت مراكز الثروة والقوة في الشرق الأوسط تهاجر شرقًا نحو اقتصادات أكثر ديناميكية مثل إسرائيل، وتركيا، والدول النفطية مثل السعودية وممالك الخليج، وإيران. فتلك الدول لديها القدرة (وإن بدرجات متفاوتة) على استخدام ثرواتها، وقوتها العسكرية، وشبكات وكلائها الإقليميين في استعراض قوتها بطرق، ببساطة، ليست متاحة لمصر. وبحكم الجغرافيا، لا تزال مصر تلعب دورًا هامًا في ليبيا وغزة، أما في الأماكن الأخرى فقد سعت القاهرة إلى تحويل ضعفها النسبي إلى رأسمال دبلوماسي – على سبيل المثال، من خلال الانضمام إلى المبادرات الدبلوماسية والبحث عن لعب دور الوسيط بين الأطراف الإقليمية المتنازعة، كما فعلت في الأزمة اللبنانية الأخيرة.

من المستبعد أن تسعى مصر إلى تأسيس كتلة إقليمية رابعة جنبًا إلى جانب مع كتلة السياسات الانتقامية التي تتزعمها السعودية، وكتلة الهيمنة الإيرانية، والكتلة التركية-القطرية المناصرة للإسلاميين، ومع ذلك فربما كانت المنطقة تنطوي على إمكانية لتأسيس مثل هذه الكتلة. فحتى الآن، تم إسكات صوت مصر في نزاعات الشرق الأوسط، وكانت أقرب إلى حلبة للصراعات الإقليمية على الهيمنة والنفوذ منها إلى لاعب قائم بذاته. ومع ذلك، لا تزال سياسة مصر الداخلية نبراسًا وبوصلة للآخرين – كما حدث عندما عمل صعود وسقوط الإسلاميين في مصر على تحديد النبرة السائدة في المنطقة بأسرها – كذلك فإن امتناع القاهرة عن تبني الخط السعودي المتطرف عاد بالفائدة على المصريين ورسم الطريق نحو سياسات إقليمية أقل طائفية.

اقرأ ايضاً :   بالفيديو- السيسي للعمال: البسطاء تحملوا عبء الإصلاح.. ويا رب أكون هدية ربنا

وبوجه خاص، تُعد مصر اليوم نموذجًا للحدود التي يمكن أن يصطدم بها محمد بن سلمان، باعتباره الزعيم الأبرز في العالم العربي السُني، إذا حاول أن يُملي على الآخرين خياراتهم السياسية. وقد ظهرت تلك الحدود بأوضح ما يكون في ربيع 2015، عندما رفضت مصر دعوة بن سلمان المفاجئة للإنضمام إلى تحالف عسكري عربي سُني لمحاربة الحوثيين في اليمن. وكما صرح مسئول مصري رفيع المستوى لأحد كُتاب هذا المقال، “نحن مصر – لا يمكنك أن تهاتفنا في الثالثة فجرًا وتتوقع أن نذهب معك إلى الحرب في الصباح.” وفيما بعد، قدمت مصر إسهامًا محدودًا في التحالف العسكري العربي، لكنها بوجه عام نأت بنفسها عما ثبت لاحقًا أنه حرب كارثية باهظة التكاليف.

إلى أين تتجه القاهرة من هنا

منذ 2013، خفت حدة تلك الروح الاستقلالية بفعل حاجة مصر الماسة للشرعية الدولية، والمساعدات الأمنية، وفوق هذا كله، عشرات المليارات من الدولارات من دول الخليح الغنية (التي تمتلك، بحسب مقولة السيسي الشهيرة، “فلوس زي الرز”). ولكن، رغم سعادتها بتدفق الأموال من الخارج، فإن مصر غالبًا ما ترفض قبول النصائح الخارجية، سواء من واشنطن أو أبو ظبي. لكن يتوافر الآن عدد من الظروف من شأنها أن تمنح قيادات البلد الثقة الكافية لتبني نهج أكثر استقلالية حتى من ذي قبل.

فعلى سبيل المثال، بدلًا من مواجهة الضغوط المتواصلة من الولايات المتحدة بخصوص حقوق الإنسان، حظى السيسي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتأييد غير مشروط واستقبال حار في المكتب البيضاوي. كذلك فإن الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية المدعومة من صندوق النقد الدولي التي نفذتها مصر أسفرت عن قدر من الاستقرار الاقتصادي، رغم التضخم والبطالة. كما ساهم الحصار المفروض على قطر بقيادة السعودية وحالة عدم الاستقرار المليئة بالعنف التي أعقبت الانتفاضات العربية،  في أفول نجم الجماعات الإسلامية المتشددة في جميع أرجاء المنطقة، ومهد الطريق لإصلاح العلاقات المصرية-السعودية التي شابها التوتر في السابق. لكن لعل الأهم من هذا كله، أن مصر تعتبر نفسها، ببساطة، أكبر من أن تفشل، وحتى الآن يتعامل حلفاءها معها من هذا المنطلق. وربما بسبب ما تعانيه العديد من الدول المجاورة من عدم استقرار واقتتال داخلي، فإن التحركات المصرية الخارجة عن السياق السائد لم تؤدِ إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع أي دولة. فشركاء مصر قد وطنوا أنفسهم على التكيف مع هذا النهج والعزوف عن تحدي القاهرة في هذا المنعطف الحرج.

وفي نهاية المطاف، فإن محاولات مصر استعادة مكانتها الإقليمية سوف تعتمد على قدرة السيسي على تعزيز سلطته في الداخل. فلكي تتمكن مصر من ممارسة نفوذها خارج حدودها، عليها أولًا أن تبني في الداخل قاعدة أمنية، وسياسية، واقتصادية أكثر أمانًا واستقرارًا، ويشمل ذلك القيام بإصلاحات حقيقية تسمح بتأسيس مجال عام نابض بالحياة وقطاع خاص بدلًا من إلقاء عبء النهضة الوطنية على عاتق الحكومة وحدها.

لكن، كلما مضت مصر قدمًا في طريقها المستقل التي اختارته لنفسها، كلما ازدادت الصعوبات التي تواجهها في محاولتها لحل التناقض القائم في صميم سياستها الخارجية المعاصرة: فمن ناحية، تسعى مصر إلى الحفاظ على تحالفها التقليدي مع الرياض وواشنطن، والذي تحصل بموجبه على الأموال من الأولى، والأسلحة من الثانية. ومن ناحية أخرى، ترفض القاهرة، على نحو متزايد، تبني الخط السعودي في السياسة الإقليمية، وتسعى للتقارب مع روسيا، ومن المحتمل أن تفتح قواعدها العسكرية للغريم الجيوسياسي الرئيس للولايات المتحدة في المنطقة. ومن ثم، فإنه إذا استمرت مصر في انتهاج سياسة المسار المزدوج تلك، فقد ياتي يوم تضعها فيه الرياض أو واشنطن أمام اختيار أكثر صعوبة. وحتى يأتي هذا اليوم، فإن مصر عازمة على اختبار صبرهما.




الأعلى قراءة لهذا الشهر