سياسة

ريا وسكينة الاسكندرانية في هاآرتس الإسرائيلية

 يغوص الإسرائيلي إيال بيزاوي في قصة ريا وسكينة  بمناسبة الذكرى 93 لإعدام الشقيقتين السفاحتين.

3421483847

كتب – محمد الصباغ

عن

HAARETZ – Eyal Sagui Bizawe

في الذكري ال 93 لإعدام أول سيدة في التاريخ المصري الحديث قرر الكاتب الإسرائيلي من أصل مصري “إيال بيزاوي” الإبحار في تاريخ “ريا و سكينة”،  الملحمة التي ألهمت السينما المصرية و أقلقت الإسكندرية لعدة سنوات. و بدأ الكاتب في تقريره بشرح ظروف الحياة التي ساهمت في ظهور أشهر سيدتين في تاريخ الجريمة المصري، في “ذلك  العصر، في الإسكندرية مدينة الحب و الحياة، ذات الماضي الزاهر،  المدينة التي تقع على ساحل المتوسط كانت رمزا للفخامة في بدايات القرن العشرين، ورمز للتعددية و الليبرالية في التاريخ المصري الحديث.  الشاعر اليوناني الكبير قنسطنطين كفافي ولد بين شوارعها، و شهدت المدينة ميلاد المخرج الراحل يوسف شاهين الذي كان يذهب لمدرسته بصحبة النجم العالمي عمر الشريف و المخرج اليهودي المعروف موشي مزراحي”.

وبالرغم من ذلك، يتابع تقرير هاآرتس:   فقد كان هناك الآلاف ممن  يعيشون في أحياء فقيرة كالأنفوشي و راس التين. حيث كانت المدينة رمزا للفرق الكبير بين الطبقات الاقتصادية ، و تحديداً بين الأجانب و المواطنين العاديين و المصريين الذين اندمجوا وسط الطبقة المرفهة من الأجانب. في مثل هذه الظروف، ليس من الغريب أن تشهد أحياء الإسكندرية إحدى أبشع سلاسل الجريمة في التاريخ المصري الحديث، ظهرت الأختان القاتلتان ريا و سكينة في بداية القرن العشرين و أصبحت جرائمهما و قصتهما مصدر إلهام للعديد من الأفلام و المسرحيات و بعض الكتب،

وكانت  مصدر إلهام أيضاً للكاتب الإسرائيلي صاحب تقرير هاآرتس.

والذي يحكي:

.عاد أقاربي من زيارة لمصر في الثمانينات و معهم شريط فيديو لمسرحية “ريا و سكينة” من بطولة شادية و سهير البابلي . و كنت في ذلك الوقت طفلاً صغيراً، و كانت المسرحية من أفضل الأعمال الكوميدية التي شاهدتها. و حقيقة أن المسرحية كانت مبنية على قصة حقيقية من عصر الاحتلال في مصر جعلتني مرتبكاً قليلاً، ليس بسبب المعالجة الكوميدية لمادة كئيبة لأنى اعتدت أن المصريين يتعاملون مع أي شيء  بخفة دم،  حتى لو كانت مؤلمة، و لكن السبب كان أنها المرة الأولى التى أسمع فيها عن سيدات يمارسن القتل.

بدأت القصة حين قررت تحسين لغتي الإنجليزية و ذهبت لتلقي دروس في المركز البريطاني بتل أبيب و هناك قابلت كاتب مسرحيات إسرائيلي يكبرني ببعض السنوات، و في إحدى المناقشات أخبرني أن مسرحية ريا و سكينة مأخوذة من مسرحية فرنسية و قال ذلك بكل ثقة، و عارضت كلامه لكنه لم يغير رأيه.

لم أكن قادراً على التعامل مع الغضب بداخلى بعد تلك المناقشة، لكن كنت أعرف أن القصة حدثت في مصر. أخبرني والداي أن الأحداث كانت في الإسكندرية. و فجأة تبين لي أن بعض البلهاء أغبياء لدرجة أن يصدقون أن الأسطورة المصرية تم استنساخها من أحداث في فرنسا. و هنا قررت التحقق.

قصة ريا و سكينة لا ترتبط بقصة “الجواري” أو قصة “الأختان بابين” الشهيرة. الحقيقة أنه مثل الحادثة المصرية، القصة الفرنسية أغضبت الكثيرين و ألهمتهم لكتابة الكثير من القصص و المسرحيات و الأفلام.

قصة كريستين و ليا بابين حدثت عام 1933 في مدينة لومان الفرنسية و كانتا الشقيقتين قد تورطتا في قتل ربة عملهم و ابنتها، أما قصة ريا و سكينة فقد استمرت لمدة عامين بين 1919 و 1921 و انتهت بقتل على الأقل 17 سيدة.

الجنس و المخدرات و القتل

ريا و سكينة على همام ولدتا في صعيد مصر لعائلة بائسة. و المعلومات عن سنواتهم الأولى كانت شحيحة  كما كشف عنها الكاتب الصحفي صلاح عيسى في كتابه عن حالتهما الذي نشره عام 2002.

ولدت ريا تقريبا في عام 1875 و تكبر أختها سكينة بحوالي عشر سنوات. والدهما لا يعرف عنه الكثير، و تربيتا مع أمهما و أخيهما الأكبر “أبو العلا”. و كانت الأم أنانية غير قادرة على منح الحب لأبنائها و أخيهم يعيش أوقات صعبة بحثاً عن وظيفة.

العمل كان متقطعاً بالنسبة للشقيقتان، سواء في المقاهى أو بيع الخضروات و أحياناً كانتا تشاركان أمهما في أعمال السرقة. و من وقت لآخر كانت سكينة تبيع جسدها مقابل بعض الخضروات أو الفاكهة. و بعد ذلك انتقلت الأسرة لقرية الزيات بدلتا مصر.

و بعد زواج و طلاق غادرت سكينة القرية مع عشيق لها إلى طنطا قبل أن تنتقل مع آخر إلى الإسكندرية عام 1913. و بعد ثلاث سنوات جمعت المدينة الساحلية بالشقيقتين حيث وصلت ريا هي الأخرى مع زوجها حسب لله. و مع انطلاق الحرب العالمية الأولى و أزمة اقتصادية، قررت الأختان فتح بيوت لاستقبال الزائرين لقضاء وقت طيب و شرب الخمر و تدخين الحشيش و بالطبع كانت هناك بائعات الجنس.

كانت المرأة المصرية في تلك الفترة تستثمر أموالها في المصوغات الذهبية التى ترتديها و ليس في البنوك، و كانت تلك النساء فرائس للشقيقتن. كانت ريا مع سكينة تتجولن في الأسواق في منطقة اللبان القريبة من قسم الشرطة و يجتذبن النساء لمنزلهن.

كانت الخطة هي أن تصبح الضحية غير واعية بفعل السُكر ثم يضع أحد الرجال قماشة مبللة على فمها حتى تختنق. ثم يسرقون ما ترتديه من مجوهرات و يذهبوا بالمسروقات لصائغ قريب و تقسم الأربح بالتساوي بين أفراد المجموعة.

رائحة الموت

و في غضون سنة من نوفمبر 1919 إلى نوفمبر 1920، اختفت نساء في الإسكندرية دون أثر فكانت العصابة تدفن أجسادهم بمنزل ريا و سكينة. و انهات الشكاوى على الشرطة عن أشخاص مفقودين. و كانت التحقيقات تؤكد أن ريا و سكينة كانتا أخر شخصين يكونان مع الضحايا لكنهم استطعن أن يراوغن الشرطة خلال التحقيق.

و تم فك اللغز بالصدفة، فبعد انتهاء مدة إيجار سكينة للمنزل حاول اكتشف صاحب المنزل الأعمى صدفة الأجسام المدفونة و رائحة الموتي و ذلك حين كان يحفر فأمسك بالعظام وقام بإبلاغ الشرطة التى اتجهت لمنزل ريا و سكينة و ألقيت القبض عليهن و باقي أفراد العصابة.

و شهد شهر ديسمبر من عام 1921 إعدام أول سيدة في التاريخ المصري الحديث و في الحقيقة لم تكن واحدة بل الشقيقتان ريا و سكينة. و لم تنته القصة عند هذا الحد بل امتدت الجرائم، ففى خلال المحاكمة كانت تعيش بادية ابنة سكينة في فندق صغير, و بعد ذلك بثلاث سنوات ماتت “بادية” في حريق بالفندق و اتجهت التكهنات لأن ابنة أحد الضحايا كانت تنتقم من ابنة القاتلة.

واستعرض تقرر هآرتس لأعمال  الفنية والسينمائية  التي تناولت القصة المشهورة، من الكاتب و الممثل الكوميدي نجيب الريحاني ومسرحيته “قضية ريا و سكينة” و كان ذلك أثناء محاكمة القاتلتين. و جاء بعده صلاح أبو سيف في عام 1953 عندما أخرج فيلم “ريا و سكينة” بطولة النجمة اليهودية “نجمة إبراهيم” التى جسدت دور “ريا”.  و بعدها بعامين جاء الدور على النجم اسماعيل يس بفيلم “اسماعيل يس يقابل ريا و سكينة”، ثم استمرت الأسطورة للثمانينات بفيلم ليونس شلبي و شريهان. و لكن يبقي العمل الأنجح  هو المسرحية التى شهدت الظهور الأول لشادية على المسرح.

و شكر الكاتب الإسرائيلي الكتاب الذي ألفه صلاح عيسى “رجال ريا وسكينة”، و المسلسل الذي بثه التليفزيون المصري في رمضان 2005 على تلك المعلومات التى استطاع الوصول إليها. ويخلص منهما إلى أن “الطفولة الخالية من الحب،  و استغلالهما من قبل بعض أفراد أسرتهما و الرجال في حياتهما، فضلا  عن الظروف الإقتصادية خلال الاحتلال البريطاني، كل ذلك قد  قاد ريا و سكينة إلى الجريمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق