إعلامسياسة

ديرشبيجل: إنهم يختفون في مصر ..ويمحون الصور

ديرشبيجل: إنهم يختفون في مصر

دعاء الطويل

دير شبيجل – نيكولا آبي – ترجمة: محمد الصباغ

يتدلى ورق الحائط على الجدران وتملأ علب طلاء الأظافر الخزانة. ويبدو أن المرأة التي اعتادت أن تسكن تلك الغرفة مولعة بالخنافس، لكنها حاليا في أيدي الحكومة منذ ثلاثة أشهر. هناك دمية  على شكل خنفساء على السرير، وسجادة على هيئة حنفساء أيضاً على أرضية الغرفة. تقول دعاء الطويل شقيقة إسراء، إن أختها لم تكن تعرف الراحة، كانت في  حركة دائمة وتصور كل ما تجده في طريقها.

وتضيف: ”لقد محونا الصور“، موضحة أن أي شخص يظهر في تلك الصور سيكون في خطر. جلبت دعاء خطابات من شقيقتها من صندوق كرتوني. كانت الخطابات مطوية بطريقة تجعلها في أصغر حجم ممكن حتى يمكن تهريبها إلى خارج السجن. وتقرأ دعاء من أحد الخطابات: ”كنت معصوبة العينين طوال خمسة عشر يوماً“، ”وشعرت كأنني في قبر. كان الأمر سيئاً لدرجة أنني صليت ودعوت الله أن يحييني مرة أخرى. لكنني لم أستطع الركوع. اختطفوني في آخر أيام دورتي الشهرية. لم استطع الاغتسال لمدة 17 يوماً“.

إسراء الطويل هي طالبة علم اجتماع ومصورة حرة، 23 عاماً. كانت قد اختطفت في الأول من يونيو هذا العام—ليس من قبل مجرمين أو منظمة إرهابية، بل قامت بذلك شرطة بلادها.

إسراء الطويل

عقب أكثر من 4 سنوات من الثورة المصرية، تضيق الحكومة التي يقودها الرئيس عبدالفتاح السيسي على الصحفيين غير المرغوب فيهم، والثوريين السابقين، والأهم من ذلك على الإسلاميين. باسم الحرب على الإرهاب، صدرت القوانين التي تحد من حرية الاعلام وحرية التعبير. وفي بعض الحالات، تكسر قوات الحكومة القوانين، فيما قد يعتبر في بعض الأحيان أنه انتقام من المؤمنين بالديمقراطية الذين قاموا بالإطاحة بالديكتاتور السابق حسني مبارك.

يتعرض الشباب للاعتقال، في الشوارع والعمل ومن المنازل. يتم استجوابهم دون أمر توقيف أو وجود محامي، وتبقى عائلاتهم على غير علم بمكان وجودهم. كان هناك مثل تلك الحالات بالفعل في عصر مبارك، لكن منذ قدوم اللواء مجدي عبدالغفار إلى وزارة الداخلية في مارس الماضي، تخفي الشرطة عشرات الأشخاص، وخاصة أعضاء ومؤيدي الإخوان المسلمين، الذين يتعامل معهم النظام الجديد على أنهم إرهابيون. ويعتقد نشطاء حقوق الإنسان أن هناك أكثر من 800 حالة من تلك النوعية في مصر حالياً.

وتقول دعاء الطويل إنه بعد إختفاء شقيقتها ظهر والدها على شاشات التلفزيون طالبا المساعدة. ثم اتصلوا بمحامي وتقدم بشكوى إلى النائب العام. ورد مكتب النائب العام: ”أخبروني بمكانها وهنا سوف أحقق بالقضية“، مشيرا إلى احتمالية ان تكون قد هربت مع حبيبها.

تضيف دعاء أنها تتحدث وهى نائمة باستمرار وتكرر رقم البلاغ 1191 الذى حررته العائلة للإبلاغ عن إختفاء شقيقتها. وقبل لقائي بها بيوم، رأت أختها لأول مرة منذ اختفائها، لكن من مسافة بعيدة وخلف حاجز أمام مقر النائب العام. تم تمديد احتجازها لمدة 14 يوماً، لكن الشىء نفسه تكرر لمدة أسبوعين. اتهمت إسراء بأنها عضو بالإخوان المسلمين، وبنشر تقارير كاذبة وتزويد دول أخرى بمعلومات.

يقول محاميها، حليم حنيش: ”هذه هي الاتهامات الثلاثة الأكثر رواجاً حين تريد القبض على شخص ما في هذه الأيام“. نفت إسراء تلك الاتهامات، ووصف حنيش الاختفاء القسري بأنه أسلوب غادر، لأنه ”يسمح للحكومة بإخفاء الأشخاص بعيدا عن القانون“، فالشخص الذي ألقي القبض عليه رسمياً لا يمكن التحقيق معه دون وجود محام. ويجب أن تحوّل القضية إلى النيابة العامة خلال 24 ساعة، ويتوجب على الحكومة الإفراج عنه إذا لم يوجه له اتهامات، وفقاً لحنيش.

لكن الاختفاء يضع الأمر في فراغ قانوني. فهم يصطحبو  الشخص المعتقل إلى مبنى تابع لأمن الدولة. ويوضح المحامي: ”هناك يتم أخذ الاعترافات منهم بالقوة“، وبعض الأحيان من خلال التعذيب. ثم يتم تجهيز لائحة الاتهام. وحسب ما أكده محاميها، تعرضت إسراء لاستجواب دام 18 ساعة، وفي النهاية قامت بالتوقيع على محضر الاستجواب. كما ظهر أيضا توقيع لمحامي، لكن محاميها لم يكن حاضرا للتحقيق.

ويضيف حنيش بأنه لا توجد قاعدة قانونية لإلقاء القبض على أشخاص دون مذكرة توقيف. ”لكن الحكومة لا يجب عليها تعديل القانون، بكل بساطة تقوم بكسره“.

نفت إسراء مزاعم انتمائها لجماعة الإخوان المسلمين. أما أحمد الدجوي، 23 عاما، فكان في الحقيقة عضواً في الجناح السياسي للإخوان، حزب الحرية والعدالة، وترأس منظمة شبابية، واختفى في 16 يوليو.

أحمد الدجوي

عقب الثورة وصل سريعاً الإخوان المسلمون إلى السلطة، ثم عانوا من سقوط كبير بعد ذلك. لأنهم كانوا القوة السياسية الأكثر تنظيماً في البلاد ومع عدم وجود أي خبرة مع الديمقراطية، فاز حزب الحرية والعدالة بأول انتخابات حرة في مصر.

لكن بعد ذلك أسست الجماعة نظاما فاسدا تحت قيادة الرئيس محمد مرسي. استولى مرسي على سلطات أوسع عبر طرحه لإعلان دستوري. تظاهر الناس، وبدا أن مصر تغرق في الفوضى. وهذا جعل جزء كبير من المصريين، الحريصين على الاستقرار، يدعمون الانقلاب العسكري، وهو نفس سبب دعم الكثيرين للسيسي حتى الآن.

ترتدي رضا عباسي، 49 عاماً، والدة أحمد الدجوي نقاباً. تبدو خائفة على ابنها أحمد وعلى أشقائه الثلاثة وعلى زوجها. لا تريد لقائنا في منزلها، وتقول إنه ليس بمكان آمن. قالت إن شقتها تعرضت للتفتيش عدة مرات. في البداية اقترحت أن نلتقي بأحد النوادي، لكن غيرت رأيها، لأن الزوار يجب أن يقوموا بتسجيل أسمائهم. في النهاية، التقينا في مقهى حيث جلست في أحد الزوايا وعرضت علينا صور ابنها على هاتفها.

قبل القبض عليه، كان مختبئاً لمدة عامين، يعيش في شقق مع أصدقاء مختلفين وباستمرار يغير محل إقامته. لم تعرف أمه مطلقاً مكان وجوده. كان يتعامل معها عبر تطبيق (WhatsApp). وأحياناً يلتقون في أماكن عامة مثل المقاهي أو الحدائق. بدت ملابسه قديمة وممزقة، وحاولت أن تعطيه أموالاً لكنه وفقاً لحديثها كان يرفض أن يأخذها.

وتقول: ”أحمد لم يرغب في ترك البلاد. دائماً كان يصر على أنه لم يرتكب أي خطأ“ لكن مؤخراً بدأ الخناق يضيق حوله بعد اعتقال العديد من أصدقائه. وخاصة عندما استقبل رسالة من هاتف تم مصادرته من أحد أصدقائه بدأ في القلق بأن المخابرات قد تحدد مكانه عبر الهاتف.

وفي يوم 16 يوليو، آخر أيام شهر رمضان، خطط للقاء أحد أصدقائه في شقته للاستمتاع بجهاز إكس بوكس. وهو مفقود منذ ذلك الحين. يقول أصدقائه إنه احتجز في مبنى تابع لأمن الدولة، لكن لا يوجد تأكيد رسمي حول مكانه أو أي اتهامات صدرت ضده. وتضيف والدته: ”تلك هي الخطورة في الأمر، يمكن أن يتهموه بكل شىء، وحتى بارتكاب هجوم إرهابي لم يحدث من الأساس“.

بعد ثورة 2011، تم تعديل الدستور ليحاكم المدنيين أمام محاكم عسكرية، حيث لا توجد حقوق للمتهمين. ويمكن تحويل كل قضايا الإرهاب إلى محاكمات عسكرية – وكل ما يلزم لجعل القضية متعلقة بالإرهاب هو إتلاف الممتلكات العامة. وهذه أحد التعديلات التي أصدرها الرئيس السيسي.

أصدرت الحكومة المصرية قانون مكافحة الإرهاب مؤخراً، وواجه انتقادات دولية كبيرة، لأنه يقيد حرية التعبير. وتوضح المحاكمة التي انتهت في 29 أغسطس الماضي كيف يتعامل النظام بقسوة مع المؤسسات الإعلامية. فقضت محكمة مصرية بحبس ثلاثة صحفيين من شبكة الجزيرة لمدة ثلاث سنوات، وهم  المصري باهر محمد والكندي محمد فهمي والأسترالي بيتر جريست.

أسامة سعد

يبدو الموقف أكثر تعقيداً لثلاثة آخرين ألقي القبض عليهم في نفس القضية، بزعم أنهم يمدون شبكة الجزيرة بالمواد. أحدهم هو طالب العلوم السياسية، صهيب سعد. ويقول شقيقه أسامة: ”صحيح أنه عمل كصحفي حر، ومن المحتمل بالفعل أن يكن قد أمد شبكة الجزيرة بمواد فيديو“.

جلس أسامة في مطعم إيطالي ورفض أن يشرب شيئاً، ولم يرغب في الحديث عن الجزيرة مرة أخرى. في أيام قليلة، سيتم محاكمة شقيقه أمام محكمة عسكرية في قضية مختلفة تماماً، فيها يتم اتهامه بأنه أحد أخطر الإرهابيين في البلاد. ألقي القبض على صهيب بينما التحقيقات الرسمية ضده وبقية الصحفيين مازالت تجرى بشكل رسمي. بمعنى آخر، وفقاً لأخيه، كان يجب عليه أن يذهب ليثبت حضوره يومياً أمام قسم الشرطة. لم تعرف الأسرة عنه شيئاً لمدة 15 يوماً. وخلال هذا الوقت، اعترف سعد. نشر الجيش بيان بالفيديو عنوانه ”أخطر خلية إرهابية على الإطلاق، تهدد الأمن القومي“. وظهر سعد بهذا المقطع. واعترف بأنه تلقى أموالاً واشترى سلاحاً. وعرضت برامج وأخبار التلفزيون صوراً لأسلحة آلية وقنابل يدوية ومتفجرات. ويقول شقيقه: ”أعطوه ورقة وطلبوا أن يوقع عليها“، وزعم أيضاً أن شقيقه تم تعذيبه بالكهرباء، ولديه ندبات على أنفه وجروح بالغة في معصميه.

كان المطعم الإيطالي بجوار ميدان التحرير قبل الثورة الذي امتلأ بحشود المتظاهرين والخيام المنصوبة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق