اقتصادسياسة

طارق عامر: تعويم الجنيه كان مثل عبور القناة والتدخل صار “من التاريخ”

حوار طارق عامر مع انتربرايز:  أداء البورصة المصرية الأفضل عالميا هذا الشهر ولم اتصل بأي بنك منذ 3 نوفمبر

 

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-08-11 10:56:31Z | http://piczard.com | http://codecarvings.com
طارق عامر

 

حوار مع طارق عامر محافظ البنك المركزي أجرته نشرة انتربرايز الاقتصادية اليومية

 

يعود الفضل في القضاء على السوق الموازية للعملة الصعبة إلى طارق عامر محافظ البنك المركزي. وتحت ضغوط السوق وصانعي السياسات والمجتمع المالي العالمي، فاجأ عامر الجميع منذ شهر تقريبا عندما قام بتعويم سعر الصرف. السؤال الذي يدور في أذهان الجميع بسيط، ولكن الجواب معقد، “إلى أين نحن ذاهبون؟”

وجهنا السؤال إلى طارق عامر، واستغرقت إجابته ساعتين على مدار يومين عندما التقيناه في المقر الرئيسي للبنك المركزي بوسط القاهرة، حيث يقوم عامر مع مساعديه بتوجيه وقيادة أكثر من 5300 موظف.

انضم طارق عامر للبنك المركزي في عام 2003 كنائب للمحافظ فاروق العقدة، بعد أن عمل في القطاع الخاص لفترة طويلة بجميع أنحاء المنطقة مع سيتي بنك وبنك أوف أميركا. وبدأ العقدة مع عامر في إعادة هيكلة القطاع المصرفي الأمر الذي أصبح ضرورة حتمية وقتها بسبب التداعيات العالمية والمحلية والتي أثرت على الاقتصاد. وتركزت المرحلة الأولى من إصلاح القطاع المصرفي في مصر على تدعيم مكانة وقوة البنك المركزي، وإعادة هيكلة بنوك القطاع ماليا وإداريا ووضع إطار تنظيمي عالمي، والقيام ببعض عمليات الخصخصة والدمج في القطاع المصرفي.

ويرى عامر أن تلك الإصلاحات لم تكن الضمانة الرئيسية “لأمن الاقتصاد الوطني” خلال الأزمة الاقتصادية العالمية التي حدثت في العقد الماضي فحسب، ولكنها ساهمت في مواجهة الأزمات التي مرت بالبلاد منذ عام 2011. وزاد الإصلاح المصرفي من ثقة الناس بالبنوك، فبعد افتتاح البنوك بعد أسبوع من الإغلاق في 6 فبراير 2011، لم تحدث أزمة ثقة. ورغم أن لدينا تحديات متصاعدة خلال الثمانية عشر شهرا الماضية تتعلق بالنقد الأجنبي، فلم يكن هناك نقصا حادا في الغذاء أو الطاقة. فالبنك المركزي، كما يصفه عامر، بمثابة المؤسسة التي تمتص الصدمات بطرق عديدة.

وبعد رئاسته للبنك الأهلي المصري، عاد عامر إلى البنك المركزي محافظا في نوفمبر عام 2015، وكانت مهمته الأولى إصلاح نظام سعر الصرف.

لم يقتصر حديثنا مع طارق عامر حول القطاع المصرفي فحسب، ولكننا تطرقنا أيضا إلى حياته وهواياته. كشف عامر لنا عن حبه للموسيقى وللأفلام الغربية، لكن الكتاب الذي دائما يفضل قراءته هو القرآن الكريم.

إنتربرايز: هل كنت تعلم منذ أن قبلت بمنصب محافظ البنك المركزي أنه يجب تعويم الجنيه بشكلٍ كامل؟
عامر: كان من الواضح أنه يجب أن يكون نظام سعر الصرف مرنًا. كان السؤال فقط ما هي درجة المرونة. ولم يتضح لي ذلك إلا عندما تم الإفصاح لي عن التفاصيل كاملة بعد أن توليت المنصب.

استشرت كل من شعرت بمصداقيته، سواء في الخارج أو الداخل أو بالبنك المركزي. وكان بيننا اختلافات في الآراء، بالطبع، ولكن كانت هناك عدة مناقشات صادقة ومفتوحة. وبلغ الأمر ذروته هذا الخريف في واشنطن، حين قابلت عبد الشكور شعلان، وهو أحد أقدم الخبراء لدى صندوق النقد الدولي، كما أنه رجل صادق رأي الكثير خلال رحلة حياته، أعطاه الله الصحة وأطال في عمره.

وسألته “ما هو رأيك؟” فرد علي قائلا، “إنها المهمة المستحيلة، ولكن يجب أن تقوم بها”. وحينها أدركت أن هذا هو السبيل الوحيد لإنقاذ الموقف، لم نكن نسير في اتجاه جديد فحسب، ولكننا كنا نطرح مفهومًا جديدا لاقتصاد البلاد. كان هذا الموقف مثل حرب السادس من أكتوبر، عندما كنا نعد لعبور القناة، إنها المهمة المستحيلة، ولكن نتائجها كانت مذهلة.
إنتربرايز: إذا كيف استطعتم الحصول على الإجماع على خطوة التعويم الكامل؟
عامر: كان هذا هو أكثر الأمور أهمية، وهو كيفية إعداد أصحاب المصلحة والحصول على دعمهم، لأن مثل هذا القرار يؤثر على كل بيت وكل مؤسسة داخل مصر، ويؤثر بالطبع على سمعة الاقتصاد.
يوم أن توليت منصب محافظ البنك المركزي منذ عام تقريبًا، سعينا إلى فهم المشكلة لتشخيصها على نحو سليم، ما جعل الطريق والتحديات واضحة أمامنا، فكيف سنتمكن من تغيير المفاهيم التي كانت سائدة لسنوات عديدة؟

كان من الطبيعي أن تواجه مقاومة. واجهنا موقفا مشابها من قبل، وذلك عندما تم تعييني بالبنك المركزي كنائب للمحافظ عام 2003 مع أول برنامج للإصلاح. كنت أدرك أن الجميع يساورهم القلق عندما تتحدث عن الاتجاه الجديد في السياسة. الجميع بما في ذلك البرلمان، والناس، والسلطات. الجميع. وكنت على قناعة بأنه إن لم يكن لديك الإرادة السياسية لتنفيذ البرنامج، فلن تستطيع إحراز تقدم.
استخدمنا الآن الكثير من الأساليب التي أثبتت نجاحها عام 2003 – وهي تصميم برنامج شامل يحتوي على مواعيد محددة للتنفيذ وأهدافا يمكن قياسها. أتذكر عندما قالوا للمحافظ فاروق العقدة حينها “كيف ستتمكن من المجازفة أمام الرئيس وتضع الأهداف لكل ربع وبأرقام يمكن قياسها؟”

ولكننا أتينا من القطاع الخاص، حيث تعلمت كيف يتم إنجاز المهام. وكان جزءٌ من ذلك، بالطبع، هو الرغبة في النجاح. في وظائفنا، سواء بالقطاع الخاص أو الحكومي، أصبحت الرغبة في تحقيق المهمة مثل الأدرينالين لي ولفريق العمل معي، ولم يكن الأمر مجرد القيام بالوظيفة فحسب.

في النهاية، كنا متحفظين في السيناريوهات التي وضعناها، وبالطبع، كانت لدينا سيناريوهات لأسوأ الظروف، ولكن جاء وقت كنت أتحدث فيه إلى المسؤولين الآخرين وأقول لهم “نحن نتحدث فقط عن أسوأ السيناريوهات، فدعونا نتحدث عن السيناريوهات الجيدة، لأن هناك بالطبع فرص”.
إنتربرايز: كيف كان إحساسك في الليلة التي سبقت اتخاذك للقرار؟ هل كان يساورك القلق؟
عامر: ليست مسألة قلق، كان لدينا حماس شديد، لم نستطع الانتظار لكي نصل لتلك اللحظة لأننا كنا نعلم أنها ستحدث. لم أجد صعوبة في النوم ليلتها – ولكن كنت لا أنام ليلاً عندما كنا نؤجل تلك الخطوة مرات ومرات. كان هناك العديد من الاشتراطات، والعديد من الأشياء التي يتعين القيام بها. كان هناك المزيد من الدعم من بعض القطاعات وصناع السياسة والذين كان يجب مشاركتهم، ومنهم السلطات المحلية، وصندوق النقد الدولي، والسوق، والقطاع المصرفي.

فكلما اقتربنا من هذا اليوم، تحسن شعورنا كثيرًا. كنت قلقًا بشأن النتيجة، وليس بشأن مدى صواب القرار.
إنتربرايز: والآن، وبعد أن بدأت دلالات النجاح تظهر، أعتقد أنه لا يمكن الجدل بشأن القرار بعد ذلك.
عامر: بالطبع، فالنتائج فاقت توقعاتنا. فبفضل الله تمكنا من اجتياز الصعاب. وفريقنا هنا أبلى بلاء حسنا، فالطريقة التي تم بها تنفيذ القرار، والإعدادات التي قمنا بها وطريقة تنفيذها، نموذج يعتمد على المعايير الدولية.

ساهمت ثلاثة أشياء في تحقيق ذلك: الاقتناع بالخطوة، والإعداد الدقيق لها، والدعم السياسي على أعلى المستويات. ما جرى يمثل نموذجا للمنطقة يحتذى به، وأعتقد أننا الاقتصاد الوحيد بالعالم العربي الذي لديه نظام سعر صرف عائم، ويرجع الفضل في هذا كله إلى الشباب الذين يعملون هنا بالبنك، فبدونهم وبدون الإرادة السياسية للإصلاح على أعلى مستوى، لم نكن لنحقق ما حققناه.
إنتربرايز: والآن وقد عبرنا القناة، كما تقول، هل هناك ما يمكن أن يجعلكم تتدخلون مجددا في سوق الصرف؟
عامر: نتدخل؟ لا، مطلقا. أصبح هذا في سجل التاريخ، فلن يكون هناك تدخلاً آخر. كان الجميع يتحدث عن ضخ البنك المركزي لاثنين أو أربعة مليارات دولار، ولكن ذلك لم يكن حقيقيا، إذ أن القيام بمثل هذا الأمر يتعارض مع الفكرة التي كنا ننفذها.

كان السوق يعتقد بأنه لا يزال يتعين علينا تقديم الدعم لنظام سعر الصرف. لا، نحن نريد لهذا المولود الجديد أن يقف على قدميه وأن يدعم نفسه.
إنتربرايز: وكيف ستفعل ذلك؟
عامر: لأول مرة، وجدت البنوك المحلية نفسها مسؤولة عن تحديد سعر الصرف بدلاً من انتظار البنك المركزي أن يقوم بذلك. فهذا الأمر جديد بالنسبة لها، نظامنا المصرفي في غاية القوة والكفاءة والخبرة، وقاموا بعمل رائع.

عندما تنظر إلى ما حدث، سيتضح لك أمران: أولا، هو أننا حققنا ما حققناه معتمدين على أنفسنا، فالبرنامج وطني بالفعل، وثانيا، أننا أنجزناه بدون الحاجة إلى الدعم المالي الذي اعتدنا عليه طيلة السنوات الماضية.

أتذكر عندما كان الصحفيون يتصلون بي كل يوم، ويسألون عن المليار الدولار الذي سيأتي من هنا وهناك، وكنت أقول لهم، “هذا سؤال سيء”. “لم نكن ننتظر المساعدة، وعلينا أن نعتمد على أنفسنا”.

إنتربرايز: كيف تبدو العلاقة مع البنوك الآن؟
عامر: صدق أو لا تصدق، لم أرفع سماعة الهاتف لأتحدث لأي بنك منذ 3 نوفمبر. أريد أن يدركوا أنه لا تأثير عليهم. وتوجيهاتي لرجالنا هي أن هدفنا هو حماية هذه المنظومة فقط.
لا يوجد استهداف لسعر صرف محدد بعد الآن. لقد رأيت: عندما بدأنا، كان سعر الصرف في السوق 11 جنيه. ثم 13-14. ثم 15 ثم وصل إلى 17 جنيه للدولار. السوق يتكيف مع النظام الجديد، وأعتقد أن هذا التذبذب جيد جدا، هذا أمر صحي. سيستغرق الأمر بعض الوقت ليستقر السعر في المستوى الذي ينبغي أن يستقر عنده.
إنتربرايز: إلى متى ستستمر فترة التذبذب قبل أن يتحرك السعر في نطاق أضيق؟
عامر: أريد أن أقول لك شيئا. المستوردون والمصنعون اليوم، كما أتصور، لا يريدون شراء النقد الأجنبي عند هذه المستويات. بسبب التذبذب، حسنا؟ ولكن دعني أجيب على سؤالك بسؤال: هل تعرف كم سيكون سعر الجنيه الإسترليني بعد خمس دقائق من الآن أو غدا؟ أو الفرنك السويسري؟ لا تعرف.

أريد أن أكون واضحا في هذا الصدد: دعونا نتخلص من هوس سعر الصرف. هذه الأيام ولت. دعنا بدلا من ذلك نفكر في الاقتصاد الحقيقي. سعر الصرف الآن يحدده نظام سوق خارج البنك المركزي، وأنا سعيد للغاية بإزاحة هذا الدور عن كاهلي. الضغط كان رهيبٌ.
إنتربرايز: حدثنا أكثر عن هذا الضغط.
عامر: كان عليك توفير كل شيء، كل يوم. إذا كانت لديك أسرة من 3 أفراد، تشعر بعبء حقيقي، أليس كذلك؟ كان لدي 90 مليون مواطن في حاجة لاستهلاك سلع يوميا تأتي من الخارج. يتمثل إنجاز فريقنا هنا في أنه لم يكن لدينا أي مشكلة مستمرة أو نقص حاد في أي شيء، سواء في النفط أو الغاز أو الطاقة أو واردات الغاز الطبيعي المسال، أو السلع الأساسية، أو الغذاء، خلال العام الماضي.

كل يوم كان عملنا هو البحث عن طرق مبتكرة لتمويل عجز ميزان المدفوعات والحساب الرأسمالي. الأشياء “الصغيرة” مثل فتح الباب أمام اعتمادات الموردين، كانت تحدث فارقا، فارق جلب لنا 6 مليارات دولار في هذه الحالة، فقط من خلال التفكير كمدير مالي وتطبيق أساسيات إدارة التدفقات النقدية.
إنتربرايز: كيف ترى تأثير التعويم على تدفق الاستثمار إلى الاقتصاد؟
عامر: المعادلة بسيطة. كي تحقق مزيدا من النمو، عليك جلب المزيد من التمويل بأكثر من المتاح محليا. المنافسة على الاستثمار العالمي مرتفعة، يريد الجميع جذب الاستثمارات لرفع معدل النمو وخلق فرص عمل.

كي تنافس، تحتاج إلى نظام صرف أجنبي يعمل بكفاءة وشفافية. كيف يمكن لمستثمر أن يأتي ويضخ أموال بسعر صرف أقل بنسبة 50% من سعره في السوق؟ لن يأتوا.

الآن، يكافئ السوق مصر على التعويم. على عكس توقعاتنا، مستثمرو المحافظ في سوق الديون جاءوا بعد التعويم تقريبا.استطاعت البورصة الصعود 35% منذ 3 نوفمبر، هذا أفضل أداء بين أسواق المال على مستوى العالم خلال الشهر الماضي. كانت البورصة في موجة صعودية رغم هبوط الأسواق الناشئة. كان من الممكن أن نرى نشاطا أكبر للبورصة إذا كان بها المزيد من الأسهم.
المستثمرون الأجانب ينعشون التعاملات الآن، وسيخلقون فرص عمل، وينقلون خبراتهم. وفي الوقت نفسه، سيعود خفض قيمة العملة بالنفع. يعمل المنتجون المحليون، المصريون والأجانب، الآن من أجل تحسين المكون المحلي ويسعون للوصول للأسواق الخارجية. هذا تحول كبير نحو الأفضل على المدى الطويل.

بفضل برنامج الإصلاح الذي بدأ تنفيذه في 2004، بنوكنا اليوم قوية وتستطيع الوصول لأسواق المال الدولية بسهولة. في أسواق ناشئة أخرى ليست أكبر كثيرا من حجم مصر، تجتذب أنظمتها المصرفية وحدها 100 مليار دولار من التمويلات الدولية، عبر إصدار سندات، وقروض ثنائية وقروضا مشتركة، وما إلى ذلك. الطريق مفتوح أمامنا الآن فيما يتعلق بامكاناتنا لجلب السيولة.
كل هذا يدعم توجه مصر نحو إصدار السندات الدولية المحتملة. التقينا بمستثمرين في نيويورك وواشنطن ولندن، وقالوا لنا إنهم يحتاجون أن يطمئنوا بأننا جادين في تطبيق برنامج كامل. ولذلك عندما نذهب كدولة إلى أسواق المال الدولية الآن، فإن الصورة تكون واضحة أمام المستثمرين.
سيكون لكل هذه التدفقات أثر إيجابي بشكل تلقائي على مستويات التداول وعلى مستوى السعر العام. وكل شيء سيوضع في مكانه تلقائيا. لا أرى أن ذلك سيحدث في المستقبل البعيد، هذا بدأ يحدث اليوم بالفعل.
أدى الهروب والإنكار إلى ما كنا عليه قبل التعويم. يعلم المستثمرون الدوليون اليوم أننا جادين. نحن لا ندير السياسة النقدية على أسس سياسية. ويرجع الفضل في ذلك إلى فلسفة القيادة السياسية للبلاد: “دعونا لا نخدع أنفسنا”. نحن بحاجة إلى تحديد المشاكل ومواجهتها.
إنتربرايز: قلت إن البورصة المصرية يمكن أن ترتفع أكثر لو كان هناك المزيد من الأسهم. كيف يمكن أن يساعد برنامج طرح الشركات المملوكة للدولة في تحسين فرص الاستثمار؟
عامر: نؤمن بشدة في مستقبل مصر كمركز رئيسي لسوق مال. لدينا الكثير من الأدوات، لدينا العديد من الشركات في البلاد، من بينها الكثير مملوك كليا أو جزئيا للحكومة. طموحنا هو أن نطرح معظم هذه الشركات في البورصة. سيدفعنا ذلك إلى إعادة هيكلة الشركات التي تحتاج إلى هيكلة قبل طرحها في البورصة، لتحظى بقبول المستثمرين الدوليين.

نرى برنامج الطروحات في البورصة كمحرك للإصلاح، ومراقبة المستثمرين الدوليين للشركات المملوكة للدولة أمر مهم. عندما يتم تداول أسهم هذه الشركات، فإن أداء أسهمها سيعكس مدى كفاءة الإدارة.

رأيت ذلك عندما توليت إدارة البنك الأهلي المصري، فكان علينا أن نعالج مشاكل هيكلية ونكون أكثر شفافية، لطرق أسواق الدين الدولية. ونجح الأمر بالفعل. وكنا أول بنك حكومي يطرق تلك الأسواق.
إنتربرايز: ما هي مهمتك الآن في البنك المركزي؟ وماذا بعد؟
عامر: مهمتنا هي حماية نظام الصرف الجديد. مثلما أبلغت السلطات، هذا النظام مرن، ويمتص الصدمات. وسيكون انعكاسا للأحداث السياسية والاقتصادية. ولن نتدخل أبدا في النظام. نحن كوطن دفعنا ثمنا باهظا للوصول إلى هذه النقطة. وواجهت شخصيا الكثير للوصول بالمنظومة إلى هذه النقطة. لن يحدث هذا مجددا. هذا التدخل أصبح من الماضي.
في العام الماضي، وسع البنك المركزي ولايته بما تجاوز ما هو مألوف بالنسبة لبنك مركزي. أعطى الرئيس بنفسه لنا هذه المساحة. أعتقد أنه اعتبر البنك المركزي بمثابة كبير مستشاريه الاقتصاديين. كان لهذه الثقة من الرئيس دور كبير في دعم قدرتنا على إجراء التعويم على الرغم من التحديات التي واجهتنا على طول الطريق.
إنتربرايز: دون أن أطلب منك الدخول في تفاصيل سياستك العامة: هل من الممكن خفض أسعار الفائدة كي يخف عبء خدمة الدين على الحكومة، لكي يتلائم ذلك مع استراتيجيتها الخاصة بتقليص الإنفاق؟

عامر: تحدد لجنة السياسة النقدية أسعار الفائدة. ومنذ التعويم، تدفقت استثمارات الأجانب في سوق السندات لآجل 10 سنوات وخمس سنوات وأذون الخزانة. وبعد صعود أسعار الفائدة (على أدوات الدين الحكومية) بمقدار 300 نقطة أساس، سرعان ما فقدت 200 نقطة أساس. هذا يقول لك إن الأشياء تتجه نحو مكانها الصحيح. 2% أمر كبير بالنسبة لوزارة المالية ولكني أقدر للوزارة قبولها بهذه الخطوة فيما يتعلق بأسعار الفائدة. تقبلوها لأنهم يعلمون أن هذا إصلاح هيكلي، وفي النهاية سيعود بالنفع على سياساتهم أيضا.
ولكن لم يمر سوى شهر على التعويم. لا تطلب كل شيء اليوم. [يضحك] دعنا نكون واقعيين بعض الشيء.
هناك أيضا رسالة من السوق للحكومة الآن: سعر الصرف عند هذا المستوى له علاقة بنتائج النشاط الاقتصادي. لذا، إذا أردنا مستوى مختلف لسعر الصرف الأجنبي، يجب أن نعمل على الأساسيات: على الصادرات، على رفع مستوى السيولة، على زيادة الإيرادات، على التفكير في كيفية جذب المستثمرين، سواء من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص أو من خلال تحسين بيئة الاستثمار.
وكما ترى، سعر الصرف الآن مقياس للأداء الاقتصادي. نحن نعمل على ذلك بشكل مكثف في المجلس الأعلى للاستثمار تحت قيادة الرئيس.
إنتربرايز: من الموضوعات الثانوية التي تبحثها الحكومة اليوم، تحرير الأسواق بشكل أو بآخر، مثل تحرير سوق الطاقة، هل هناك حاجة لتحرير النظام المصرفي، أم أن النظام يسير على الطريق السليم؟
عامر: ما نحتاجه في القطاع المصرفي هو المزيد من التطوير والمزيد من الابتكار. أساس النظام المصرفي متين جدا. التحدي الآن هو أن تبتكر. نحن نستعد الآن للمرحلة الثانية من الإصلاح المصرفي. سيكون ذلك مثيرا للاهتمام.
هل نستطيع معرفة ملامحها الرئيسية؟

عامر: لا (يضحك). ننظر الآن إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والشمول المالي وأنظمة الدفع المالي. سنقوم بإنشاء نماذج مشروعات لتلك الملفات لضمان تحويلها من مبادرات إلى واقع على الأرض. ولدينا أيضا بعض الخطط التي نعمل عليها تتعلق بتطبيق معايير للتأكد من قيام البنوك بالاستغلال الأمثل لقدراتها.

علينا أن نضع المبادئ التوجيهية ومعايير الحوكمة التي من شأنها ضمان قيام البنوك بالاستخدام الفعال لإمكانياتها بما لا يخل بوضعها الصلب. وهذا هو المكان الذي يأتي منه الابتكار. نريد أن نرى منتجات وخدمات وأفكار مصرفية جديدة. نريد تطوير روافد الإيرادات التشغيلية مع استخدام الحد الأدنى للأصول ورأس المال. نريد أن نرى المزيد من التنويع والمزيد من الخدمات الاستشارية.

ويعتبر وضع حدود لتركز محافظ البنوك الائتمانية، التي أصدرناها في يناير الماضي، جزء من هذا الإصلاح. نريد أن نخلق سوقا يزخر بالمزيد من التنافسية في قطاع تمويل الشركات، وهذا يساعد المستهلك في الحصول على أفضل الأسعار وأفضل الخدمات وأفضل السلع.
إنتربرايز: ما هو الجزء الأفضل في عملك؟
عامر: لا أدري بالتحديد. أحب هذا العمل، ولا أرى نفسي أعمل مجددا في القطاع الخاص. أشعر بالرضا عن العمل في القطاع العام والقطاع المصرفي. أحب البنك المركزي وأشعر أنني جزء من تلك المؤسسة، كما أملك فريق عمل مذهل. عقدت منذ سنوات مقابلات عمل مع كل فرد في هذا الفريق، وهو الآن فريقي وأحب العمل معهم في هذه المؤسسة.

أحب أن أقول أيضا إن نحو 40% من الموظفين سيدات. أنا سعيد للغاية أننا استطعنا استعادة الثقة في هذه المؤسسة، كما نشعر بالامتنان للقيادة السياسية لإعطائنا مساحة ضخمة للابتكار واتخاذ القرارات.
أنا فقط أحب هذه الوظيفة.
إنتربرايز: ما الذي يجعلك مستيقظا في الليل؟
عامر: لا شيء. أنا أضع رأسي على الوسادة وأنام، فأنا أملك ذهنا صافيا.
إنتربرايز: ماهو أسوأ جزء في الوظيفة؟ بعيدا عن أشخاص مثلنا يوجهون إليك الأسئلة.
عامر: أنت تعلم جيدا أن ذلك النوع من المناصب لديه سماته المميزة، فهناك دائما منافسة وبعض الأمور الشخصية والسياسية التي تتداخل في إطار العمل. لم يكن العمل الفني تحديا بالنسبة إلي، بل مدى القدرة على الجمع بين كل العاملين في المؤسسة، وأنا أتمنى أن يتطور الوضع للأفضل في المستقبل.
إنتربرايز: ما هو أفضل كتاب قرأته مؤخرا؟
عامر: أنا للأسف لا أملك وقتا للقراءة. لقد استمتعت كثيرا بقراءة رواية The Chamber، ولكن الكتاب الذي أحب قراءته أكثر من أي شيء هو القرآن الكريم.
إنتربرايز: فقط خلال رمضان؟ أم على مدار العام؟

عامر: في كل الأوقات: لست متشددا، ولكن القرآن مُلهم بالنسبة إلي، فهو يعطيك النظام الذي تحتاج إلى السير عليه في الحياة ويصحح أخطاءك، كما يرشدك أيضا إلى كيفية التعامل مع من حولك وكيف يمكنك الاعتناء بهم.
أحب أيضا كتاب والتر إيزاكسون عن السيرة الذاتية لستيف جوبز. أحببت ما قاله في الكتاب حول هؤلاء ممن يرغبون بشدة في تغيير العالم من حولهم، حتى أنهم يقومون بتغييره بالفعل. وأنا أؤمن بذلك كثيرا

مقالات ذات صلة

إغلاق