سياسةمجتمع

سكان مثلث ماسبيرو: أين نحن من “الجرافيك”؟

جارديان: هل تستطيع شركة فوستر بدء عصر جديد من إعادة التصميم الحضري في مصر؟

الجارديان – جاك شينكر – روث كايكلسون – ترجمة: محمد الصباغ

على مرمى حجر من نهر النيل، ومن بين المنازل المتشابكة بالأزقة الضيقة، والمقاهي الصاخبة،  يتحدث طارق عبر الهاتف. الصور توضح شارعا تبدو عليه سمة الحداثة ويطل عليه صف من ناطحات السحاب الزجاجية، وعلى أحد الأسقف يجلس رجل عجوز يسكب الشاي ويلعب الشطرنج.

هذا المجسّم أنتجته شركة فوستر –Foster + Partners-  وهي أعرق شركة هندسة معمارية في بريطانيا، وكانت قد فازت بحق إعادة تصميم الحي الشهير بوسط القاهرة، وتعهدت ب”وضع معايير للتطوير الحضري في أنحاء البلاد.“ وكجزء من خططها، سيتحول الشارع الذي يتحدث منه طارق إلى بحيرة، يصطف بجوارها “المقاهي، والمطاعم والمحلات التي ستجعل المنطقة وجهة ترفيهية مرغوبة.“

لكن طارق ،البائع المتجول، الذي طلب من الجارديان عدم ذكر اسمه الحقيقي، يشعر بالاضطراب. ينظر إلى التصميمات الرائعة ثم يرفع رأسه، قبل أن يشير إلى إلى جيرانه من حوله متسائلاً: ”أين نحن من تلك الصورة؟“

تمثل تصريحات طارق اشتباكات خطيرة مع الجدل الدائر حول التطوير الحضري في مصر، أرض المعركة التي تتشابك مع الاضطرابات الثورية طوال نصف العقد الماضي والآن تحمل أهمية سياسية كبيرة مرة أخرى. فالضاحية التي يعيش بها في الخطوط الأمامية للمواجهة بين نموذجين مختلفين من التغيير، والنتيجة تعد بالكشف أكثر عن نوايا آخر الحكام المستبدين في مصر.

اختار نورمان فورستر العمل مع حكومة يتم إدانتها بشكل واسع من منظمات حقوق الإنسان الدولية بسبب حملات القمع الوحشية ضد المعارضة وقيامها بالتعذيب، في المقابل، يبدو أن الشركة تعتقد أنها قد تصنع لنفسها مكاناً في عصر التطوير العمراني- الذي قد يعيد تشكيل أكبر دولة عربية في عدد السكان بشكل أفضل. أليس كذلك؟

المنطقة المعروفة بمثلث ماسبيرو تقع على بعد خطوات من أغلب فنادق وسط القاهرة ذات الخمس نجوم، التي يزورها فقط القليل من السياح، وفي الواقع لم يزرها على الإطلاق المصريين من الطبقة الوسطى. تقع في شمال ميدان التحرير وتطوق بالإعلانات الضخمة من الجنوب وأماكن لبيع الملابس في شمال المنطقة، وفي الغرب هناك نهر النيل ومبنى البروباجاندا الحكومية الكبير.

يعيش أغلب سكان المنطقة –حوالي 41 ألف نسمة- بعيداً عن الأضواء في ظل أبراج الاتصالات بالمبنى، الذي منه تبث عشرات القنوات التابعة للدولة 24 ساعة يومياً إلى كل أنحاء البلاد. ويقول أحد تجار المعادن –الخردة- بالمنطقة:”كلنا نعرف بعضنا هنا. والجميع سمع بالمخططات.“

مثل الكثير من المناطق الأكثر فقراً في المدينة، فهي مطمع للمستثمرين، وكان مثلث ماسبيرو لسنوات محط اهتمام العديد من خطط إعادة التطوير –لم تتحقق أي منهم. أثناء حكم الديكتاتور المعزول حسني مبارك، تجسدت أسوأ ملامح الدولة الاقصائية في مصر: فساد النخبة، وعدم المساواة المتزايد والعملية المخطط لها التي وفقها في الغالب كان المواطنين العاديين سيطردون من منازلهم بدلاً من استشارتهم حول مستقبل ضواحيهم.

مع ذلك التاريخ من التدمير، سيفاجئنا قليلاً أن يكون بعض سكان مثلث ماسبيرو غير واثقين من أي مقترح حكومية، ومن أي ممولين خليجيين يمتلكون الكثير من العقارات بمنطقة ماسبيرو. ويتسائل طارق: ”يريدون تلك الأرض لرجال الأعمال، مهما فعلوا، 90% مما يقومون به هو للأغنياء وليس للسكان الحقيقيين. سيأخذون منازلنا بالقوة ويطردوننا في العراء.“

والجدير بالذكر حول خطة تطوير ماسبيرو هو التأكيد على القيام بها بشكل مختلف. عندما بدأ العمل في عام 2013، مع وصول الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي إلى الحكم، بدا الأمر كتجربة فريدة للتطوير الحضري تتوجه أكثر نحو احتياجات المواطنين بدلاً من مصالح القطاع الخاص.

توضح ليلى اسكندر، التي تمتلك ماضياً قويا في العمل بالمجتمع المدني، وعنها السيسي كوزيرة للتطوير الحضري والعشوائيات، قائلة ”يؤسس ذلك لأي شئ آخر.“

وفي حركة وصفتها اسكندر ب”الاستثنائية“، قامت الوزارة بالتعاون مع تجمع من المهندسين المعماريين الشباب الذين بالفعل عملوا على مشروع مجتمعي غير رسمي بالمنطقة. ويقول محمد أبو تيرا أحد أعضاء مجموعة –Madd- المستقلة المكونة من مهندسين معماريين وباحثين في شؤون المناطق الحضرية ”نحن نقوم بتصميم خيال الناس.“ وتعارض المجموعة بشدة فكرة سيطرة الليبرالية الجديدة على الفضاء العام في مصر وجعله سلعة. ويضيف:”وظيفتنا.. هي مساعدة الناس على خلق بدائل تسمح لهم بمعارضة شئ ما أو المطالبة به، وأن يعرفوا أن هناك احتمال وجود واقع مختلف عن الذي تقدمه الحكومة.“

مشاركة ماد (Madd) وإعلان المسابقة الدولية للتخطيط لمستقبل ضاحية ماسبيرو مبني على شئ من العمل الجماعي، وكان سبباً في التفاؤل بين المصريين من الخراء في التخطيط للمدن، وكانت المؤشؤات إيجابية في البداية. تم انتخاب الممثلين المحليين من أجل بلورة آراء السكان والاستماع إلى أفكارهم، كما تم الاستعانة بشركة كندية لتصوير كل مبنى وصناعة نموذج ثلاثي الأبعاد للمنطقة بكاملها. وفي سبتمبر من ذلك العام، تم إبعاد إسكندر عن وظيفتها.

دق ذلك أجراس الخطر بين أعضاء ماد (Madd) ليس فقط لأن المشروع أصبح الآن بين يدي وزارة الإسكان –التي يقودها مصطفى مدبولي، أحد العناصر الرئيسية خلف مشروع عصر مبارك –القاهرة عام 2050- الذي اشهر بخطط إعادة التسكين التي تميل إلى الأعمال التجارية والتي استهدفت الضواحي الفقيرة. اختيار فورستر وشركاه لتصميم مستقبل ضاحية ماسبيرو ،على الرغم من عدم فوزها بالمسابقة بشكل صريح -فقد حصلت على الجائزة الثانية دون ذكر الجائزة الأولى، جزء من ذلك لعدم الاهتمام التخطيط التشاركي- مما أثار بعض المخاوف منذ ذلك الحين.

وقالت إسكندر: ”أعتقد أن العرض المقدم كان يفتقد الدقة التي ارادتها –لجنة التحكيم- فيما يتعلق بالتشاور مع المجتمع. ولو فعلوا لك، فسيكون شكل من السطحية- لم يكن عميق جداً.“

تعرضت شركة فوستر لانتقادات بسبب الفشل في الحفاظ على الطابع الفريد للمنطقة الذي يعود للقرن ال19، ولمحاولة فرض ”طراز هوسمان“ المعماري في الضاحية. لكن ربما الأكثر إثارة للقلق لمجتمع ماسبيرو –قضية ما سيحدث للسكان الحاليين- الذيت تخيم حولهم الشكوك.

في تصريح للجارديان، ذكرت شركة فوستر:”كانت المنافسة على مشروع مثلث ماسبيرو تدار تحت إشراف اتحاد المهندسين المعماريين الدولي (UIA). نتفهم أن السكان المحليين وملاك الاراضي كانوا مشتركين في عملية المنافسة…. وتعمل وزارة الإسكان الآن على الخطوات القادمة.“

كما أكد التصريح أن ”السكان المتواجدين حالياً في المنطقة سيسمح لهم بالحفاظ على علاقاتهم العملية والحياتية المتداخلة.“ وزعمت إسكندر إن الترحيل الإجباري لن يكون خياراً –ليس فقط لأن السكان لن يتفبلوا ذلك مرة أخرى. وتابعت ”لقد قمنا بثورة.“

أما شريف الجوهري، من صندوق تطوير المناطق العشوائية في مصر والتابع للحكومة، فقد ردد هذا التصريح: ”نهتم بإبقاء السكان في المنطقة، وألا نجبرهم على الخروج، وكيف ننمي احتياجاتهم اجتماعياً واقتصادياً بعد التطوير.“ كما أقرّ بأن الخطة التي قدمت سوف تغير ”الموقف الاقتصادي“ بالمنطقة وأضاف ”بعض الأنشطة في مثلث ماسبيرو مثل ورش السيارات وما شابهها يجب ان يتم نقلهم خارج المنطقة. كما أن بعض المواطنين سيغيرون من وظائفهم وفقاً للموقف الجديد.“

ستبقى التفاصيل غائبة حول ما سيحدث بالفعل. ويقول ديفيد سيمس، المخطط الحضري والمؤلف المتخصص في شؤون القاهرة، ”كل شئ ضبابي. رؤيتي الخاصة هي أن تلك الضبابية تخدم سلسلة من الاهتمامات الخاصة. وأي خطة سيكون من الصعب تنفيذها دون غدارة جيدة وأموال كثيرة خلفها، أو قمع كبير. مصر لا تمتلك التاريخ الذي يجعلك تشعر بالثقة.“

وبالنسبة للمهندسين الشباب الذين لم يعودوا جزءاً من المشروع، هناك تخوفاً من أن الحكومة المصرية وشركائها الدوليين في التخطيط الهندسي، يمدحون فقط شفوياً حقوق السكان والأمر نفسه لإعادة التخطيط العمراني بالعاصمة.“

ويقول أحمد برهام ،من مؤسسة ماد، ”هناك الكثير من التناقضات التي لا معنى لها، ويعطون الانطباع بأن الحكوممة تبيع مجرد صورة.“ ويعتقد زميله أبو تيره إن توترات ماسبيرو تعكس عدم اتصال كبير بين الخطاب الشعبوي للنظام وبين الواقع، الذي تغيرت سياساته قليلاً منذ عصر مبارك.

ويضيف ”لا يمكن مسح غبار الماضي. لا جديد مع هذا النظام: الحكومة تريد حلول سريعة، ودخل سريع.“

تحت حكم السيسي، قدرة المواطنين العاديين على امتلاك رأيهم الخاص في التطوير الحضري أو أي شئ آخر ليس بالأمر الشائع: تم تمرير قوانين جديدة تجرم التظاهر بشكل مؤثر، وتم التضييق بشدة على حرية التعبير. أشارت شكرة فوستر إلى أنها ستعزز من نبض المناخ العام بالحياة، وعلى ما يبدو تجهل مجهودات عميلها الكبيرة للتقليل من كل أنواع الحيوية في المناخ العام في السنوات الأخيرة.

في المخطط، نماذج المباني متجانسة في مستقبل ماسبيرو، ولا يوجد مكان أبداً للماضي والحاضر وصراعاته المحتدمة. كان مثلث ماسبيرو موقعاً للعديد من الأحداث المشتعلة في السنوات الاخيرة، من بينها التظاهرات العديدة ضد المجمع الحكومي الإعلامي، ومذبحة الجيش الشهيرة التي شهدت مقتل 28 قبطياً مسيحياً عام 2011.

على العكس، عبرت صور فوستر عن  الأوهام، وقال الكاتب المصري أدهم سليم بسبب ذلك عن أن في مصر ”نظاما من الجرافيك“ يقدم أحلام الغد من أجل تحكم أكبر في اليوم.

لم يفقد الجميع الأمل في مثلث ماسبيرو. بينما تفائل بحذر بعض المتخصصين المعماريين المصريين، لو نفذت بحساسية، ويروا أن رؤية شركة فوستر قد تتسبب في خطوة إلى الأمام في التخطيط بالمقارنة مع ما كان يحدث من قبل.

كما هناك بعض المواطنين السعداء بسبب التغيير المحتمل- بالرغم من إصرارهم على عدم الانتقال من المنطقة. يقول شخص يدعى عزت ”من الذي لا يحب هذا المظهر؟ لكن هناك مجموعة من بيننا لن يتركوا المنطقة أبداً. لا يوجد حياة خارج هذا المكان، هذا المكان هو حياتي.“

في مخطط فوستر سيكون الأثر الوحيد الباقي هو ماسبيرو: مبنى الإعلام الحكومي. يتبقى سؤال طارق ”أين نحن من الصورة؟“ في إنتظار إجابة منتظرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق