سياسة

رجال في الشمس.. سوريون يعبرون إلى إيطاليا في خزان وقود

سوريون يكررون رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس”  ويهربون إلى إيطاليا في خزان وقود

كتب – محمد الصباغ – و بي بي سي

التقى ثلاثة لاجئين سوريين  هم سعيد وأنس وبديع (الأخيران تربطهما صلة قرابة) في تركيا وعبروا إلى اليونان، لكنهم أرادوا الابتعاد أكثر من ذلك. فعائلاتهم في تركيا كانت تعتمد عليهم في إيجاد مكان جديد ليعيشوا فيه. وقاموا بمحاولة لدخول إيطاليا.

يروي سعيد أحد الشباب الثلاثة لـ”بي بي سي” كيف عبروا إلى إيطاليا واللحظات التي واجهوا فيها الموت داخل خزان للوقود الاحتياطي لإحدى الناقلات. وقال سعيد إن سوريين آخريين قد جربوا تلك الطريقة، وقالوا لهم: ”لا تفعلوا ذلك“. قصة اللاجئين السوريين الثلاثة تذكّر برواية غسان كنفاني ”رجال في الشمس“ التي يرصد فيها محاولة ثلاثة فلسطينيين الوصول إلى الكويت، وحاولوا الهرب في خزان شاحنة ولقى الثلاثة حتفهم عندما كان سائق الشاحنة (المسئول عن تهريبهم) يتحدث مع أحد الضباط في نقطة حدودية، فاختنقوا داخل الخزان.

على العكس من رجال كنفاني، استطاع الشباب السوري الوصول إلى إيطاليا لكن تقريباً واجهوا نفس الصعوبات التي واجهها الفلسطينيون في الرواية بداية من الحرارة الشديدة التى أذابت طبقة المطاط الموجودة بالخزان إلى الاختناق وعدم القدرة على الصراخ طلباً للنجدة حتى لا ينكشف أمرهم. كان الفلسطينين الثلاثة  في الرواية(أبو قيس، وأسعد، ومروان) قد ماتوا داخل الخزان ولم يصدروا أي صوت لطلب المساعدة من السائق الذي كان على بعد أمتار قليلة منهم.

يقول سعيد وهو أحد السوريين إنه كان عليهم أن يزحفوا أسفل الشاحنة ويضغطوا أنفسهم كي يتمكنوا من الدخول عبر فتحة الخزان الصغيرة. وأضاف أنه بمجرد رؤيته لخزان الوقود فكر في أنهم يسيرون نحو خزان موتهم.

في الساعة الأولى عقب تحرك الشاحنة أدرك الثلاثة أنهم لن يستمروا على قيد الحياة أكثر من ساعة. كان المكان يشبه الحريق بسبب الحرارة الشديدة، و امتلأ الخزان بعادم الديزل. يقول سعيد أن أنس كانت حرارته مرتفعة جداً وطرق على الخزان كثيراً و أطلق صرخات غريبة حتى سمع ذلك قائد الشاحنة وأوقفها. خرجنا من الخزان وصرخ أنس: ”لدي أطفال، لا أريد أن أموت“.

كان معهم في بداية الرحلة شخص رابع لا يعرفونه جيداً وكان عراقياً وقرروا عودته إلى أثينا لأن الخزان لن يستوعب أربعة أشخاص. ويضيف سعيد أن ثلاثتهم كانوا يعيشون سوياً منذ فترة كإخوة ويثقون في بعضهم البعض. ووافق السائق على عودة العراقي وخسارة 5 آلاف يورو كي لا يصل إلى إيطاليا بأربعة جثث.

يستمر سعيد في روايته و يضيف أنه خلال ساعة أخرى من الرحلة كان يريد أن يتبول، وكانت طبقة من المطاط بين أجسادهم و الخزان قد ذابت بفعل الحرارة و لونت أجسادهم باللون الأسود و أدرك مرة أخرى أنهم هالكون بنسة 100%. وأحضر ثلاثتهم زجاجة ”بيبسي“ بلاستيكية فارغة معهم تبول فيها أنس و بديع، نصف ما فعلوه وجد طريقه إلى الزجاجه والبقية تناثرت في الخزان. وفي مرة من المرات حاول بديع إفراغها من فتحة الخزان لكن الرياح أدخلت الرذاذ إلى الداخل مرة أخرى.

ورغم كوني غير قادر على الاحتمال، لم أتبول في الزجاجة التي يتشارك فيها أصدقائي. وعند اقتراب الرحلة من نهايتها كان الألم شديداً وحاولت البقاء هادئاً لأجلهم، لكنني كنت أصرخ في أعماقي.

وقادتهم الرحلة إلى عبّارة وكما فعل رجال كنفاني جلس السوريون الثلاثة في الخزان وعند توقف صوت المحرك توقفوا تماماً عن إصدار أي صوت خوفاً من أن يسمعونا ولم ينطقوا بكلمة إلا بعد أن تحركت الشاحنة سريعاً. وقال سعيد إنهم بقوا صامتين يستمعون إلى أصوات محركات القارب ويعانون محاولين التنفس.

رجال فلسطين في الشمس لم يفعلوها في رواية كنفاني لأن الروائي الفلسطيني أراد ذلك، لكن بعد مرور حوالي 52 عاما على صدور رواية كنفاني نجح لاجئون سوريون في الوصول إلى إيطاليا بنفس الطريقة.

كان سعيد ينظر دائماً إلى صور زوجته الحامل و بناته (ديما وريما) على هاتفه و سط ظلام الخزان، ويقول إن عمرهن 4 أعوام وقام بتلك الرحلة فقط من أجلهن. وظل ينظر إلى الصور حتى نفذت بطارية الهاتف.

سعيد مع أسرته في فيينا

و عند توقف المحرك في المرة الثانية استمع الثلاثة إلى كلمات بالإيطالية مثل (بونجورنو وجراتسيه) و هنا أدركوا أنهم قد وصلوا إلى إيطاليا. ويقول سعيد إنهم شعروا بالراحة لأن مهما حدث لن يعودوا إلى اليونان مرة أخرى. كان من المفترض أن يتحرك بهم السائق إلى ميلانو لكنهم لم يستطيعوا الاحتمال. ظلوا يطرقون على جوانب الخزان فلم يتوقف السائق فعرف الثلاثة أنه يسمع ولا يريد التوقف أو لا يسمعهم من الأساس.

اتصلوا بمن ساعدهم على الهرب من اليونان وطلبوا منه أن يتصل بالسائق ليتوقف، وحدث ما أرادوا. يقول سعيد إنهم بمجرد التوقف غادروا بسرعة الخزان وقرارهم الوحيد أنهم لن يدخلوه مرة أخرى.

تركهم السائق في مكان ما في إيطاليا وارتدوا ملابس جديدة غير التي تلونت بالأسود من الخزان. استخدم بديع تطبيق الخرائط على هاتفه المحمول وحدد مكان بلدة قريبة وبدأنا في السير نحوها. بعد قليل من السير رأى الثلاثة المزارع و حين رأوا سيارات أرادوا أن يشيروا إليها لكنهم خافوا من تسليمهم للشرطة فتصرفوا وكأنهم سياح يتنزهون وسط التلال.

ينهي سعيد حديثه بأن الإيطاليين عاملوهم بلطف وأخذوهم إلى أحد المطاعم، فلم يأكلوا منذ 24 ساعة تقريباً، وكان المطعم مغلقاً فجلسوا على مقهى لشرب القهوة. نجي الثلاثة من خزان الوقود لكن حسب قولهم ضاحكين فالقهوة التي شربوها قد تقتلهم.

بعد الرحلة انفصل سعيد عن أصدقائه وأخذ قطاراً إلى فيينا. أما أنس فقد استخدم جواز سفر مزيف من أحد المهربين في إيطاليا وسافر إلى السويد. وبديع قابل أحد أقاربه في ليدز بانجلترا. وحصل الثلاثة على اللجوء في تلك الدول.

و بمجرد استقرار سعيد، بعد أقل من عام من تركه لزوجته وبناته، قابل زوجته في النمسا وهي تحمل العضو الثالث في أسرته (ميس) التى خاف سعيد ألا يراها. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق