ثقافة و فن

عماد أبو صالح يكتب: غالينا بنسلافسكي.. العاشقة المجهولة للشاعر المأساوي

انتحرت جوار قبر الشاعر الروسي سيرجي يسينين

3
غالينا

عماد أبو صالح*

يعرف كثيرون قصة حب وزواج الشاعر الروسي سيرجي يسينين ( 1895- 1925)، والراقصة الأمريكية إيزادورا دونكان. يعرف كثيرون أيضا قصته مع صوفيا تولستوي وزواجه منها. لكن قليلين يعرفون قصة غرام فلّاحة سمراء ذات عينين خضراوين واسعتين، بذلك الشاعر الذي تزوج أربع مرات خلال ثلاثين عاماً هي كل عمره، رغم أنها العاشقة الحقيقية من بين كل النساء اللاتي عرفهن في حياته القصيرة.

اسمها غالينا، ولدت في 16 ديسمبر 1897 في سانت بطرسبرج لأم جورجية وأب فرنسي نال الجنسية الروسية. هرب والدها من الأسرة وهي طفلة، ودخلت والدتها في هلوسات عصبية بلغت حد الجنون. أودعت غالينا في ملجأ لرعاية الأيتام في الثالثة من عمرها، مما أشعرها بأنها لقيطة، إلى أن تبنّتها خالتها وزوجها كازميروفيتش الذي أعطاها لقب عائلته لتصبح غالينا بنسلافسكي.

درست غالينا في  المدرسة الثانوية في سان بطرسبرج وتخرجت منها عام 1917، وتعرفت على الأفكار البلشفية الأولى من أحد زملائها. كانت في تلك الفترة على خلافات فكرية دائمة مع والديها بالتبني، وتهدف إلى الاستقلال عنهما، وجاءتها الفرصة حين انتقلت إلى خاركوف لدراسة العلوم في الجامعة.

غالينا (بضفيرتيها الطويلتين) مع شقيقة يسينين
غالينا (بضفيرتيها الطويلتين) مع شقيقة يسينين

بعد احتلال الجيش الأبيض لمدينة خاركوف، حاولت غالينا الانضمام إلى القوات السوفياتية، فألقي القبض عليها، لكن والدها بالتبني الذي كان يشغل منصب طبيب في الجيش الأبيض، توسّط للإفراج عنها. في وقت لاحق، استطاعت عبور خط الجبهة والانتقال إلى موسكو، بمساعدة راهبات يعملن في مجال الإغاثة. تنقّلت من مهنة لأخرى حتى حصلت على عمل في صحيفة “الفقراء”. كانت مولعة بالشعر والرسم وتقضي معظم وقتها في المسارح والمتاحف.

مساء  4 نوفمبر1920 في القاعة الكبرى للكونسرفتوار، التقت غالينا مع مصيرها: شاب بملامح طفل يقف على خشبة المسرح، يرتدي سترة مفتوحة الأزرار، يداه في جيبي سرواله، يميل برأسه إلى الخلف، وشَعره الذهبي يتطوح على جبهته، ذلك هو سيرجي يسينين يلقي أشعاره. بعد أن انتهى من القراءة، اندفعت إليه وقالت متوسّلة: “اقرأ شيئا آخر”.

منذ تلك الليلة وقعت غالينا في سحر يسينين. كتبت في مذكراتها: “ظللت عشرة أيام كاملة في حالة تنويم مغناطيسي”. لم تفوّت أمسية شعرية له. كانت تقتفي أثره. “قصائده قالت ما لم يقله لي”، هكذا كتبت عنه أيضاً. بدأ اقترابهما الفعلي حين جلست معه على المقهى بصحبة أصدقاء، وانخرطوا جميعاً في مناقشة حامية حول أشعار ماياكوفسكي.

Sergei Yesenin with isadora3
يسينين مع إيزادورا

أصبح يسينين كل شيء في حياة غالينا. كانت صديقته، سكرتيرته، حبيبته، ممرضته،  لكنه لم يجهر أبدا بحبها. قضت أجمل فترات حياتها معه من مارس حتى أغسطس 1921 إلى أن تعرف على الراقصة الأمريكية إيزادورا التي افتتحت مدرسة للرقص الحديث في موسكو بعد الثورة، وكانت حلم آلاف الرجال حول العالم.

حضر يسينين أحد عروض إيزادورا، ورأى الدهشة والصمت على وجوه العمال الذين فوجئوا بامرأة  نصف عارية، ترقص على المسرح ملوّحة بوشاح أحمر. قفز من مقعده وصرخ: “الكل إلى الخارج”، ثم قام بأداء رقصة وحشية مليئة بالشغف أمام إيزادورا. جثا على ركبتيه أمامها على خشبة المسرح، فمررت يدها على رأسه وقالت: “ملاك”، ثم نظرت في عينيه قائلة: ” شيطان”، وبدأت القصة.

أنّا ايزيدانوفا، زوجة يسينين الأولى
أنّا ايزيدانوفا، زوجة يسينين الأولى

قبل أن يتزوج يسينين من إيزادورا، يلتقي غالينا. يهديها الكتاب المقدس، مؤشراً تحت آيات محددة: “وجدت أن ما هو أمرّ من الموت هي المرأة لأنها فخ ولأن قلبها شبكة ويداها قيود. من كان صالحا أمام الله ينجو منها وأما الخاطئ فيعلق بها. التي لم تزل نفسي تطلبها ولم أجدها: إني وجدت رجلا واحدا بين ألف وامرأة واحدة بين أولئك كلهن لم أجد”. (سفر الجامعة- 7، 26، 28).

بعد زواجهما، أخذته إيزادورا معها إلى أوروبا وأمريكا، ليبدأ منحنى انهياره. لم يعرف أحد هناك فتى روسيا المدلل، أصبح يمرض بسهولة، انتابته حالات عنيفة من القلق وأدمن الكحول. في أحد شجاراته معها، رمى الحذاء في وجهها، فرحلت إلى باريس. صرخ فيها: “إلى الجحيم، أنت عجوز شمطاء”، وعاد إلى موسكو.

مدفوعة بالإهانة البالغة، أرادت غالينا نسيان يسينين. زميلها في صحيفة “الفقراء” سيرجي بوكروفسكي كان يعشقها منذ فترة طويلة. حاولت مبادلته الحب، لكنها فشلت. تكتب في مذكراتها: “قلت له وداعاً بوكروفسكي ومضيت”.

ظلت تنتظر يسينين. دائما كانت تنتظر. أنفقت مدخراتها القليلة التي جمعتها طوال سنتين في تجديد أثاث غرفتها الصغيرة، لتليق به. استقبلته بنفس نارها التي ما خبت يوماً. هي الوحيدة ربما من بين عائلته وأصدقائه وعشيقاته ومهووساته وزوجاته، التي كانت تغفر كافة أخطائه وخطاياه. دائما كان طفلاً في عينيها. “الشعراء ليسوا من هذا العالم”، هكذا كتبت في مذكراتها.

أقاموا جميعاً في الغرفة الضيقة: غالينا، يسينين، شقيقته كاترينا، أحد أصدقائه، وضيوف مؤقتون. تحكي غالينا أن بعضهم كان ينام على البلاط في الممر، ومنهم من كان ينام تحت السرير. تستفيض في مذكراتها عن الفقر الشديد الذي أدى لتدهور حالة يسينين وإفراطه في تناول الخمر في الحانات بأي مبالغ مالية تتوفر لديه، وتبدي كراهية عنيفة للسلطات والناشرين الذين ماطلوا في دفع مستحقات شاعرها ومعشوقها، وتتهم الكل بالتكاتف لتدمير علاقتها معه. توجّه أصابع الاتهام إلى اصدقاء يسينين خاصة، وحتى كاترينا.

زينايدا الرايخ، الزوجة الثانية
زينايدا الرايخ، الزوجة الثانية

وسط هذه الحياة البائسة، لم تتخلّ غالينا أبداً عن يسينين. كانت ترعاه كأم، تخوض معاركه، تصحح مخطوطاته، تتفاوض مع ناشري كتبه، وتتحمل نوبات هياجه العنيفة. ظنت أنه أصبح أخيراً رجلها وحدها، لكن القدر كان يخفي قصة النهاية، أو-على الأصح- امرأة النهاية.

يلتقي يسينين في مارس 1925 مع صوفيا تولستوي، حفيدة الكاتب الروسي الشهير. كونتيسّة بدم حار يتدفق في عروقها من جدها العظيم، ومديرة مكتبة اتحاد الكتّاب. “الفلاح البحت”، كما كان يصف يسينين نفسه، تزوج الشابة الأرستقراطية المولعة بأشعاره، والتي تصغره بخمس سنوات. استمر الزواج بشكل مثالي بضعة أشهر: منزل فخم، زوجة عاشقة، صديقة، تعتني بصحته، وتحضّر لطبع أشعاره الكاملة، لكن يسينين هرب من هذه الجنة الاصطناعية، هو ابن الشوارع والطبيعة والحانات. فشل في اختبار الطاعة العمياء للتقاليد العتيقة.

صوفيا تولستوي، الزوجة الرابعة
صوفيا تولستوي، الزوجة الرابعة

أين كانت غالينا؟

غالينا كانت في إحدى المصحّات خارج موسكو، تتلقى العلاج إثر إصابتها بانهيار عصبي.

يسينين أيضا كان يسير بسرعة فائقة تجاه نهايته. دخل مصحّة نفسية لبعض الوقت، وتوجّه بعدها إلى ليننجراد على أمل بدء حياة جديدة، لكن الحياة الجديدة لم تفتح أبوابها لاستقباله. ليلة 28 ديسمبر 1925 شنق نفسه في أنابيب التدفئة بغرفة رخيصة  في فندق أنجليتير، بعد أن كتب قصيدة قصيرة يودع فيها ماياكوفسكي، سلّمها لموظف الاستقبال طالباً منه ألا يفتحها قبل الصباح.

سيرجي يسينين
سيرجي يسينين

لم تتمكن غالينا من حضور الجنازة التي شهدت حشوداً هائلة من المشيعين، وكانت الأضخم منذ جنازة بوشكين. وصلتها برقية مختصرة: “مات سيرجي”، ومنعتها عاصفة ثلجية من السفر إلى موسكو.

 بعد انتحار يسينين، لم تستطع غالينا العيش من دونه. أهملت عملها، ملابسها، صحتها، لا تأكل، لا تكلم أحداً، وتحولت إلى عجوز في التاسعة والعشرين من عمرها. كانت تزور قبر يسينين يومياً وتنخرط في بكاء مرير.

- جنازة يسينين- ديسمبر 1925
– جنازة يسينين- ديسمبر 1925

في 3 ديسمبر 1926، نفس الشهر الذي انتحر فيه يسينين، سمع حارس المقبرة دويّ طلقات رصاص. وجد امرأة  بجانب قبر يسينين في معطف رث، تئن ودمها يسيل على الثلج. طاشت الطلقة الأولى، واستقرت الثانية في قلبها. هرع إلى الكنيسة ودق أجراس الإنقاذ. عثروا في يدها على ورقة كتبت فيها: “أنتحر هنا. أعرف أن مزيداً من الكلاب ستنهش لحم يسينين، لكن هذا القبر أغلى ما عندي”. في الطريق إلى المستشفى، لفظت أنفاسها في عربة الإسعاف. شيعت جنازتها في 7 ديسمبر 1926، ودفنت بجوار يسينين. كان مكتوباً على شاهد قبرها “فتاة مخلصة”، قبل أن يتم تغييره بكلمات رسمية في وقت لاحق، ليتواصل محوها في الموت، كما كان في الحياة.

قبر غالينا
قبر غالينا

..

عماد أبو صالح:

عماد أبوصالح ( مواليد 1967 -المنصورة) شاعر مصري من أبرز أصوات قصيدة النثر، صدر له “جمال كافر -2005″،  “أمور منتهية أصلا -1995″، “كلب ينبح ليقتل الوقت  1996″، “عجوز تؤلمه الضحكات- -1997″ ، أنا خائف – 1998″ قبور واسعة – 1999″، و”مهندس العالم -، و2002”

وأخيرا ديوان” كان نائما حين قامت الثورة” 2015

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق