اقتصادسياسة

شرق أوسط لا يعرفه الغرب

يقدم رائد الأعمال الأمريكي  كريستوفر شرودر للغربيين نظرة مختلفة عن  الشرق الأوسط الذي “لا يمكن اختصاره في داعش”.

1451418_766128093413257_1964032434_n

كريستوفر م. شرودر – هافنجتون بوست

ترجمة – محمود مصطفى

فكرت ذات يوم ف  القوانين الثلاثة الثابتة التي كانت تحكم العالم، عندما كنت في كلية الاعمال خلال تسعينيات القرن العشرين، وهي: 1- اليابان فازت بكل شيء 2- لن تتمكن الصين من النمو بدون الديمقراطية على طريقة الرئيس جيفرسون 3- الهند ستبقى لعقود حالة ميئوسا منها.

بالطبع،  بعد سنوات قليلة لم يعد أحد يقول أياً من هذا، ويمكنني أن أؤكد لك أنه حتى عندم تم قبول هذا التغيير لم يتخيل أحد أنه خلال عقدين سيأتي أحد أكبر الإكتتابات العامة الأولية في السوق الأهم في التاريخ من شركة صينية للتجارة عبر الإنترنت،  وأن الأغلبية العظمى من قيمة الشركة لم تعتمد بأي حال على الغرب ناهيك عن الولايات المتحدة.

هذه الأفكار كلها جاءتني بعد إلقاء كلمة أمام حوالي 200 من الفاعلين في السياسة الخارجية في واشنطن، ومن بينهم الجيل المقبل، وخلال هذه الكلمة سألت كم منهم يعرف “جاك ما”، مؤسس شركة علي بابا، الشركة الصينية المذكورة أعلاه، تقريباً أربعة أياد فقط ارتفعت مجيبة سؤالي.

الحكايات الشخصية تتغير ببطء، إذا تغيرت بالأساس، والحكايات المؤسسية تتغير بشكل أبطأ، لذا يجب أن لا أندهش من أن الحاضرين لم يجدوا إجابات عنما سألتهم أن يخمنوا المنطقة التي أصفها كالتالي: يتشارك حوالي 400 مليون شخص نفس اللغة والكثير ثقافياً، لها ناتج إجمالي محلي للفرد أكبر من مثيله في الهند أو الصين، لديها واحد من أسرع معدلات الإعتماد على الإنترنت ومعدل استخدام الهواتف الذكية يتجاوز بشكل مريح الـ50%، المنطقة وجهة لعدد هائل من السياح وجزء ضئيل فقط يحجز رحلاته إليها عبر الإنترنت، لديها قاعد مستهلكين ضخمة وتعتبر التجارة الإليكترونية فيها وليدة، 7% من العالم يبحث عن محتوى بلغتها لكن هذا المحتوى يمثل أقل من 1% من المحتوى العالمي على الإنترنت، ولديها جيل جديد تواق، في الواقع فقاعة شباب، يبحث عن فرص إقتصادية.

صُدم الحاضرون حينما عرفوا أني أصف الشرق الأوسط.

صُدموا لأن هذا الوصف يناقض حكاياتنا عن تاريخ من القلاقل السياسية وعدم الاستقرار والعنف. صُدموا لأنهم اليوم مُغرَقون بفيض من التقارير المفزعة عن داعش، وهي جماعة من حوالي 12 ألف شخص مسلحين وممولين بشكل جيد وبالقطع متوحشين، بدون التساؤل حول عما يفعله ويفكر فيه الـ400 مليون شخص الآخرين في المنطقة.

صُدموا ليس لأنها أوقات عصيبة الآن في العالم العربي ولكن لأنه صعب جداً أن تحمل فكرتين متناقضتين في ذهنك.

بالتأكيد قد تستفحل داعش إلى ما هو أسوأ وأكثر انتشاراً، لكن قبل 18 شهراً كنت أحكم في مسابقة للشركات الناشئة في بيروت بلبنان شارك فيها أكثر من 14 ألف شاب من مختلف أرجاء العالم العربي يمسكون بمستقبلهم الاقتصادي بين أيديهم.

صديق لي كان يحضر أحد مؤتمرات “تيد إكس”  في القاهرة في ديسمبر الماضي، ووسط الاضطرابات الهائلة في مصر رأى صديقي حوالي 5 آلاف طفلا يتجمعون لحل المشاكل وحوالي 50 ألف مصريا من مختلف أنحاء البلاد كانوا يشاهدون الحدث مباشرة عبر الإنترنت راغبين في تعلم المزيد.

الأسبوع الماضي حضرت مؤتمر “رايز أب إيجيبت 2014” وعلى مدار يومين تجمع ما يقرب من 4 آلاف شاب مصري في الجريك كامبوس أو “الحرم اليوناني” الذي كان جزءاً من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ويقع على مقربة من ميدان التحرير.

أحد أصحاب الرؤى والمغامر الرأسمالي أحمد ألفي يحول الجريك كامبوس إلى أكبر مساحة للعمل المشترك في الشرق الأوسط،  من بين عشرات من المشاريع الشبيهة التي تظهر الآن في المنطقة. أكثر من 40 صحفياً حضروا المؤتمر، هل يمكنكم التخمين؟ لم يكن أياً منهم من الغرب.

من السذاجة، في الواقع من اللا أخلاقي، عدم التركيز على الوحشية والعنف الذي لا رادع له. هل من السذاجة كذلك عدم إدراك الفرص الجديدة والأدوات المتاحة وتبني المستقبل الذي تعد به هذه الفرص والأدوات؟

هاكم سراً صغيراً نعرفه جميعاً: بينما تنهض أمم وأسواق وطبقات وسطى جديدة من بين أنقاض تاريخ صعب ووحشي،  لا يتحمل التغيير ذوو القلوب المرهفة. فالتغيير يصحبه حركة كبرى وألم عظيم، والنظم القمعية لا تتخلى بسهولة عن تركيزها على الحفاظ على سيطرتها بأسلوب “من القمة للقاعدة” حتى بينما يستخدم مواطنيها نهج “من القاعدة للقمة” وأدوات تكنولوجية لحل مشاكلهم واقتناص الفرص المتاحة أمامهم. لم يعد المواطنون ينتظرون الإذن.

لكن شيئاً آخر يحدث كذلك. للمرة الأولى في التاريخ، يمتلك الشرق الأوسط، وكل العوالم الصاعدة، شيئاً بشيئاً سبلاً للوصول للتكنولوجيا في كل مكان وهذا ليس مديحاً في روعة مدينة فاضلة تكنولوجية ما لكنه ذكر للحقائق. خلال هذا العقد سيكون لدى ثلثا البشرية ما يماثل حاسوباً خارقاً، وهي القوة الحاسوبية التي أوصلت الإنسان للقمر، في جيوبهم.

سيتمكنون من الوصول لبعضهم البعض بشكل غير مسبوق ولأفكار تظهر في مكان آخر ويعرفون أنهم يمكنهم العمل من أجلها ولكل المعرفة البشرية، بشكل أساسي، في متناول أيديهم. وسيستخدمون التكنولوجيا الأساسية، مثل الهواتف القديمة التي تمكن من إرسال الرسائل، في تحويل الأموال ومصنوعات بسيطة لأسواق لم يكونوا ليصلوا إليها قبل ذلك.

سيتمكنون من الحصول على تعليم إضافي بطرق كانت كان في وقت من الاوقات متاحة فقط للأغنياء ليعوضوا به فشل نظم تعليمهم. سيجدون طرقاً ذكية لمواجهة المشكلات لأن ملايين أكثر من البشر ذوي موهبة وعبقرية هائلتين، كانوا دوماً موجودين، يمكنهم الآن المشاركة.

لا يمكنني أن أقول لكم كيف ستكون سوريا أو العراق بعد عام ناهيكم عن ثلاثة، لكن يمكنني أن أقول لكم بثقة مقدارها 100% أن ما كتبته حقيقي الآن وسيتوسع بالتأكيد في السنوات المقبلة.

كيف سيحدث ذلك ، وهل سنختار أن نفهم هذه الحكاية الجديدة ؟ هذا  أمر متروك لنا، لكنه أيضاً تدريب مهم على الانخراط في العالم كما هو بدلاً من مما نخشى أنه من المحتم أن يكونه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق