سياسة

ذا دايلي بيست: حان الوقت .. لدولة كردستان

تنتشر عبر حدود  الدول، لكن القومية الكردية أصبحت واقعاً مع انهيار بقية الشرق الأوسط

ذا دايلي بيست – أليزا ماركوس- أندرو أبوستولو – ترجمة: محمد الصباغ

حان الوقت لنتوقف عن الحديث حول ما إذا كان الأكراد يستحقون دولة مستقلة. هناك حوالي 40 مليون كردي في تركيا، والعراق، وإيران وسوريا، أي أكبر جماعة عرقية لا تمتلك حق تقرير المصير. فكر الأكراد كثيراً في الاستقلال، لكن الدول التي يعيشون فيها دائماً ما يعارضون ذلك. تعارض الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين استقلال الأكراد لأنهم يخشون أن ذلك قد لا يدعم استقرار الشرق الأوسط المتقلب بالفعل.

لقد عفا الزمن على الجدل حول استقلال الأكراد. الأمر لا يتعلق بسماح العالم أو لا بوجود دولة مستقلة للأكراد. الأمر يتعلق بما استطاع الأكراد بالفعل القيام به. ففي العراق وسوريا، حافظت الجماعات الكردية على استقرار أراضيهم الخاصة دون الحصول على إذن من أحد. ليست دولاً بصلاحيات كاملة ومستقلة وليس بها تمثيل دبلوماسي في الأمم المتحدة  أو هناك اعتراف دولي بها. ليسوا في حاجة إلى ذلك. أظهر الأكراد أنهم يستطيعون تدبير أمورهم دون كل ذلك. في تركيا، حيث يعيش قرابة نصف الأكراد، يطالبون بحكم ذاتي لكنهم يواجهون دولة غير قادرة على التفاوض حول الحقوق السياسية.

السؤال هنا هو ما إذا كانت الولايات المتحدة والآخرين يمكنهم قبول حكم الأكراد الذاتي. الأمر عاجل جداً بالعودة إلى أهمية الأكراد في العراق وسوريا وقتالهم ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. وعلى نفس القدر من الأهمية، هل يستطيع الأكراد تقبل انقساماتهم وألا يتدخلون في شؤون بعضهم الآخر؟

في العراق، يحكم الاكراد أنفسهم منذ عام 1991، عندما أقيمت منطقة حظر جوي بقيادة الولايات المتحدة فوق شمال البلاد من أجل حماية الأكراد من قوات صدام حسين. أقام الأكراد حكومة إقليم كردستان، وبرلمانهم الخاص، واستخدموا أنواع مختلفة من الدينار العراقي غير التي يستخدمها العراقيين، وحتى قاموا بعمل طوابعهم البريدية الخاصة. استطاع كردستان العراق أن يبقى رغم العزلة، والعقوبات الدولية، والحرب الأهلية التي قسمت المنطقة إلى حزبين كردستانين رئيسيين. بعدما أسقطت الولايات المتحدة وحلفائها صدام حسين عام 2003، أصبحت كردستان العراق فيدرالية معترف بها رسمياً من الدولة العراقية.

منذ ذلك الحين، أدار الأكراد العراقيين أمورهم دون النظر بشكل كبير إلى بغداد وبقلق ما بسبب أنهم ليسوا دولة مستقلة.  أما مسعود برزاني –رئيس كردستان الذي انتهت ولايته في أغسطس لكنه مازال في منصبه- أعلن في صيف 2014 أنه يخطط لاستفتاء على الاستقلال عندما بدت الدولة العراقية في طريقها نحو الانهيار. ثم أجلّ الاستفتاء بعدها بشهور عندما أصبح من الواضح أن الدفاع عن كردستان ضد تنظيم الدولة هو الأولوية.

في الواقع، إقليم كردستان ليس في حاجة الإعلان رسمياً عن استقلاله. فهو يتصرف كما لو كان كذلك. فالأكراد العراقيين حصلوا على ميزات تسمح لهم بالتحكم في حقول نفطهم وتوقيع عقود مع شركات نفط عالمية. وفي العام الماضي حين فشلت بغداد في منحهم مستحقاتهم من صادرات النفط، بدأ الأكراد العراقيين ببيع نفطهم للخارج –بالرغم من معارضة العراق وأمريكا ذلك والقضايا التي لم تنجح في منعهم من ذلك. لديهم أيضاً قواعد عبور للحدود أكثر تحررية. فبينما تطلب بغداد من المسافرين إليها تأشيرة دخول مسبقة، فعلى العكس من ذلك يمكن استخراج التأيرات من مطاريّ كردستان الدولتين. السفارت الأجنبية تقع في بغداد، لكن الكثير والكثير من الدول اعترفوا بأنهم في حاجة إلى قنصلية بالعاصمة الكردية إربيل. ومن بين تلك الدولة الخمسة أعضاء الدائمين بمجلس الأمن وتركيا. ما تشعر به في إربيل يختلف تماماً عن أي منطقة أخرى بالعراق- وهذا مايلائم الكثيرون.

يبني الأكراد دولتهم الخاصة بشمال سوريا الشرقي على الحدود مع تركيا وكردستان العراق. انهيار سوريا كدولة سيعطي للأكراد السوريين فرصة لو تمسكوا بها. يتعاون الأكراد مع حزب الاتحاد الديمقراطي والمتفرع من حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل تركيا، والآن يسيطر على أغلب كردستان سوريا (المعروفة بروج آفا أو كردستان الغربية). أما القوات الكردية السورية المعروفة ب (YPG) فلها دور مؤثر في حملة الولايات المتحدة ذد تنظيم الدولة. وفي أقل من عام، أخرجت تلك القوات داعش من أغلب مناطق الحدود التركية السورية، حارمين الجهادييم من خطوط الإمداد الهامة. وبالرغم من خسائرهم الكبيرة –مقاتليهم لا يرتود خوذاً او سترات واقية أو حتى ملابس أرض المعارك الأساسية- فهم على بعد 30 ميلاً فقط من مدينة الرقّة، عاصمة الدولة الإسلامية.

تقول الإدارة الكردية السورية إنهم لا يريدون الاستقلال. أعلنوا سلسلة من مقاطعات الحكم الذاتي جميعها بشكل خاص مستقلة بما يكفي أثناء الحرب. قاموا بطباعة كتب مدرسية جديدة وأسسوا أنظمة قضائية بدائية ويعملون على تنمية اقتصادية. هناك نظرة إيجابية نحوهم لتركيز مقاتليهم على هزيمة داعش والتزامهم بحقوق المرأة –فقد حظروا تعدد الزوجات وأرسلوا نساء إلى الجبهة الامامية للحرب. يسعدهم الاعتقاد الذي يؤمن به بعض الجهاديين بأن القتل على يد إمرأة كردية هو تذكرة دخول إلى النار.

دائماً ما عارضت الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين فكرة كردستان مستقلة. هذا لأنهم ينظرون إلى القضية الكردية من خلال منظور الدول التي يعيش بها الأكراد، وخصوصاً تركيا. لعقود، سعت الحكومة التركية إلى دمج الأكراد بالقوة وأنكرت وجودهم كجماعة عرقية منفصلة بلغتهم الخاصة. خشت تركيا طويلاً من أن أي مكاسب للأكراد في الدول الأخرى ستعزز من مطالبهم بالداخل.

المخاوف التركية الآن ليست كالسابق، لأن الأكراد هناك ليسوا في حاجة إلى تشجيع خارجي فهم منظمون سياسياً بشكل جيد، واستطاعوا انتخاب عشرات النواب بالبرلمان بالرغم من القضايا المرفوعة ضد الكثير من ممثليهم وإغلاق العديد من الأحزاب الكردية بالسابق. حزب العمال الكردستاني في قتال متقطع منذ 30 عاماً مع الدولة التركية وتسبب ذلك في تقوية الاحساس بالهوية الكردية في تركيا. وبينما الأكراد في تركيا ليسوا في موضع يسمح لهم بالتحكم في مناطقهم بشكل صريح، إلا أن مطلبهم الرئيسي هو حكم ذاتي. تحدث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حول إصلاحات واسعة للأكراد وفي عام 2013 أعلن عن بداية المفاوضات مع زعيم حزب العمال المسجون، عبدالله أوكلان. انهار اتفاق وقف إطلاق النار الذي اتفقوا عليه آنذاك، في يوليو 2015.

كما يحتاج العالم لتقبل أن هناك أكثر من كردستان، ذاتية الحكم، فالأكراد أيضاً يجب عليهم إدراك ذلك. الفكرة السياسية الشائعة بين الأكراد لعقود كانت الحاجة إلى كردستان واحدة والتي قد تجمع الأكراد في مناطق سوريا وتركيا والعراق وإيران أيضاً. وعلى من يتقبلون فكرة وجود أكثر من كردستان حالياً أن يتوقفوا في التدخل في سياسات بعضهم الآخر. سيكون هناك توترات أقل بين الأحزاب الكردية، وقلق دولي أقل من القومية الكردية، لو تقبل الأكراد أنفسهم بأنهم لن يكونوا كردستان موحدة.

منذ عدة سنوات، كان هناك بعض الأمل في أن الأكراد يمكن أن يتوصلوا إلى جهاز تنفيذي واسع من خلال إقامة برلمان كردي وطني. وكان على مسعود برزاني أن يعقد هذا الاجتماع لأنه القائد الوحيد الذي يمتلك شرعية في ذلك الوقت. لم ينعقد البرلمان الكردي الوطني أبداً، يعود جزء من الأسباب إلى نزاعات بين برزاني وحزب العمال حول من سيرأس المؤتمر وكم عدد المقاعد التي سيتكون من نصيب كل حزب.

يرفض كل من الأكراد الأتراك أو السوريين أو العراقيين التدخل كل في شؤون الآخر. فبرزاني ،رئيس حزب الأكراد الديمقراطي بكردستان، يقوم ببسط نفوذه على روجافا –كردستان سوريا. طالب حلفائه الأكردا في سوريا بالسماح بإرسال مسلحيهم إلى القتال بشكل منفرد عن المقاتلين الأكراد السوريين. رفض الأخيرين ذلك، وقالوا إن وجود قوتين مختلفتين هو بداية حرب أهلية. هذا شئ يجب أن يعرفه برزاني جيداً، إلى جانب أن قواته –الحزب الديمقراطي الكردستاني- قاتلوا منافسيهم –الاتحاد الوطني الكردستاني- في الفترة بين 1994 و1998.

فعل مسلحو كردستان السوريون ذلك أيضاً مع مقاتلي حزب العمال، وأصروا على السماح لهم بالدخول في أرض المعركة بالعراق. ساعدت قواتهم في حماية الأيزيديين في أغسطس 2014 من تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة سنجار. ثم عادوا مرة أخرى في نوفمبر 2015 –ضد رغبة حكومة إقليم كردستان- وهنا أمر برزاني قوة من الأكراد العراقيين، مدعومة من الولايات المتحدة، من استعادة جبال سنجار ونجحوا في ذلك. كان اشتراك قوات حزب العمال مؤثراً جداً لكن حكومة برزاني أكدت سلطتها السياسية على سنجار، ورفض قبول مطالب المقاتلين الأكراد السوريين أو حزب العمال بوجود هيكل حكم منفصل للأيزيديين.

إلى الآن، لا تبدو أي فرصة لحكم ذاتي أو استقلال في إيران، حيث يعيش حوالي 7 مليون كردي. تقمع جمهورية إيران الإسلامية النشاط الكردي وتعدم السجناء الأكراد السياسيين. واندلعت معارك متفرقة بين مقاتلي حزب الحياة الحرة لكردستان (PJAK) و بين القوات الإيرانية. وقام حزب العمال كوسيط عن مقاتلي حزب الحياة الحرة بعرض وقف لإطلاق النار رفضته الحكومة الإيرانية. منذ ذلك الوقت، انضم أعداد من الأكراد الإيرانيين إلى جبهة القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية، سواء في العراق أو في سوريا. وكما قال كردي إيراني لبي بي سي أثناء قتاله في كوباني بكردستان السورية ”عندما ننتهي من تحرير كوباني، سنتجه إلى إيران. دورهم قادم.“

بغض النظر عن الطريقة التي يعامل بها الأكراد في الدول التي يعيشون بها، ليس من المفاجئ أنهم يطالبون بحق حكم أنفسهم وهم قادرون على القتال. لذلك حان الوقت للمجتمع الدولي أن يفكر في الرغبات الكردية ببناء الاستقرار والمؤسسات الديمقراطية بدلاً من أن يقف في جانب من يريدون حكم الأكراد.

أليزا ماركوس: مؤلفة كتاب الدم والعقيدة: حزب لعمال الكردستاني والمعركة الكردية من أجل الاستقلال.

أندرو أبوستولو: خبير كردي يعيش بواشنطن

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق