سياسة

رامي عصام من السويد: لن أعود إلى مصر “قبل الثلاثين””

رامي عصام لـ بازفيد: سأعود  إلى مصر بعد سن الثلاثين

longform-original-31551-1432868857-5

بازفيد – دافيد بيزنر – ترجمة: محمد الصباغ

أحيط ”مطرب الثورة“ بالكثير من الاهتمام في 2011  (كان عمره 23 عاما)  بعد مساعدته في إسقاط الديكتاتور. وبعد  4 أعوام، دمر القمع الوحشي  كل شئ. ووجد بطل الحركة الثورية الشبابية نفسه بعيدأ عن الدولة محاولاً أن يبقي نفسه والمعركة ضد الديكتاتورية على قيد الحياة.

الجو بارد و كئيب في مدينة مالمو السويدية في مارس لكن رامي عصام يفتح جزءا  من باب بلكونته في الطابق الثالث ليدخل بعض  الهواء إلى الداخل. يقول: ”أحب أن أسمع صوت الشارع“. ثم يضيف: ”يوجد هدوء هنا- على عكس مصر“.

كان رامي عصام منذ 4 سنوات في قلب أكثر الميادين ذات الصوت العالي حيث يجتمع الملايين في ميدان التحرير في بداية 2011  وانتهى الأمر بإنهاء 30 عاماً من حكم مبارك. قاد رامي المتظاهرين في غناء الأغاني الثورية التي توثق نضالهم الجماعي والنداء بالتغيير وكان ذلك مستحيلاً في الشهر الأسبق. ثم ألقي القبض عليه وتم تعذيبه بوحشية. وعندما وصل الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في 2013، عملوا على إسكات المنتقدين وأصبح رامي مستهدفاً.

بعد القبض عليه في كمين بالسويس في مايو الماضي واستجوابه طوال الليل، سيطر على رأس رامي القلق من فكرة التجنيد الإجباري، وقرر الخروج. عرضت عليه شبكة المدن الدولية للاجئين الإقامة في مالمو لمدة عامين مع تحمل كل التكاليف. و في أغسطس قام بحزم حقائبه وجيتاره وغادر مصر. ويقول عصام ”أسمع دائماً أن السويد جنة، الحقيقة ليست كذلك.“

في مصر انتقد النشطاء رامي عصام بسبب تخليه عن القضية. لكن مع تسجيله أغاني ثورية من على بعد 3 آلاف ميل من القاهرة فهو يحاول أن يقنع المستمعين أن المعركة لم تنته بعد، و هو يعلم أن هناك ثمن يجب أن يدفعه.

ولد رامي عصام بالمنصورة و توفي والده  حين كان طفلاً عمره 12 عاماً. و بعد وفاة الوالد أصبح شادي شقيقه الذي يكبره بعامين فقط مثل الأب. عرفه شادي بفرق الروك الأمريكية مثل ميتاليكا و لينكن بارك. وحينها لم يفهم عصام الكلمات لكنه يقول: ”أحببت الطاقة“. واشترى أول جيتار في عمر 17 سنة ويضيف ضاحكاً: ”لمدة عامين أو ثلاثة، كنت أغني فقط أغاني الحب السخيفة. كان حلمي أن أكون نجما من نجوم الروك.“

هنا عرفه شادي على أهمية الكلمات وقال له: ”يجب أن تمتلك رسالة، النهاية ليست أن تكون مشهوراً فقط. هذا تضيع للوقت. يجب ان تحاول مشاركة الناس.“

قابل رامي الشاعر أمجد القهوجي في عام 2008، ويقول رامي: ”ساعدني لأنه كان يكتب الكثير من الأغاني السياسية والثورية.“ وبدأ الثنائي التعاون، وحتى اليوم كتب القهوجي حوالي 75% من أغاني رامي عصام. ورغم  أغانية السياسية لم يتوقع عصام ثورة في يناير 2011، وعند سؤاله عما كان يفعل عند أول مظاهرة في 25 يناير قال: ”لا شىء“، ويضيف ”كان يوماً عادياً، ذهبت إلى الجيم، وقابلت أصدقائي“. لكن شقيقه شادي كان نشيطاً وشارك في المظاهرات الأولى في المنصورة وأقنع رامي بالإنضمام بعد ثلاثة أيام.

يقول عصام: “في 28 يناير، قطعت الحكومة الإتصالات. أنت في المنزل، والهواتف المحمولة والانترنت لا يعملان … سأنزل إلى الشارع. كان القرار الأسوأ الذي اتخذته. لو أعطوني الفرصة فقط في المشاهدة من منزلي، أعتقد أنني كنت سأختار ذلك.”

كانت الهتافات الأولى تنادي بإصلاح الشرطة ووزارة الداخلية والنظام الإقتصادي وفجأة، يقول عصام: ”بدأنا في هتاف: يسقط يسقط حسني مبارك!“ و ضحك رامي وهو يسترجع تلك الجرأة، وأضاف: ”في بداية الأمر سألت نفسي.. هل حقا سنطالب بذلك؟”.

بعد ثلاثة أيام اختفت الشرطة وقرر عصام السفر إلى القاهرة للمشاركة في المظاهرات وأصر شادي على إحضار الجيتار. وبدأ عصام بالغناء في ميدان التحريرلمجموعات صغيرة ازدادت مع الوقت حتى بدأ في الغناء من على منصة الميدان.

لحظة تنحي مبارك في 11 فبراير كان رامي عصام يغني على منصة التحرير، وبتخلي مبارك عن السلطة وتسليمها للمجلس العسكري ارتضى كثير من المتظاهرين بذلك وغادروا ميدان التحرير. بعد أسبوعين كان عصام ضمن مجموعة صغيرة قررت الاعتصام بالميدان. في 9 مارس قرر الجيش إخلاء ميدان التحرير مرة واحدة ونهائياً. وتم الإخلاء بالعنف وكان عصام مع آخرين قد اقتيدوا إلى المتحف المصري. ويقول عصام: ”اعتقدت أنني سأقابل ضابطاً متعلماً قد يفهم. قلت له أنا رامي عصام، الشاب الذي يغني في ميدان التحرير، لدي حفلة وأود الذهاب!“ و يضيف رامي: ”عبرت البوابة الأولى ثم حل الظلام“. تعرض رامي عصام للتعذيب والضرب عارياً بواسطة ضابطين من وحدات الجيش الخاصة.

بعد حوالي 8 ساعات تم إطلاق سراحه، وعاد إلى عائلته بالمنصورة للعلاج. ويقول: ”كان أسوأ شىء حدث لعائلتي بعد وفاة والدي“. وأضاف “.أن والدته وكل أصدقائه قالوا له “كفى.. لا تتحدث في السياسة مرة أخرى

بعد تعافيه مما حدث عاد عصام إلى القضية للثأر. غنى في حفلات في كل مصر على المسارح ومنصات المهرجانات وفي حفلات الشوارع. طلبت منه بعض الأحزاب السياسية الانضمام إليها، ورفض ذلك. وعند التصويت في الانتخابات البرلمانية عام 2012 – الانتخابات التي كانت قد تأتي بالإخوان المسلمين إلى السلطة- لم يصوت رامي عصام. وقال: ”لا أريد أن أشارك في اي عملية حكومية لأنني لا أثق فيهم. رأيت الكثير من الدماء و فقدت الكثير من الأصدقاء. أي مذبحة أو موت أشخاص أو تعذيب من الشرطة سيحدث سأشعر وكأنني جزء منه لأنني صوتت لهذا الشخص.“

تزوج رامي عصام في  2012 بسيدة كانت تعمل كمديرة له، ورزق بابن في العام التالي. لم يستمر الزواج كثيراً، فإنفصلا عام 2014. قضيت أربعة أيام مع رامي عصام في مالمو، وعند سؤاله عما إذا كان لحماسته الثورية دور في انفصاله عن زوجته، فقال: ”لا“، قالها ببطئ. وأضاف ”لا يربط ذلك بالثورة. كنت فقط بعيداً عن كل شئ.“

في منتصف 2013 كانت حكومة مرسي غير مرغوب فيها شعبياً، وفي 30 يونيو نزل الناس بأعداد كبيرة للمطالبة بتنحي مرسي. ورغم  قضاء عصام لعام كامل دعا خلاله لإسقاط مرسي إلا أنه لم يكن راضياً عن نظر ملايين المصريين إلى الجيش باعتباره المخلص. وفي اليوم التالي ذهب إلى ميدان التحرير، وهو يقول: ”كان مليئاً بالحمقى يهتفون للجيش، ويحيون الدبابات والمروحيات ويحملون الجنود. حتى ضباط الشرطة جاؤوا إلى الميدان ورقصوا مع الناس.“

مع انتخاب السيسي بنسبة 97% من الأصوات في مايو 2014 بدأ التضييق الأمني، ورأي عصام أصدقائه تصدر ضدهم أحكاماً بالحبس لعامين أو عقدين. في نفس الشهر كان عائداً من سيناء وفي كمين شرطة أوقفه الضابط و سخر منه قائلا: ”طاطي طاطي“ كما في أغنيته الشهيرة. تم استجوابه وتفتيشه لساعات كثيرة قبل إطلاق سراحه.

قال عصام إن أكثر ما كان يقلقه ليس القبض عليه إنما استدعائه للتجنيد في يونيو. يقول إن تهديدات كثيرة وصلته مثل ”نحن في انتظارك“، و أضاف ”لو دخلت الجيش، لن يكون الأمر كالسجن فقط. ستكون نهايتي و للأبد.“

قابل عصام في مالمو ريتوف، الذي يعمل في منظمة “فريميوز” الموجودة في كوبنهاجن الدنماركية القريبة من السويد. وكانا قد تقابلا من قبل في ميدان التحرير عام 2011.  وقضى معظم وقته في كتابة الأغاني و نشرها على الإنترنت ، وأطلق ألبومه الأخير في الأول من مايو وكله عن مصر، رغم كونه خارجها.

كانت وجهته مالمو في السويد تحديداً بسبب مميزات الإعانات الحكومية السخية والرعاية الصحية، ولقبولها أكثر من 80 ألف طلب لجوء سياسي فقط في عام 2014.

بعد أحداث تشارلي إيبدو في باريس اختلفت المعاملة تجاه المهاجرين، و قضي عصام معظم وقته في شقته بمالمو. و يقول إنه منع  من دخول أحد البارات مؤخراً ”منعني من الدخول بسبب مظهري، هنا، مازال بعض الناس لا يحبون الأشخاص على هيئتي.“

تغطي منظمة شبكة المدن الدولية للاجئين لعصام تكاليف شقته ومصاريفه الشهرية حتى أكتوبر 2016. ينتوي أن يظل بالسويد  حتى يونية الذي يليه حيث  يحتفل بعيد ميلاده الثلاثين مما يجعله يتجنب الخدمة العسكرية، ويدفع غرامة صغيرة. بعد ذلك، يخطط للعودة إلى مصر دون النظر إلى الموقف السياسي هناك  ويقول: ”حتى لو كانت مخاطرة، فهي دائماً كذلك.“

لا يسمي عصام وجوده في السويد بـ”المنفى“. ولم يتقدم بطلب للجوء سياسي، أو يتخلى عن جواز سفره أو حتى زعم أنه بشكل ما لاجئ. في الحقيقة كل ما يفعله الآن يوحي بعودته النهائية إلى مصر.

و عن الحفلات التي يقدمها في السويد لجماهير سويدية وجاليات عربية يقول إنه لا يتعجب من البرود القليل مع المستمعين المهذبين، ويضيف إنه من المستحيل أن يشعر باحساسه القديم، ويعتقد أن ذلك قد يحدث فقط لو عاد إلى مصر و فعل ما كان يفعله مرة .

أخرى.

.

نشر الحوار في بازفيد في يونية 2015

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق